رامز كبيبو
لا تكشف الأرقام المتعددة عن تناقض حتمي بين التقارير بقدر ما تكشف غياب قاعدة وطنية تجمع الحالات وتطابقها وتتابع مآلاتها. وبين الفقدان والخطف والاحتجاز والاختفاء القسري فروق قانونية لا يجوز تجاوزها، لأن حماية النساء والفتيات تبدأ من دقة التسمية وتنتهي بتحقيق مستقل يكشف الحقيقة ويحاسب المسؤولين.
ملف النساء والفتيات السوريات المفقودات أو المختطفات هو، قبل أي شيء، ملف حقوق إنسان. وقد تنطوي كل حالة، بحسب وقائعها، على فقدان مجهول الأسباب، أو خطف، أو احتجاز تعسفي، أو اتجار بالبشر، أو عنف جنسي، وقد ترقى إلى اختفاء قسري إذا ثبتت الصلة القانونية بالدولة أو بمن يعمل بإذنها أو دعمها أو قبولها. لذلك لا تكفي تسمية واحدة لتغطية جميع الحالات، ولا يجوز أن تحل السردية السياسية أو الطائفية محل التحقيق في مصير كل امرأة وفتاة.
وقد تبدو أرقام لجان التحقيق والمنظمات الدولية ووسائل الإعلام والجهات الحكومية متناقضة: تتحدث بعض المصادر عن 33 حالة، وأخرى عن 36 أو 38 أو 21 أو 13، بينما تناولت لجنة وزارة الداخلية السورية 42 بلاغًا، ونقلت جهة حقوقية سورية رقمًا أعلى بكثير عن حملة محلية. لكن هذه القوائم لا تغطي بالضرورة الأشخاص أنفسهم، ولا الفترات والمناطق نفسها، ولا تستخدم معيار إثبات واحدًا. ولا يوجد حتى اليوم سجل وطني مستقل يطابق الأسماء والتواريخ والبلاغات ويبين ما انتهت إليه الحالات السابقة وما أضيف إليها لاحقًا.
لهذا يعرض هذا النص التسلسل الزمني والرقمي للمصادر الأساسية، ثم يوضح الفروق الحقوقية بين أنواع الحالات، وما تقتضيه المعالجة المؤسسية من حماية وتحقيق وشفافية، من دون جمع أرقام غير قابلة للجمع، ومن دون افتراض براءة أي جهة أو إدانتها قبل توافر الأدلة.
الأرقام في سياقها الزمني
في 27 حزيران 2025، نشرت وكالة “رويترز” تحقيقًا حدد أسماء 33 امرأة وفتاة علوية قالت أسرهن إنهن “اختُطفن أو فُقدن”. أجرت الوكالة مقابلات مفصلة مع أسر 16 حالة، وكانت لدى سبع أسر مؤشرات مباشرة، مثل مطالب الفدية أو اتصالات نسبت إلى خاطفين، بينما بقيت تسع حالات من دون معلومات حاسمة عن طبيعة الغياب أو الجهة المسؤولة عنه. ولذلك حافظ التحقيق نفسه على الجمع بين وصفي “الاختطاف” و”الفقدان”، ولم يقدم الحالات الثلاث والثلاثين كلها بوصفها جرائم خطف مثبتة.
وفي 15 تموز 2025، وجه عدد من خبراء الإجراءات الخاصة في الأمم المتحدة رسالة إلى الحكومة السورية بشأن معلومات عن اختطافات واختفاءات وعنف قائم على النوع الاجتماعي.
وبعدها بأيام، في 23 تموز، أعرب خبراء أمميون عن قلقهم إزاء تقارير تتعلق باختطاف 38 امرأة وفتاة.
وهذان المصدران مهمان بوصفهما اتصالًا وبيانًا أمميين، لكنهما ليسا تقارير تحقيق تثبت صحة جميع الحالات الواردة فيهما.
وفي 28 تموز 2025، قالت منظمة “العفو الدولية” إنها تلقت تقارير موثوقة عن اختطاف 36 امرأة وفتاة علوية، ووثقت بصورة مباشرة ومفصلة ثماني حالات منها، فيما استندت في الحالات الأخرى إلى معلومات من ناشطين وصحفيين واللوبي النسوي السوري، مع إجراء تقاطع مع مصادر إضافية. وهذا التفريق بين “التوثيق المباشر” و”التقارير الموثوقة” ضروري عند استخدام الرقم.
وفي 2 تشرين الثاني 2025، أعلنت وزارة الداخلية السورية نتائج لجنة حكومية قالت إنها درست 42 بلاغًا أو ادعاءً جرى رصده منذ بداية العام حتى 10 أيلول، في اللاذقية وطرطوس وحمص وحماة. وخلصت، وفق ملخصها الرسمي، إلى حالة خطف واحدة، وصنفت بقية الحالات بين مغادرة طوعية مع شريك، وغياب مؤقت، وفرار من عنف أسري، وادعاءات كاذبة، وقضايا جنائية أو ابتزاز ودعارة.
وانتقدت منظمات سورية استقلال اللجنة ومنهجيتها وغياب التفاصيل المنزوعة الهوية التي تسمح بمراجعة هذه التصنيفات.
ولا يجوز تحويل الفرق بين النتيجة الحكومية والأرقام الأخرى إلى تناقض محسوم قبل مطابقة الملفات. فقد اقتصرت اللجنة الحكومية على أربع محافظات وفترة محددة، ولا نعرف إن كانت الأسماء التي درستها هي نفسها الواردة لدى لجنة التحقيق الدولية أو منظمة العفو أو الصحافة. لكن اتساع الفارق، وعدم نشر منهجية تفصيلية وملخصات آمنة للحالات، يبرران المطالبة بمراجعة مستقلة وشفافة.
وفي 23 شباط 2026، نشرت منظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” تحقيقًا اعتمد على 17 مقابلة وحلل حالات 20 شخصًا، بينهم تسع نساء وثلاثة أطفال. ونقلت المنظمة عن حملة “أوقفوا خطف النساء السوريات” قولها إنها تحققت، وفق منهجيتها، من 130 حالة خلال عام 2025، بقي مصير 36 منهن مجهولًا. ينبغي نسبة هذا الرقم إلى الحملة نفسها، لا تقديمه بوصفه رقمًا أمميًا أو إحصاءً وطنيًا مدققًا.
وفي 12 آذار 2026، قدمت لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا تقريرها الذي يغطي الفترة من 8 كانون الأول 2024 إلى 31 كانون الثاني 2026. حققت اللجنة في 21 حالة اختطاف خلال عام 2025، شملت 17 امرأة وأربع فتيات، وكانت الغالبية من العلويات مع حالة واحدة لفتاة سنية. وخلصت إلى تعرض ثماني ضحايا على الأقل للعنف الجنسي، وذكرت أن هوية الجناة بقيت مجهولة في معظم الحالات، مع تحديد مقاتلين أجانب مدمجين اسميًا في وحدات تابعة لوزارة الدفاع في حالة واحدة. كما سجلت اللجنة تقصيرًا أو ضغطًا على بعض الأسر في قضايا، وفي الوقت نفسه أشارت إلى إنقاذ ضحايا وتوقيف مشتبهين في قضايا أخرى.
وفي 3 نيسان 2026، قالت صحيفة “نيويورك تايمز” إنها تحققت صحفيًا من اختطاف 13 امرأة وفتاة علوية، إضافة إلى رجل وصبي، وأفادت خمس من النساء والفتيات بتعرضهن للاغتصاب وعادت اثنتان حاملتين.
ثم صدرت خلال عام 2026 بيانات تتعلق بحالات جديدة أو منفردة، لكنها لم تشكل تحديثًا وطنيًا يطابق جميع القوائم السابقة ويبين مصير كل حالة.
إذن، ما تسمح به المصادر حتى 26 تموز 2026 هو القول إن جهات دولية وحقوقية وصحفية حققت في عشرات الحالات بدرجات متفاوتة من الإثبات، وإن لدى منظمات وحملات سورية بلاغات إضافية. لكنها لا تسمح بإعلان رقم وطني نهائي، ولا بجمع 33 و36 و38 و21 و13 و130 حسابيًا، فقد تكون الحالة نفسها واردة في أكثر من قائمة، وقد تتغير من “مفقودة” إلى “مخطوفة” أو “عائدة” أو “مغادرة طوعًا”، بعد ظهور معلومات جديدة.
التسمية ليست تفصيلًا
تبدأ المعالجة الحقوقية من استعمال وصف يعكس ما هو معروف فعلًا في كل مرحلة. فـ”المفقودة” هي من انقطع الاتصال بها أو جُهل مصيرها من دون دليل كافٍ على سبب الغياب. و”المخطوفة” هي من توجد قرائن معقولة على حرمانها من حريتها بالقوة أو التهديد أو الخداع. أما “المحتجزة” فيُعرف أن جهة ما تمسك بها، وقد يكون الاحتجاز قانونيًا أو تعسفيًا بحسب أسبابه وإجراءاته.
أما “الاختفاء القسري” فله معنى قانوني أضيق: حرمان شخص من حريته على يد موظفي الدولة أو أشخاص يعملون بإذنها أو دعمها أو قبولها، ثم إنكار الاحتجاز أو إخفاء المصير أو المكان، بما يضع الضحية خارج حماية القانون.
لذلك لا يصح وصف كل خطف يرتكبه مجهولون بأنه اختفاء قسري، كما لا يصح استبعاد هذا الوصف عندما تظهر أدلة على صلة الجناة بأجهزة الدولة أو على قبولها أو دعمها.
ويجب أيضًا التعامل بحذر مع وصف “المغادرة الطوعية”. فظهور المرأة في تسجيل مصور، أو قول الأسرة إنها غادرت مع شريك، لا يكفي وحده، ولا سيما إذا كانت قاصرًا أو ظهرت مؤشرات خوف أو إكراه. التحقق الحقوقي يتطلب مقابلة آمنة ومستقلة، بعيدًا عن الأسرة وعن الشخص أو الجهة التي قد تكون موضع شبهة، والتأكد من حرية الإرادة ومن عدم تعرضها للتهديد أو الاستغلال.
مسؤولية الدولة وحدود الاستنتاج
تقع على الدولة السورية المسؤولية الرئيسية عن استقبال البلاغات والبحث العاجل وحفظ الأدلة وحماية الضحايا والأسر وملاحقة الجناة دون تمييز. وهي الجهة التي تملك الصلاحيات العامة لتتبع الاتصالات وتفتيش المواقع وضبط المعابر وإصدار مذكرات التوقيف والإحالة إلى القضاء. وتستند هذه الواجبات إلى حقوق الحياة والحرية والأمان الشخصي، وحظر التعذيب والتمييز والعنف ضد النساء والأطفال، وذلك استنادًا إلى ما ينص عليه العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، واتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، واتفاقية حقوق الطفل.
لكن مسؤولية الدولة عن الحماية والتحقيق ليست هي نفسها مسؤوليتها المباشرة عن ارتكاب الجريمة. فقد يترتب على التقصير أو الإهمال أو التمييز مسؤولية قانونية مستقلة، من دون أن يثبت ذلك أن قيادة مركزية أمرت بالخطف أو نظمته. وفي المقابل، لا يجوز تبرئة السلطة من واجب الحماية لمجرد غياب دليل على تورط مباشر. أما اتهام جهاز أو قيادة باتباع سياسة ممنهجة، فيحتاج إلى أدلة على الأوامر أو العلاقة التنظيمية أو العلم والدعم أو القبول.
ما الذي ينبغي فعله؟
المشكلة الأساسية ليست نقص الأرقام فقط، بل غياب مؤسسة واحدة قادرة على استقبال البلاغات ومطابقتها وتحديث تصنيفها ومتابعة مصيرها. لذلك تقتضي المعالجة الجادة إنشاء آلية وطنية مستقلة ومختلطة تعمل بالتنسيق مع القضاء ووزارة الداخلية والهيئة الوطنية للمفقودين، من دون أن تخضع في تحقيقاتها لفروع محلية قد تكون موضع شكوى. ويجب أن تضم قضاة ومحققات مدربات على العنف الجنسي والاتجار بالبشر، وخبراء في الأدلة الرقمية والطب الشرعي وحماية الطفل والبيانات، مع تمثيل حقوقي ونسائي ورقابة أو مساعدة تقنية دولية مستقلة.
وينبغي أن تتركز مهماتها في خمس وظائف مترابطة:
- 1. تلقي البلاغات عبر قنوات آمنة وسرية، وإجراء تقييم عاجل للخطر، وحفظ تسجيلات الكاميرات والاتصالات وسجلات المركبات والمعابر قبل ضياعها.
- 2. إنشاء قاعدة بيانات محمية تمنح كل حالة معرّفًا فريدًا، وتسمح بمطابقة القوائم ومنع التكرار وتحديث التصنيف والمصير، مع إبقاء البيانات المنشورة منزوعة الهوية.
- 3. اعتماد تصنيفات قابلة للمراجعة، مثل: مفقودة، خطف محتمل أو مثبت، احتجاز معلوم، مغادرة طوعية جرى التحقق منها، عودة، وفاة، أو مصير مجهول، وتسجيل سبب كل تغيير في التصنيف.
- 4. توفير الحماية والرعاية الطبية والنفسية والقانونية للناجيات وأسرهن، وضمان عدم تجريم الضحية بسبب أفعال أو أوضاع نتجت عن الإكراه أو الاستغلال أو العنف الجنسي.
- 5. نشر تقرير دوري مختصر وشفاف بلا أسماء، يبين البلاغات الجديدة ومآلات الحالات والتحقيقات والإحالات القضائية، مع إخضاع أي موظف حكومي أو عنصر مسلح أو مدني ترد بحقه قرائن للتحقيق دون استثناء.
لا تحل هذه الآلية محل القضاء، بل تمنع ضياع البلاغات بين الجهات، وتحفظ الأدلة، وتحيل القضايا التي تتوافر فيها أدلة كافية إلى النيابة العامة. كما تتيح للأسر معرفة أن الملف لم يُغلق بصمت، وتمنع استخدام الإحصاءات المتغيرة أداةً للإنكار أو المبالغة.
التوثيق والنشر بلا إضرار
يتحمل الإعلام والناشطون والمنظمات الحقوقية مسؤولية موازية. فالأصل عدم نشر اسم الضحية أو صورتها أو تفاصيل تسمح بالتعرف إليها من دون موافقة حرة ومستنيرة، مع حماية مشددة للقاصرات. ويجوز ذكر الانتماء الطائفي أو الديني عندما يكون ضرورياً لفهم نمط محتمل أو دافع موثق، لا لتحويل الضحية إلى هوية طائفية أو تعريضها للوصم.
كما ينبغي التمييز بوضوح بين المعلومة المؤكدة والقرينة والادعاء، وتسجيل تاريخ كل معلومة ومصدرها ودرجة التحقق منها، وتصحيح المواد عندما يتغير مصير الحالة. ولا تُسمى جهة أو مجموعة بوصفها مسؤولة إلا بقدر ما تسمح به الأدلة، مع مراعاة قرينة البراءة وسلامة التحقيق. ولا ينبغي نشر تفاصيل عن موقع احتجاز محتمل أو شبكة إجرامية إذا كان النشر قد يدفع الجناة إلى نقل الضحايا أو تعريضهن للخطر.
والأهم أن الناجية ليست مطالبة بإثبات صدقها عبر الظهور العلني أو سرد تفاصيل العنف الجنسي. حقها في الخصوصية والرعاية والعدالة يسبق حق الجمهور في المعرفة، ومبدأ “عدم الإضرار” يجب أن يظل حاكمًا لكل توثيق أو نشر.
الحق في الحقيقة
يكفي وجود بلاغ جدي عن امرأة أو فتاة واحدة يُخشى أنها حُرمت من حريتها كي يبدأ واجب البحث العاجل والتحقيق. والأرقام المتاحة، على اختلافها، كافية لإثبات أن الملف لا يجوز اختزاله في شائعات منفردة أو إغلاقه بنتيجة عامة لا يمكن مراجعتها؛ لكنها غير كافية لإعلان رقم نهائي أو اتهام جماعي أو سياسة ممنهجة من دون أدلة.
المطلوب ليس إنتاج رقم أكبر ولا سردية أكثر إثارة، بل معرفة من فُقدت، ومن خُطفت، ومن احتُجزت، ومن عادت، ومن لا يزال مصيرها مجهولًا، ثم حماية الناجيات ومحاسبة الجناة وكشف الحقيقة للأسر. وعندما تصبح لكل حالة هوية محفوظة وملف قابل للمتابعة وتصنيف قابل للتحديث، ينتقل النقاش من الصراع على الأرقام إلى واجب العدالة.
