مكبات النفايات العشوائية تهدد مياه العاصي ومحاصيل الغاب

  • 2026/08/14
  • 11:25 ص
انتشار القمامة والنفايات على ضفاف نهر العاصي بريف حماة في سهل الغاب - 13 آب 2026 (عنب بلدي/ إياد عبد الجواد)

انتشار القمامة والنفايات على ضفاف نهر العاصي بريف حماة في سهل الغاب - 13 آب 2026 (عنب بلدي/ إياد عبد الجواد)

enab_get_authors_shortcode

تحولت مكبات النفايات العشوائية القريبة من نهر العاصي في سهل الغاب إلى مصدر تهديد متصاعد للمياه والزراعة والحياة المائية. فإلى جانب تلوث مياه الري والتربة، تتسبب النفايات بانسداد قنوات السقاية وتضرر المحاصيل وانتشار القوارض والحشرات، وسط مخاوف من انعكاس هذه الملوثات على صحة الإنسان والبيئة.

ويكشف مزارعون ومهندسون ومسؤولون، عن أبعاد أزمة تتفاقم يومًا بعد يوم، في منطقة تعتمد بشكل شبه كامل على نهر العاصي كمصدر رئيس للري والشرب.

مزارعون يدفعون الثمن من أرزاقهم

المزارع فضل الزكوان، من محيط قرية القرقور بسهل الغاب، قال لعنب بلدي إنه يعتمد في معيشته على الزراعة كمصدر رزق وحيد، ويكون اعتماده الأكبر على السقاية من نهر العاصي أو من القنوات التي تصب فيه أو تتفرع منه.

من أمام موتور السقاية الخاص به، قال المزارع إن التعب أنهكه بعد تنظيف “شرّاق” علقت به الأوساخ، حيث بات انتشار مكبات النفايات العشوائية بالقرب من مجرى النهر والقنوات المائية مصدرًا متزايدًا للضرر على الزراعة والمزارعين.

وأشار إلى انتشار الذباب والبعوض والجرذان حول أكوام النفايات، الأمر الذي ينعكس سلبًا على المحاصيل الزراعية، ويؤدي إلى تراجع جودتها وظهور آفات زراعية جديدة، فضلًا عن مخاوف من تلوث مياه السقاية والتربة بمواد كيميائية مختلفة.

وبيّن أن هذه المواد تشمل مخلفات منزلية مثل الكلور ومواد التنظيف، إضافة إلى زيوت السيارات ومخلفات بعض الصناعات البسيطة ومنها صناعة مواد التنظيف، مؤكدًا أن وصول هذه الملوثات إلى مياه الري والتربة ينعكس على المحاصيل، إذ قد يؤدي إلى تلف بعضها أو إصابتها بأمراض تتطلب استخدام مزيد من الأدوية والأسمدة الزراعية، ما يضيف أعباء مالية على المزارعين.

ولفت الزكوان إلى أن النفايات الصلبة، وخاصة الأكياس والقطع البلاستيكية، تتسبب بانسداد الأنابيب المستخدمة لسحب المياه من النهر، ما يضطره إلى تنظيفها بشكل متكرر، وقد يؤدي إلى أعطال في موتور السقاية، فيتحمل المزارع تكاليف إصلاح وصيانة إضافية قد تكون مرتفعة مقارنة بقدراته المالية.

نفوق أسماك وانتشار أنواع غازية

المهندس الزراعي أنس أبو طربوش، حذر من أن مكبات النفايات والقمامة تؤثر بصورة مباشرة في الحياة المائية ضمن مجرى نهر العاصي في منطقة سهل الغاب.

وأوضح المهندس، في حديث إلى عنب بلدي، أن تراكم النفايات في مجرى النهر يؤدي إلى تدهور البيئة المائية، وقد يتسبب بانخفاض مستويات الأكسجين المنحل وتسمم الثروة السمكية واختلال التوازن البيئي، بما يهدد استقرار النظام المائي.

وبيّن أبو طربوش أن أبرز التأثيرات البيئية للنفايات تشمل انخفاض الأكسجين المنحل، إذ يؤدي تحلل المواد العضوية الموجودة في النفايات إلى استهلاك الأكسجين المذاب في المياه، ما يؤثر في الأسماك والكائنات المائية، وقد يؤدي إلى نفوقها في حال انخفاض مستوياته بشكل كبير.

ولفت إلى أن النفايات الصلبة والبلاستيكية المتراكمة في قاع النهر وضفافه، تغير طبيعة الموائل المائية، وقد تؤثر في أماكن تكاثر الأسماك ووضع البيوض، كما أن تدهور جودة المياه قد يؤدي إلى تراجع الأنواع الحساسة للتلوث، مقابل انتشار أنواع أكثر قدرة على تحمل الظروف البيئية المتدهورة.

وأشار أبو طربوش إلى انتشار أنواع من السلور الأفريقي في المنطقة، مقابل تراجع السلور المحلي، موضحًا أن قدرة بعض الأنواع على تحمل الظروف المائية الملوثة قد تمنحها أفضلية في البقاء والتكاثر على حساب الأنواع الأصلية.

انسداد القنوات وغمر الأراضي

وعن الأضرار الأخرى المرتبطة بتراكم النفايات، أوضح أبو طربوش أن انسداد الأقنية وقنوات الري والعبارات المائية، سواء خلال فصل الصيف أو الشتاء، يؤدي إلى إعاقة حركة المياه، ما قد يزيد من مخاطر ارتفاع منسوبها وخروجها عن مساراتها، وبالتالي غمر الأراضي الزراعية خلال فصل الشتاء.

وحذر من أن المخاطر الزراعية لا تقتصر على انسداد قنوات الري، إذ يمكن أن تنتقل الملوثات الموجودة في النفايات إلى المياه والتربة، ومن ثم إلى المحاصيل الزراعية عبر مياه الري.

وحدد أبو طربوش مسارين أساسيين لتأثير النفايات في الزراعة، الأول يتعلق بتحلل بعض المواد البلاستيكية والكيميائية ووصول نواتجها أو ملوثاتها إلى المياه والتربة، والثاني يتمثل في تراكم بعض المعادن الثقيلة، مثل الرصاص والزئبق، في البيئة المحيطة.

وأكد أن تراكم هذه العناصر في التربة أو المياه قد يسمح بانتقالها إلى النباتات والمحاصيل، ما يثير مخاوف تتعلق بسلامة المنتجات الزراعية وصحة المستهلك، خصوصًا في حال وجود تراكيز مرتفعة منها.

أسباب متراكمة وخطة موعودة

عبد الجبار المحمد، مسؤول دائرة النظافة في حماة، أرجع، في حديث إلى عنب بلدي، انتشار مكبات النفايات على ضفاف نهر العاصي في سهل الغاب، إلى عدة أسباب أبرزها ضعف إمكانات المجالس المحلية في تغطية جميع المناطق، ما اضطر الأهالي إلى البحث عن أقرب مكان فارغ، ومنها ضفاف النهر.

وأضاف المحمد إلى أسباب انتشار النفايات قلة المطامر الصحية في المنطقة، بالتزامن مع العودة إلى هذه المناطق بعد التحرير والزيادة السكانية الكبيرة مع التوسع العمراني السريع، وكذلك قلة الوعي لدى السكان بخطورة رمي النفايات بهذه الطريقة وأضرارها.

وعن استمرار المشكلة لسنوات، يرى المحمد أنها تعود إلى فشل متراكم بدأ مع دخول المنطقة في الثورة وإهمالها من قبل النظام السابق، إذ لم تقم أي جهة بدراسة الموضوع بصورة جدية، وإنما جرى التعامل معه بصورة مؤقتة، من دون وضع خطة دائمة لإنشاء مطمر صحي بديل يخدم منطقة السهل كاملة، كما لم تكن المنطقة ذات أولوية لدى الجهات الحكومية السابقة.

وأشار إلى أن المشكلة لا تقتصر على موضوع رمي القمامة فقط، بل ترتبط أيضًا بقدرات المجتمع المحلي، المتمثل في المجالس المحلية، على إدارة ملف النفايات.

خطة تنتظر التنفيذ وحملة توعية

وعن وجود خطة واضحة لإزالة مكبات النفايات والإطار الزمني لتنفيذها، قال المحمد إن هناك خطة عمل تتضمن تشكيل لجان لدراسة إنشاء مطامر صحية، إلى جانب خطة لدعم جميع البلديات في المنطقة.

وأوضح أن الخطة تتضمن دمج المزارع والبلديات ضمن قطاعات أكبر، مع التركيز على المزارع المنشأة حديثًا، إضافة إلى إطلاق حملة توعية حول خطورة رمي النفايات في النهر أو على ضفافه.

وبشأن حجم الأضرار التي تسببت بها المكبات على نهر العاصي والبيئة وصحة الأهالي، كشف المحمد عن أضرار بيئية ومائية منها جفاف النهر ونفوق الأسماك وتلوث المياه بعصارة القمامة، إلى جانب تلوث الهواء الناتج عن حرق النفايات.

وأشار إلى نشوب حرائق في المزروعات وتضرر المحاصيل والأهالي نتيجة سقي المزروعات بمياه النهر القريبة من المكبات العشوائية، إضافة إلى تلوث الهواء وما قد يرافق ذلك من انتشار الأوبئة والحشرات.

ويأمل أهالي سهل الغاب أن تتحول خطة النظافة الموعودة إلى إجراءات ملموسة على الأرض، قبل أن تتحول مكبات النفايات العشوائية إلى كارثة بيئية وصحية تهدد نهر العاصي ومصدر رزق آلاف العائلات، في منطقة ما تزال تعاني أصلًا من شح الخدمات وصعوبة الأوضاع المعيشية.

انتشار القمامة والنفايات على ضفاف نهر العاصي بريف حماة في سهل الغاب – 13 آب 2026 (عنب بلدي/ إياد عبد الجواد)

انتشار القمامة والنفايات على ضفاف نهر العاصي بريف حماة في سهل الغاب – 13 آب 2026 (عنب بلدي/ إياد عبد الجواد)

انتشار القمامة والنفايات على ضفاف نهر العاصي بريف حماة في سهل الغاب – 13 آب 2026 (عنب بلدي/ إياد عبد الجواد)

انتشار القمامة والنفايات على ضفاف نهر العاصي بريف حماة في سهل الغاب – 13 آب 2026 (عنب بلدي/ إياد عبد الجواد)

مقالات متعلقة

  1. بجهود أممية.. مياه الري تعود إلى ريف حمص الشمالي
  2. مخلّفات "سكر سلحب" تقتل الأسماك وتدمّر الزراعة.. الحكومة لا تكترث
  3. أزمة مياه الري تتحول إلى نقمة على مزارعي عزمارين بريف إدلب
  4. إيطاليا تمنح "يونيسف" مليونين و500 ألف يورو لتحسين خدمات المياه بحمص

خدمات محلية

المزيد من خدمات محلية