عنب بلدي – يزن قر
تمثل مذكرة التفاهم السورية- الروسية بشأن “حميميم” و”طرطوس” تحولًا بشكل الوجود الروسي في سوريا، بعد سنوات كان فيها الوجود العسكري المباشر أحد أبرز مرتكزات موسكو في البلاد.
الاتفاق الجديد لا ينهي الحضور الروسي بشكل كامل، وإنما يعيد تنظيمه عبر انتقال المنشآت ذات الطابع المدني إلى إدارة الدولة السورية، مقابل الإبقاء على وجود روسي عسكري بصيغة مختلفة من خلال مراكز مشتركة للتدريب والتأهيل.
وتكتسب هذه الخطوة أهميتها من موقع القاعدتين في الحسابات الروسية، ومنذ التدخل العسكري الروسي في سوريا عام 2015، شكّلت “حميميم” مركزًا أساسيًا للعمليات الجوية الروسية في سوريا، بينما مثّلت “طرطوس” موطئ قدم بحريًا لموسكو في البحر المتوسط.
وبالتالي فإن الانتقال من صيغة القواعد العسكرية إلى مراكز تدريب مشتركة، مع استعادة دمشق إدارة مطار “حميميم” والمنشآت التجارية في طرطوس، يعكس تغيرًا في طبيعة العلاقة مقارنة بالمرحلة السابقة.
وتأتي المذكرة بعد نحو 18 شهرًا من المفاوضات، وفي ظل مرحلة جديدة تحاول فيها دمشق إعادة ترتيب علاقاتها الخارجية ومؤسساتها السيادية، بينما تسعى موسكو إلى الحفاظ على موقع لها داخل سوريا، رغم تغير الظروف التي قامت عليها صيغة وجودها السابقة.
مذكرة تفاهم لا اتفاقية نهائية
الباحث في الشؤون الروسية والشرق أوسطية ديمتري بريجع، قال في حديث إلى عنب بلدي، إن مذكرة التفاهم السورية- الروسية تحتاج إلى قراءة دقيقة، موضحًا أن ما أُعلن هو “مذكرة تفاهم”، وليس معاهدة أو اتفاقية مصدقًا عليها من البرلمان (مجلس الشعب)، موضحًا أن المعلن في المذكرة محدد وقابل للقياس، وأن هذا التوصيف يفسر جانبًا مهمًا مما ورد في النص، وكذلك ما غاب عنه.
في المقابل، يرى الباحث أن الجزء غير المعلن من التفاهم أطول بكثير، إذ لا يوجد رقم واضح لعدد العسكريين الروس الذين سيعملون في هذه المراكز، ولا بيان بشأن نوع الوحدات والمعدات التي ستبقى، ولا توضيح لوضع منظومات الدفاع الجوي.
كما لا تتضمن المذكرة، بحسب بريجع، تفاصيل بشأن حقوق الرسو والصيانة والتزود بالوقود والذخائر للسفن الروسية، أو استخدام المدارج في نقل الأفراد والمعدات باتجاه ليبيا وإفريقيا، إضافة إلى عدم وجود مدة معلنة للترتيب الجديد أو آلية لإنهائه.
وأشار إلى أن الأهم هو أن اتفاق نشر المجموعة الجوية في “حميميم”، الموقّع عام 2015، واتفاق طرطوس الموقع في 18 من كانون الثاني 2017، لمدة 49 عامًا، لم يعلن إلغاؤهما أو تعديلهما قانونيًا.
الغموض يسمح بتقديم الاتفاق بطريقتين
يقرأ بريجع هذا الغموض باعتباره جزءًا من صيغة التفاهم نفسها، وليس بالضرورة ثغرة فيها، موضحًا أن الطرفين توصلا إلى صيغة تسمح لكل منهما بتقديم الاتفاق لجمهوره بالطريقة التي يريدها.
وبحسب بريجع، تستطيع دمشق القول إن القواعد الروسية المستقلة انتهت، في حين تستطيع موسكو القول إن وجودها في سوريا مستمر، ولكن بصيغة جديدة، معتبرًا أن “الصيغتين صحيحتان معًا”، وهو ما يفسر، برأيه، استغراق المفاوضات نحو 18 شهرًا.
وأضاف أن اتجاه عدم التماثل بين الطرفين انقلب، لكنه لم يختفِ بشكل كامل، مشيرًا إلى أن المعنى السياسي الأبرز للمذكرة هو انتقال العلاقة بين دمشق وموسكو من منطق الحماية إلى منطق التعاقد، بعدما كان الوجود الروسي طوال عقد كامل مرتبطًا ببقاء نظام سياسي بعينه، إذ أصبحت الحكومة السورية اليوم هي التي تحدد شكل الوجود الروسي.
المعنى السياسي الأبرز للمذكرة هو انتقال العلاقة بين دمشق وموسكو من منطق الحماية إلى منطق التعاقد، بعدما كان الوجود الروسي طوال عقد كامل مرتبطًا ببقاء نظام سياسي بعينه.
ديمتري بريجع
باحث في الشؤون الروسية والشرق أوسطية
مكسب لدمشق.. لماذا قبلت روسيا؟
حول قبول روسيا بهذه الصيغة، اعتبر الباحث في الشؤون العربية والإفريقية علي فوزي، أن الأمر يأتي في سياق التحولات التي شهدتها سوريا، وما فرضته المرحلة الجديدة من ضرورة إعادة تعريف العلاقة بين دمشق وموسكو، فضلًا عن رغبة روسيا في الحفاظ على موطئ قدم استراتيجي في سوريا، ولا سيما على ساحل البحر المتوسط، ولكن بتكلفة سياسية وعسكرية أقل من صيغة القواعد العسكرية التقليدية.
وقال إن موسكو من خلال الترتيبات الجديدة لا تتخلى عن مصالحها في سوريا، وإنما تعيد تحديد طبيعة حضورها بما يتناسب مع المرحلة السياسية الجديدة، بحيث يصبح وجودها أقل ارتباطًا بالانتشار العسكري المباشر وأكثر ارتباطًا بالتعاون والتدريب والتأهيل، وهو ما يسمح لها بالحفاظ على جزء من نفوذها دون الإبقاء بالضرورة على الصيغة السابقة للقواعد العسكرية.
موسكو من خلال الترتيبات الجديدة لا تتخلى عن مصالحها في سوريا، وإنما تعيد تحديد طبيعة حضورها بما يتناسب مع المرحلة السياسية الجديدة، بحيث يصبح وجودها أقل ارتباطًا بالانتشار العسكري المباشر وأكثر ارتباطًا بالتعاون والتدريب والتأهيل، وهو ما يسمح لها بالحفاظ على جزء من نفوذها دون الإبقاء بالضرورة على الصيغة السابقة للقواعد العسكرية.
علي فوزي
باحث في الشؤون العربية والإفريقية
استعادة دمشق إدارة مطار “حميميم” وبعض المنشآت التجارية في ميناء “طرطوس” تمثل مكسبًا سياسيًا واقتصاديًا مهمًا للحكومة السورية، لأنها تمنحها مساحة أكبر في إدارة منشآتها المدنية والتجارية وتعزز قدرتها على تقديم الاتفاق باعتباره خطوة باتجاه استعادة السيادة الوطنية، بحسب ما أوضحه الباحث علي فوزي.
وأشار إلى أن استعادة الإدارة السورية لهذه المنشآت لا تحمل فقط أهمية تشغيلية أو اقتصادية، وإنما تمنح الحكومة أيضًا ورقة سياسية في إعادة تعريف علاقتها مع القوى الدولية، وإظهار قدرتها على التفاوض بشأن ترتيبات موروثة عن المرحلة السابقة وإعادة صياغتها بما يتناسب مع مصالح الدولة السورية الجديدة.
قراءة القوى الدولية للاتفاق
فيما يتعلق بالمواقف الدولية، قال الباحث علي فوزي، إن الولايات المتحدة والدول الأوروبية ستراقب الاتفاق من زاوية مدى استمرار القدرة الروسية على استخدام الساحل السوري كنقطة ارتكاز عسكرية في شرق المتوسط، بينما ستنظر تركيا إلى التطور باعتباره جزءًا من إعادة تشكيل التوازنات الأمنية في سوريا.
وأضاف أن إسرائيل ستتعامل مع الاتفاق أساسًا من منظور أمنها الإقليمي وحجم القدرات العسكرية الروسية والإيرانية داخل سوريا، مشيرًا إلى أن طبيعة الوجود العسكري الروسي الجديد ستكون عاملًا مهمًا في تحديد كيفية قراءة إسرائيل للاتفاق.
الموقف الدولي لن يتحدد فقط من خلال الإعلان عن تحويل القواعد إلى مراكز تدريب، وإنما من خلال طبيعة الدور الذي ستؤديه هذه المراكز، وحجم القوات الروسية التي ستبقى فيها، وما إذا كان الوجود الجديد سيقتصر على التدريب والتأهيل أم سيحتفظ بقدرات عسكرية ولوجستية أوسع.
علي فوزي
باحث في الشؤون العربية والإفريقية
