علي عيد
كثيرًا ما يكتب الصحفي عن قضية وهو يحمل تجاهها موقفًا شخصيًا، ولا مشكلة في ذلك. المشكلة تبدأ بعد انتهاء ساعات العمل، حين يفتح حسابه الشخصي على وسائل التواصل الاجتماعي، فلا يعرف أين تنتهي مسؤوليته المهنية وأين تبدأ حياته كإنسان.
أنت لا تتصرف بحقك، بل بمسؤوليتك نحو الحقيقة والجمهور والمؤسسات والتوازن والإنصاف، ومصفوفة طويلة من المعايير المكتوبة وغير المكتوبة، عليك الالتزام بها واحترامها.
هناك مشكلة تتعلق بذاتك الشخصية مقابل ذاتك المهنية، وتظهر آثارها النفسية على الصحفي عندما يلتزم الصمت، وآثارها المهنية إذا قرر أخذ مساحته للبوح في مجتمع انقطعت فيه سبل التواصل إلا عبر المنصات، كأن يكون له موقف سلبي أو إيجابي من شخصية أو قضية اجتماعية أو سياسية، وتتعامل صحافته بحساسية مع مثل هذه التوجهات الشخصية.
تشير دراسة شملت 37 صحفيًا أمريكيًا، ونشرت عام 2023، إلى حالة من التوتر والالتباس بين حسابات الصحفيين الشخصية على وسائل التواصل الاجتماعي وسياسات وسائل التواصل الاجتماعي في غرفة الأخبار، ما يفاقم أزمة العمل في الصحافة عبر السياسات التقييدية.
الدراسة تقول، إن سياسات وسائل التواصل الاجتماعي في غرفة الأخبار تتطلب من الصحفيين تقديم أربع تضحيات في خدمة سمعة مؤسساتهم، وهي الفردية والرأي والصوت والخصوصية.
يشعر الصحفيون، نتيجة لذلك، بالإحباط بسبب عدم قدرتهم على أخذ المبادرة عندما يتعلق الأمر بالتفاعل مع الجمهور والسعي لتحقيق نجاح وسائل التواصل الاجتماعي. وبالتالي، ما يتسبب بأزمة في الموارد البشرية في الصحافة من خلال تراجع الاحتراف والاستقلالية الصحفية، وكلاهما حاسم للرضا الوظيفي والحرية الصحفية.
هناك إشكالية في مطلب أن يكون الصحفيون “أنفسهم”، مع محاولة من وسائل الإعلام استخدامهم في زيادة الثقة بالتواصل مع الجمهور، ما يترك بعض الصحفيين عالقين بين اتجاهين متناقضين، على مبدأ “كن نفسك، ولكن لا تستخدم لغة أو كلمات معينة”، وهو ما وصفه أحد الصحفيين بـ”الشرطة اللغوية”.
يبدو الأمر مختلفًا بين محددات استخدام الصحفي الأمريكي أو الغربي لوسائل التواصل، مقابل ما نعيشه في سوريا أو بلدان تعيش نفس الظروف، أحيانًا لا توجد ضوابط، وإن وجدت فهي لا تراعي كثيرًا من الخصوصية بناء على دراسات وأبحاث، كما أن الصحفيين أنفسهم يعانون ضعف أدوات الحماية، فيما يبالغ قسم منهم في التعبير عن آرائهم حتى ولو كانت تنتهك قيم المجتمع لا القواعد المهنية للإعلام فقط.
يواجه الصحفي، وفق دراسة أخرى، أربعة عوامل تجعله يعيد التفكير في ما ينشره، وهي شعوره بأنه يمثل المهنة والمؤسسة أمام الجمهور، وإحساسه بالمسؤولية الناتج عن الظهور العام، وحماية صورته المهنية، وبناء “علامته الشخصية”.
يتبدى في المسألة خطر انهيار الحدود بين الجمهور الخاص والجمهور المهني (context collapse)، ما يعني أنك لم تعد شخصًا عاديًا، وهذا، برأيي، يضيف شعورًا إضافيًا بالضغط.
هناك صحفيون قرروا الانفصال عن وسائل التواصل الاجتماعي أو تقليل الحضور الرقمي، وأصبح هذا الفضاء بالنسبة لهم مجرد مصدر مفتوح للمعلومات والمتابعات، خصوصًا وأن 27% من الجمهور، وفق بيانات معهد “رويترز”، بات يفضل الحصول على أخباره عبر صانعي المحتوى في وسائل التواصل الاجتماعي.
لكن الصحفيين في بعض الحالات يواجهون مشكلة بقائهم في الظل، لأن هناك وسائل إعلام تبحث عن صحفيين معروفين ولديهم متابعون، بل وتحاول الاستثمار في هذا الدور وهذه المساحة، وهذه مشكلة أخرى، إذ كيف يمكن لصحفي الوصول والعمل في مؤسسة تبحث عن صحفي حاضر على “السوشيال ميديا” لبناء الجمهور، وكيف يحتفظ الصحفي بحقه بامتلاك مساحة لا تكون امتدادًا لغرفة الأخبار، وألا تشكل آراؤه قلقًا للإدارة.
دعونا نعود إلى قواعدنا المهنية، وحقوقنا الإنسانية، إذ ثمة فرق بين الحياد في العمل الصحفي وبين شخصية الصحفي خارج العمل. الصحفي له ذات حرة وحياة خاصة مثل كل البشر، وعندما تتقاطع المسألتان يبدأ التفكير في حدود الحرية والمسؤولية، خصوصًا عندما ينشر في مسألة تتعلق بعمله أو تغطياته لصالح مؤسسة إعلامية، أو حتى إذا عرّف نفسه كصحفي مستقل يقدم محتوى مهنيًا يفصل فيه بين آرائه ورغباته وبين الحقائق.
في أدبياته، يوصي الاتحاد الدولي للصحفيين (IFJ) الصحفيين بتجنب الإضرار بمصداقيتهم عبر الآراء الشخصية في موضوعات يغطونها، ويضع ذلك ضمن إطار أوسع يتعلق بالاستقلال والنزاهة والمصلحة العامة.
في النهاية، ماذا يتبقى للصحفي إن لم يكن قادرًا على التعبير عن نفسه، أو أخذ مساحته على وسائل التواصل، هناك ضريبة لا بد من دفعها، المساحة موجودة، لكنها مؤطرة بطبيعة المهنة.. وللحديث بقية.
