حماة – عدي الحاج حسين
بين تفاؤل حكومي بإعادة إعمار ما دمرته الحرب، وواقع ميداني تتعثر فيه الوعود على أنقاض المنازل المهدمة، يقف آلاف النازحين السوريين أمام مفترق طرق، مع إطلاق مشروع “سوريا بلا مخيمات” الذي يستهدف بلدات ريف حماة الشمالي.
وبينما تؤكد الجهات الرسمية أن عجلة التأهيل بدأت تدور، تكشف شهادات عن فجوة شاسعة بين ما يُعلن وما يُنفذ، وعن شرائح واسعة من الأهالي قد لا تجد طريقًا للعودة في ظل غياب الحلول الجذرية لإعادة البناء.
نصف الأهالي خارج مناطقهم
الناشط المدني نهاد إبراهيم خالد سلط الضوء على مشروع “سوريا بلا مخيمات”، موضحًا الأبعاد الإيجابية والسلبية للنشاط الإنساني والخدمي في المنطقة.
ويرى خالد، في حديث إلى عنب بلدي، أن الجانب الإيجابي للمشروع يتمثل في دعم العائلات وتسهيل عودتها إلى ديارها، واصفًا هذه الحركة بأنها أشبه بعقدة الطيور التي عادت إلى أعشاشها الأصلية.
وأشار إلى حجم المعاناة والتحديات التي تواجه الأهالي في القرى والبلدات التي كانت تشكل خط جبهة ساخنًا، وفي مقدمتها بلدات اللطامنة وكفرزيتا وكفرنبودة، إضافة إلى القرى المجاورة مثل الزكاة ولطمين وغيرها من البلدات التابعة لناحية كفرزيتا، مؤكدًا أنها مناطق كانت تعاني من الفقر حتى من قبل الثورة، وزادت المعارك من تجريف بنيتها التحتية.
قدّر خالد إجمالي عدد سكان اللطامنة وحدها بنحو 36,000 نسمة، أي ما يعادل نحو 7000 عائلة، بينما لا يتجاوز عدد العائلات العائدة حتى الآن حدود 3500 إلى 3600 عائلة، مما يعني أن ما يزيد على 50% من أهالي البلدة لم يتمكنوا من العودة بعد، ولا يزالون يعيشون في المخيمات، وهي إحصائية لم تتمكن عنب بلدي من التحقق منها لدى جهة متخصصة.
وتساءل خالد عن كيفية اكتمال مشروع “سوريا بلا مخيمات” لمن دُمرت بيوتهم بالكامل، مشيرًا إلى تجربته الشخصية حيث يعيش في وحدة سكنية جدرانها من “البلوك” وسقفها من “العازل” ومزودة بحد أدنى من الخدمات.
وقال إن تكلفة إعادة بناء منزل مهدّم في البلدة لا تقل عن 5000 دولار أمريكي، وهو مبلغ يعجز معظم الأهالي عن تأمينه في ظل الغلاء الحاد لمواد البناء.
وعود بالترميم دون تنفيذ
انتقد الناشط الواقع الميداني للمشاريع، موضحًا أن كثيرًا مما يُطرح إعلاميًا حول ترميم المنازل “لا يتعدى كونه وعودًا كلامية” لم تتجسد على أرض الواقع، إذ لم يتم ترميم أي منزل في اللطامنة حتى اللحظة.
وقال إن المشاريع الملموسة اقتصرت على قسائم غذائية مقدمة من منظمة “IYD” ومساعدات ذات عوائد محدودة.
ولفت خالد إلى فئة وصفها بـ”الحلقة الأضعف” والأكثر مظلومية، وهي الأسر الشابة التي تأسست داخل المخيمات، حيث كبر شباب وتزوجوا خلال سنوات النزوح، وليس لديهم أي أملاك أو منازل في بلداتهم الأصلية ليعودوا إليها، مما يجعل خروجهم من المخيمات أمرًا بالغ الصعوبة.
وإلى جانبهم، يقف أصحاب البيوت المهدمة كليًا أو جزئيًا، التي تحتاج إلى إعادة إعمار شاملة أو إلى ترميم للأبواب والنوافذ والخدمات الأساسية لتصبح صالحة للسكن.
“اخترنا الأكثر تضررًا”
عضو المكتب التنفيذي في محافظة حماة حسن الحسن، كشف في تصريحات لعنب بلدي عن تفاصيل المشروع وأهدافه ومعايير اختيار المناطق المستهدفة.
وقال الحسن، إن اختيار كفرزيتا وكفرنبودة تم وفق معايير وضعتها مديريات التخطيط والإحصاء، وذلك لأنهما من أكثر المدن في الريف الشمالي والريفي الغربي في محافظة حماة التي تشهد نسبة عودة عالية من المخيمات، وفق معلومات وردت في تقارير مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ومن بعض منظمات المجتمع المدني.
وأوضح أن هدف المشروع، الذي أطلقته الحكومة السورية بالتعاون مع الجهات المعنية، ضمن الخطة الوطنية التي أصدرها الرئيس السوري بموجب المرسوم “59”، هو إنهاء واقع المخيمات وتهيئة البيئة المناسبة والآمنة لعودة الأهالي إلى مدنهم وقراهم، ويشمل ترميم المدارس وتأهيل البنى التحتية وترميم شبكات الصرف الصحي والمياه وبناء المساجد.
وقال إن أبرز المنظمات التي تقوم بتقديم المشاريع في هذه البلدات الثلاث هي “عطاء” و”شفق” وجمعية “أسوة” ومنظمة “أطباء بلا حدود”، مشيرًا إلى أن هذه المنظمات كانت موجودة في المنطقة قبل الدمار الذي حل بها، ثم عادت الآن بعد إعادة تأهيل المناطق المحررة، وهي تقدم خدماتها بالتنسيق مع لجان المجتمع المحلي والمجالس المحلية.
وأضاف أن هناك تواصلًا دائمًا مع الجهات المعنية والمنظمات من أجل متابعة المشاريع وتسهيل تنفيذها، حيث تم تشكيل لجنة فرعية لمتابعة المشاريع المنفذة في هذه البلدات الثلاث، تضم مدير المنطقة ومدير الشؤون الاجتماعية ومديري المؤسسات المعنية وممثلين عن المنظمات وعن لجان المجتمع المحلي، مؤكدًا أن العمل جارٍ على تذليل الصعوبات التي قد تواجه تنفيذ هذه المشاريع.
إزالة 90% من الأنقاض
أكد عضو المكتب التنفيذي في محافظة حماة حسن الحسن أنه منذ صدور المرسوم “59” والعمل جارٍ بالتنسيق مع الجهات المعنية على تأهيل البنى التحتية، وتوفير البيئة المناسبة لعودة الأهالي إلى هذه البلدات الثلاث، وقد لوحظ خلال الأشهر الأخيرة عودة عدد من العائلات إلى مدنها، خاصة إلى كفرزيتا وكفرنبودة واللطامنة، بفضل الجهود المبذولة في تأهيل الخدمات الأساسية.
وعن أبرز التحديات الميدانية، أوضح الحسن أنها تتمثل في صعوبة التقييم في المناطق بسبب وجود الأنقاض، وأيضًا صعوبة الوصول إلى بعض المؤسسات بسبب الدمار الذي لحق بها، لكنه استدرك أنه بفضل تسهيل العمل الميداني من قبل المحافظة وإدارة المنطقة، تم التقييم بشكل سريع.
وفيما يتعلق بالمخاوف الأمنية، كشف الحسن أن أبرزها كانت تتعلق بوجود الألغام ومخلفات الحرب، لكن بالتنسيق مع وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث، تمت إزالة 90% من الأنقاض الموجودة في اللطامنة وكفرزيتا، ولا يزال العمل مستمرًا من قبل مديرية الطوارئ والكوارث، ويتم العمل على ما تبقى من خلال المؤسسات المعنية ضمن مشروع منظمة “عطاء”.
خطط للتوسع
حول آلية التنسيق لتجنب الازدواجية، أوضح الحسن أنها تتم من خلال الجلسات المتواصلة بين الجهات المعنية ومنظمات المجتمع المدني، مؤكدًا أنه لن تكون هناك ازدواجية لأن كل مؤسسة رفعت المشاريع المنفذة في هذه البلدات الثلاث.
وفيما يتعلق بإمكانية توسيع المشاريع، قال إن المحافظة تعمل منذ صدور المرسوم “59” على مشاريع تأهيل المدارس والبنى التحتية والمراكز الصحية في معظم مدن المحافظة، ضاربًا أمثلة بقرية المضيق وشحشبو وطيبة الإمام وناحية الحمراء، لكنه أقر بأن المشاريع قليلة مقارنة بضخامة الاحتياج الموجود لعودة الأهالي من المخيمات.
