غزوان قرنفل
تكمن الإشكالية الكبرى في كثير من أنظمة الحكم التي تتخذ من الدين مرجعية سياسية في أنها لا تبالي بالإجابة عن سؤال جوهري: كيف نبني دولة تحقق مصالح الناس وتكفل حقوقهم وتحمي حرياتهم وتصون كراماتهم؟ وإنما تكون مهووسة دائمًا بالبحث عن مختلف السبل التي تمكنها من حكم الإنسان وكيف تضبط سلوكه وتوجه تفاصيل حياته وفق تصور مسبق واعتقاد يقيني بأنها المالك الحصري للحقيقة والخير والصلاح! ولا شك أن ثمة فارقًا هائلًا بين هذين الحدين أو الرؤيتين، وأن هناك مسافة هائلة تفصل بين الدولة التي تجعل أو تحاول أن تجعل حرية الإنسان ورفاهه غايتها، والدولة التي تجعل الإنسان مجرد وسيلة لتحقيق غاية أخرى.
لعل أكثر ما يجسد هذا المنطق هو النزعة السلفية حين تتحول من رؤية ومنهج ديني إلى مشروع سياسي باعتبارها تنظر إلى التاريخ بوصفه النموذج النهائي الذي ينبغي استعادته، وليس باعتباره جزءًا من تجربة إنسانية يمكن الاستفادة منها، وتعتبر الإنسان خادمًا للدين لا العكس، ولهذا تصبح الوسائل القديمة مقدسة بقدر قداسة الغايات نفسها، ويغدو كل جديد موضع ريبة، وكل تطور بدعة ينبغي مقاومتها باعتبار أن “كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار”!
الخف والحذاء رمزية تؤشر إلى حال الاستعصاء والعطالة العقلية لدى هؤلاء، فالخف كما هو معلوم ربما كان وسيلة مناسبة لعصر معيّن فرضتها أحوال الناس وطبيعة البيئة وأدوات الصناعة وما هو متوفر من مواد أولية، أما الحذاء الحديث فهو نتاج تطور في المعرفة والصناعة واحتياجات الإنسان، غير أن العقل الذي يقدس الوسيلة القديمة قد يجد نفسه يدافع عن الخف لا لأنه أكثر نفعًا أو راحة مثلًا، بل لأنه ورد في نص أو حديث أو أن الرسول (ص) قد انتعله، بينما ينظر إلى الحذاء بعين الارتياب لأنه لم يكن معروفًا آنذاك، وهكذا يصبح المطلوب من الإنسان أن يكيف قدميه مع الخف لا أن ينتعل الحذاء الذي يناسب زمنه ولباسه وطقس بلاده.
المسألة في جوهرها هنا ليست قضية خف أو ثوب قصير أو شاهدة قبر أو لحية كثة، بل هي طريقة في التفكير وعقلية تريد أن تلبس الواقع كله خفًا ضيقًا مهما تغير الزمان وتبدلت المجتمعات وتعقدت الحياة، فإذا لم يلائم الخف القدم، فالمشكلة في القدم لا في الخف! وإذا عجز الناس عن السير وفق منطق الخف والحذاء فالخلل في الناس لا في فكرة الخف نفسها!
وهكذا يتحول الإنسان إلى مادة ينبغي تشكيلها لتلائم فهمهم للنصوص أو السلوكيات، بدلًا من أن تكون النصوص منطلقًا لتحقيق مصلحة الإنسان ورفع المشقة عنه، ومن هنا تنشأ الدولة التي يمكن تسميتها مجازًا “دولة الخف لا الحذاء”، دولة لا ترى مهمتها إدارة شؤون المجتمع وتقديم أفضل الخدمات الممكنة له، وإنما إعادة تشكيله وفق صورة “مثالية” متخيلة عن الماضي، فهي لا تعترف بأن الدولة الحديثة تقوم على المؤسسات والقانون والمواطنة، وترى في كل ذلك مجرد هرطقات مستوردة تمس جوهر الدين وثوابته، بل ترى أن مهمتها الأساسية هي الوصاية على الناس وضبط خياراتهم ومراقبة سلوكهم وتحديد ما يجوز لهم التفكير فيه أو فعله.
والسبب الأعمق في ذلك أن هذه الرؤية لا تبحث عن شرعيتها في إرادة المواطنين، وإنما تعتقد أنها تستمد سلطانها مباشرة من الله، وبالتالي هي لا تعتبر نفسها ممثلة للشعب، بل منفذة لإرادة إلهية متخيلة يتعين على الشعب الامتثال لها، ولذلك يصبح الاعتراض على السلطة أقرب إلى الاعتراض على الدين الذي تعتقد أنها تتمثله وعلى إرادة الله التي تؤمن أنها المعبّر الأرضي عنها! وبالتالي يغدو الاختلاف السياسي شبهة عقيدية، ويصبح الحاكم راعيًا يعرف مصلحة الرعية أكثر مما يعرفونها هم لأن مرجعيته السماء.
الدولة الحديثة لا تسأل الناس إن كانوا يتعبدون أو كيف يتعبدون أو ماذا يلبسون أو يأكلون، وإنما تبحث عن حلول وإجابات لأسئلة من قبيل كيف تؤمّن لهم التعليم الحديث، والرعاية الصحية الجيدة، والقضاء المستقل العادل، والاقتصاد المنتج، والإدارة الكفء، والفرص المتكافئة، فليست وظيفة الدولة هندسة الضمائر، بل تنظيم الحياة العامة على أساس الحرية والعدالة وسيادة القانون، ولذلك فإن شرعية الدولة الحديثة لا تنبع من ادعاء احتكار الحقيقة، وإنما من قدرتها على خدمة مواطنيها بلا تمييز، وهي لا تدعي العصمة بل تخضع للرقابة والمحاسبة والتداول السلمي للسلطة، لهذا فإن معركة المستقبل ترتبط بثنائية الخف والحذاء بكونهما وصفًا رمزيًا لصراع بين عقليتين إحداهما تدافع عن الفكرة مهما كانت تكلفتها وعدم مواءمتها للعصر، وأخرى تجعل الفكرة في خدمة الإنسان.
كل الدول التي تلاحق وتدس أنفها في تفاصيل حياة الناس وتعتبر نفسها وصية على ضمائرهم تنتهي قطعًا إلى إفقار المجتمع وتعطيل طاقاته، لأنها تنشغل بصناعة الرعايا والتابعين أكثر من انشغالها بصناعة المواطنين، أما الدولة التي تجعل الإنسان غايتها، فإنها لا تهتم إن كان يرتدي ثوبًا قصيرًا أم بنطالًا، ينتعل خفًا أم حذاء، بل يشغل بالها وجهدها أنه هل يستطيع أن يسير بحرية، وأن يعمل بكرامة، وأن يعيش آمنًا، وأن يشارك في بناء وطنه، عندها فقط لا يكون الخف ولا الحذاء غاية في ذاته بل مجرد وسيلة لأجل راحة الإنسان.
