محمد غزوان شاهين
كانت حقبة الخليفة العباسي عبد الله المأمون بن هارون الرشيد من أكثر الحقب ثراءً وتعقيدًا في تاريخ الحضارة الإسلامية. فما زالت القضايا والإشكالات التي برزت في عهده موضع جدل ونقاش بين الباحثين إلى يومنا هذا، إذ أفرزت تلك المرحلة تيارات دينية وفلسفية وكلامية تركت آثارًا عميقة في الفكر الإسلامي.
وبرغم الخلافات الفكرية والدينية التي شهدها عصر المأمون، والانتقادات الكبيرة التي وُجهت إلى طريقته في إدارة الدولة، ولا سيما تدخله المباشر في القضايا الكلامية، وما اتسمت به بعض مواقفه في أواخر عهده من راديكالية، وعلى رأسها قضية خلق القرآن وما ترتب عليها من أحداث عُرفت في التاريخ الإسلامي بالمحنة، والتي كان من أشهر فصولها استجواب عدد من الفقهاء، وفي مقدمتهم الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله، فإن التركيز على هذه القضية وحدها كثيرًا ما يحجب مشروعًا آخر لا يقل أهمية، بل ربما كان الأوسع أثرًا في الحياة الفكرية لعصره.
ذلك المشروع هو ما عُرف بمجالس الثلاثاء.
ولا أزعم أن هذه المجالس كانت السبب المباشر في كل ما شهدته تلك المرحلة من تحولات فكرية، لكنها أسهمت بلا شك في خلق بيئة حوارية ازدهر فيها الجدل الفلسفي والكلامي، ووجدت فيها مختلف الاتجاهات مساحة لعرض أفكارها ومناقشتها.
كانت هذه المجالس تُعقد أسبوعيًا كل يوم ثلاثاء، وهي تختلف عن مجلس المظالم الذي كان يُقام يوم الأحد للنظر في شؤون الرعية ورد المظالم. أما مجلس الثلاثاء، فكان مخصصًا للنقاشات الفكرية والعلمية، حيث يبدأ مع ساعات الضحى ويستمر حتى قبيل غروب الشمس، بحضور الخليفة نفسه.
وكان يجتمع في هذا المجلس علماء الكلام، والفلاسفة، والفقهاء، والمترجمون، وأهل العلوم المختلفة، ليتحاوروا في قضايا العقيدة والفلسفة والمنطق والعلوم، في تجربة فكرية تُعد من أبرز التجارب الحوارية التي عرفها العصر العباسي.
وتذكر الروايات التاريخية أن المأمون وضع لهذه المجالس آدابًا وتنظيمًا خاصًا؛ فكان المشاركون يتهيأون للمجلس بقدر من التخفف من مظاهر الرسمية، ويتوضؤون، ويتطيبون بالبخور، ثم يجلسون قريبًا من الخليفة استعدادًا للنقاش.
ولم يقتصر الأمر على تنظيم المجلس، بل وُضعت له قواعد للحوار تكشف عن رؤية متقدمة لإدارة الاختلاف.
فكان أولها منع مقاطعة المتحدث حتى يُتم فكرته كاملة.
وثانيها عدم الاحتجاج بالنصوص الدينية على من لا يؤمن بها، فلا يحتج المسلم على المسيحي بالقرآن، ولا يحتج المسيحي على المسلم بالإنجيل، وإنما يكون الاحتكام إلى البرهان العقلي والحجة التي يمكن للطرفين مناقشتها.
أما القاعدة الثالثة، فكانت تحريم الشتم والسب والتجريح الشخصي، بحيث يبقى الخلاف منصبًا على الفكرة لا على صاحبها.
وأخيرًا، كان هناك ما يمكن أن نسميه اليوم بضمانة الأمان السياسي، إذ إن ما يُقال داخل المجلس لا يُحاسَب عليه صاحبه، مهما كان رأيه، ما دام قد طُرح في إطار ذلك المجلس وآدابه.
ونحن اليوم، في هذا الشرق الأوسط الذي يقف على أعتاب مرحلة جديدة، حيث تتبدل التحالفات، وتُعاد صياغة الخرائط، وتتشكل كيانات جديدة، سواء بالاندماج أو بالانفصال، تبقى ثقافة الحوار هي الركيزة الأكثر قدرة على حماية المجتمعات من العواصف التي تعصف بالمنطقة، وهي السلاح الأهم في مواجهة التحولات الكبرى التي يشهدها الإقليم.
ولعل سوريا، بعد ما شهدته من سنوات الحرب والانقسام والدمار، هي أحوج ما تكون إلى استعادة هذه الثقافة. فنحن لا نحتاج إلى مجالس الثلاثاء فحسب، بل إلى مجالس تمتد إلى كل أيام الأسبوع، يكون فيها الحوار الحر والمسؤول قيمة وطنية، وتحظى فيه حرية التعبير بالحماية، ويصبح الاختلاف وسيلة للوصول إلى الحقيقة، لا سببًا للخصومة والإقصاء، ولا ذريعة للتخوين أو الانتقام.
فإذا كان المأمون قد خاض تجربة الحوار بين نخبة عصره من العلماء والفلاسفة وأهل الفكر، فإن ما نطمح إليه اليوم هو أن يتحول الحوار إلى ثقافة عامة، تجمع النخب بالمجتمع، وتفتح أبواب النقاش أمام مختلف فئات الشعب، بعيدًا عن التعصب الأعمى، والاستقطاب، والأحكام المسبقة التي كثيرًا ما تُضيع العدالة، حتى في القضايا العادلة، وتُغرق المظلوميات الحقيقية في بحر من الضجيج والانفعال.
إن بناء الدول لا يبدأ بالإسمنت، ولا بالاقتصاد، ولا حتى بالدساتير، وإنما يبدأ حين يتعلم الناس كيف يختلفون دون أن يتخاصموا، وكيف يدافعون عن أفكارهم دون أن ينكروا حق غيرهم في التعبير عنها. وما لم تتحول هذه الثقافة إلى جزء من حياتنا اليومية، فستبقى كل مشاريع البناء معرضة للانقسام مع أول أزمة سياسية أو اجتماعية.
ولسنا بحاجة إلى مأمون جديد، ولا إلى إعادة إنتاج العصر العباسي، كما أننا لسنا بحاجة إلى استنساخ تجربة تاريخية بحذافيرها، فلكل عصر ظروفه وتحدياته. لكننا بحاجة إلى استعادة الفكرة التي قامت عليها تلك المجالس؛ فكرة أن الحضارة تزدهر حين يجد العقل مساحة آمنة للحوار، ويصبح الاختلاف وسيلة لإنتاج المعرفة، لا مقدمة للصراع.
إن سوريا التي نحلم بها لا تحتاج إلى مزيد من الأصوات المرتفعة، بل إلى مزيد من الطاولات التي يجلس حولها المختلفون. لا يحتاج السوري إلى أن يهزم السوري الآخر في نقاش، بل إلى أن يخرج الاثنان بوطن يتسع لهما معًا.
فإذا نجحنا في بناء هذه الثقافة، فلن تكون مجالس الثلاثاء مجرد صفحة في كتاب من كتب التاريخ، بل ستكون فكرة تستحق أن تولد من جديد. فالأمم لا تتقدم عندما يتفق الجميع، وإنما عندما تتعلم كيف تدير اختلافها بعقل وعدالة واحترام.
إنما أبحنا المقالات ليدلي كلُّ ذي رأيٍ برأيه، فمن كان على حق جزيناه بحقِّه، ومن كان على باطل أريناه الصواب فان اختلفتم في الفروع فارجعوا للأصول.
– الخليفة العباسي عبد الله المأمون
