حين تسبق الرتبةُ الخبرة.. أي جيش تبنيه سوريا لغدها؟

  • 2026/08/16
  • 2:44 م
خالد المطلق

خالد المطلق

enab_get_authors_shortcode

خالد المطلق

وسط ركام سنوات طويلة من الحرب والوجع، يعيش السوريون اليوم لحظات انتقال سياسي دقيقة تحبس الأنفاس، تتجه فيها كل العيون نحو المستقبل بحثًا عن طوق نجاة حقيقي، ولعل السؤال الأكثر إلحاحًا وحساسية بين الناس اليوم لا يتعلق فقط بمن يحكم، بل بشكل ومصير المؤسسة التي ينبغي أن تحفظ هذا الوطن وأهله وتحمي ترابه، ألا وهي الجيش، فعندما تنتهي رحلة الموت وتتسلم السلطة الانتقالية مقاليد الأمور، يتوقع الملايين من أبناء هذا الشعب أن تنطلق ورشة بناء وطنية حقيقية تُنصف التضحيات الكبيرة وتعيد الاعتبار للمؤسسات على أساس الكفاءة وحدها.

لكن ما يثير الغصة والقلق العارم في آن واحد هو تسرب مظاهر قديمة بثوب جديد، أبرزها توزيع الرتب العسكرية الكبيرة والرفيعة على شباب صغار في السن لا يكادون يعرفون أثقال الميدان وأبجديات الإدارة، وكأن الرتبة باتت مجرد مكافأة سياسية عابرة أو استحقاقًا فصائليًا قديمًا بعيدًا عن أي قواعد عسكرية سليمة أو معايير مهنية متعارف عليها في العالم أجمع.

والحقيقة الإنسانية والمهنية التي يجب أن تُقال بوضوح تام هي أن الرتبة العسكرية ليست مجرد شارة براقة تُعلّق على الكتف للتباهي بها، ولا هي مكافأة لمن كان محظوظًا بالتواجد في المكان المناسب ساعة الحسم، وليست وجاهًا اجتماعيًا يتزين به شاب في مقتبل العمر، الرتبة في جوهرها الحقيقي والعميق مسؤولية ثقيلة وأمانة عظيمة، إنها تعني باختصار أن حياة الجنود وأمن البلاد ومصير عائلات بأكملها أصبحت معلقة بقرار حكيم يتخذه صاحب هذه الرتبة في جزء من الثانية، وحين يتم القفز فوق سنوات التعب والنضج والتدريب والتدرج المهني المنهجي لتُمنح أرفع الرتب لمن لا يملك الرصيد الكافي من التأهيل العسكري أو الإداري فإننا نؤسس لخلل بنيوي عميق يدفع ثمنه الوطن وأبناؤه لاحقًا في لحظات الاختبار الحقيقي.

هذا العبث الواضح في إدارة البشر والمواقع القيادية يخلق عاجلًا لا آجلًا مأزقًا حقيقيًا يمكن تسميته بـ”أزمة السقف العسكري”، فتخيلوا معنا حجم المشكلة حين يحصل الشاب على أعلى رتبة عسكرية في مطلع شبابه! أين سيذهب غدًا؟ وكيف ستتعامل الدولة بعد سنوات مع هرم قيادي متخم بالرتب الرفيعة لمن هم في سن مبكرة جدًا؟ وهنا ستجد السلطة نفسها حتمًا أمام جدار منسد ومأزق مسدود الأفق مضطرة لاختراع رتب جديدة من العدم لمجرد استيعاب الطموحات الوظيفية لهؤلاء، وهو أمر تعجز عنه أعرق الجيوش النظامية في العالم التي تحترم سلّمها الهرمي والزمني للترقيات،  أما على الأرض وفي واقع الثكنات ويوميات المؤسسة فالأضرار أشد قسوة وأعظم أثرًا، فحين يجد الضباط الأكفاء والجنود القدامى ممن أمضوا زهرة عمرهم في الخدمة والخبرة الميدانية أنفسهم مجبرين على تلقي الأوامر من قيادات شابة تفتقر لأبجديات القيادة الحديثة وفن إدارة الأزمات تفقد المؤسسة هيبتها وتتصدع روحها المعنوية من الداخل، وحين تغيب معايير الجدارة الحقيقية والشفافية يفتح المجال واسعًا أمام المحسوبيات والولاءات الضيقة لتهدم ما تبقى من جدار الثقة بين الشعب وجيشه وتتحول المؤسسة شيئًا فشيئًا من حارس أمين للوطن إلى مجرد شبكة مصالح شخصية وفئوية.

إن الدرس الأقسى الذي علمتنا إياه سنوات الدم والمرارة هو أن الانتقال من منطق الفصائل والمجموعات المسلحة إلى منطق الدولة الحديثة لا يتم أبدًا بتغيير البزات العسكرية أو تبديل الرايات والشعارات، بل بتغيير العقيدة والذهنية من العصبية الضيقة إلى روح المؤسسة الجامعة، فسوريا اليوم لا تحتاج إلى جيش يحمي أشخاصًا بعينهم ولا إلى جيش لأحزاب أو تيارات أو فصائل مسلحة، بل إلى جيش وطني احترافي جامع لكل السوريين بمختلف مشاربهم وموالاتهم ومعارضتهم تكون مهمته الوحيدة والوحيدة فقط حماية تراب الوطن وسلامة أهله جميعًا لا حماية أي سلطة سياسية طارئة أو مسؤول زائل.

ويبقى السؤال الأبرز الذي تترقبه عيون الملايين المعلقة بالحلم برسم كل من يمسك بقرار التأثير اليوم في سوريا، هل تمتلك القيادة السياسية ووزارة الدفاع الشجاعة الكافية لغربلة هذا المسار وربط الترقيات بالكفاءة والخبرة الحقيقية لا بالولاءات الشخصية؟ إن نجاح هذه الخطوة هو الاختبار الأخلاقي والوطني الحقيقي لكل وعود التغيير، ودون تصحيح هذا المسار المعوج بحزم وشفافية سيظل حلم السوريين بدولة القانون والمؤسسات معلقًا على حافة الهاوية رهينًا لقرارات ارتجالية تخدم مصالح عابرة لكنها بالتأكيد لن تبني وطنًا مستقرًا يستحقه أبناؤه الذين ضحوا بالكثير من أجل حياة أفضل وعزة دائمة.

مقالات متعلقة

  1. "الدفاع" تقيّم ضباطها.. خطوة نحو جيش احترافي
  2. الجيش السوري الجديد.. تحديات جمع المتناقضين  
  3. عام على سقوط القتلة.. من "ثورة التحرير" إلى "معضلة التكوين"
  4. أرشيف الغرائز.. من جزيرة إبستين إلى مكاتب طلاس

مقالات الرأي

المزيد من مقالات الرأي