أحيا أهالي وذوو ضحايا مجزرة الشعيطات، في بلدة أبو حمام بريف دير الزور الشرقي، الذكرى الثانية عشرة للمجزرة التي نفذها تنظيم “الدولة الإسلامية” بحق أبناء عشيرة الشعيطات في صيف عام 2014، عبر فعالية شعبية هدفت إلى التعريف بالمجزرة وتخليد ذكرى ضحاياها، إلى جانب المطالبة بمحاسبة المسؤولين عن الجرائم التي ارتكبها التنظيم.
وشارك في الفعالية ذوو الضحايا وأبناء المنطقة، واستعاد المشاركون أحداث المجزرة التي بدأت في أواخر تموز 2014 واستمرت خلال آب من العام نفسه، وما رافقها من عمليات قتل وإعدام واعتقال واختفاء وتهجير طالت سكان بلدات أبو حمام والكشكية وغرانيج ومناطق نزوح أبناء العشيرة.
وتأتي الفعالية في وقت لا يزال فيه ملف المجزرة مفتوحًا أمام عائلات الضحايا، سواء لناحية البحث عن المفقودين أو توثيق المقابر الجماعية، أو المطالبة بملاحقة المسؤولين عن الانتهاكات.
وبحسب دراسة أعدها “متحف سجون داعش” بالتعاون مع “رابطة عائلات ضحايا الشعيطات”، وثقت الرابطة ما لا يقل عن 814 ضحية من أبناء العشيرة قتلهم التنظيم في سياقات مختلفة خلال الفترة الممتدة من بداية عام 2014 حتى 15 آب 2021، وهي فترة زمنية أوسع من أيام المجزرة نفسها.
12 يومًا من المعارك
بدأت المواجهات بين تنظيم “الدولة الإسلامية” وأبناء عشيرة الشعيطات في ريف دير الزور الشرقي خلال صيف 2014، بعد تصاعد الخلاف بين الطرفين ورفض أبناء العشيرة الخضوع لسيطرة التنظيم.
وتتركز مناطق الشعيطات في بلدات أبو حمام والكشكية وغرانيج، وهي مناطق استراتيجية في ريف دير الزور الشرقي، نظرًا إلى موقعها وقربها من حقول النفط.
وبحسب توثيق رابطة عائلات ضحايا الشعيطات، تجدّد الصراع في 30 تموز 2014، عندما توجه مسلحون من أبناء العشيرة إلى مقر عسكري أقامه التنظيم في مبنى بلدية الكشكية، ما أدى إلى اشتباكات واعتقال 26 موظفًا مدنيًا من أبناء العشيرة كانوا يعملون في حقل التنك النفطي.
وفي اليوم نفسه، أصدر التنظيم فتوى صنّف فيها أبناء الشعيطات باعتبارهم “ناكثين للعهد ومرتدين عن حكم الشريعة”، واستخدمها لتبرير قتل أبناء العشيرة وملاحقة الفارين منهم، بحسب التوثيق.
وتحوّلت المواجهة إلى عملية عسكرية استمرت 12 يومًا، تخللها القصف والاشتباكات والتراجع التدريجي لمقاتلي الشعيطات، قبل أن يتمكن التنظيم من دخول بلدتي الكشكية وأبو حمام في 11 آب.
وتشير الرابطة إلى أن التنظيم نشر خلال المعارك صور إعدام الموظفين الـ26 الذين اعتقلهم في حقل التنك، كما بدأت قرى الشعيطات تخلو تدريجيًا من سكانها مع تصاعد العمليات العسكرية.
وبعد انسحاب مقاتلي العشيرة، دخل عناصر التنظيم إلى الكشكية وأبو حمام، وبدأوا عمليات تمشيط وتفتيش للمنازل، بينما كان معظم السكان قد غادروا المنطقة.
كما وثقت لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا عمليات قتل واعتقال نفذها تنظيم “الدولة الإسلامية” في سياق هجومه على مناطق الشعيطات، وذلك في تقاريرها التي تناولت الانتهاكات المرتكبة في سوريا خلال عام 2014.
814 ضحية موثقة
يختلف عدد ضحايا مجزرة الشعيطات بين الجهات التي وثقت الأحداث، بحسب الفترة الزمنية التي غطاها كل توثيق ومنهجيته.
وأحصت رابطة عائلات ضحايا الشعيطات 814 ضحية خلال الفترة من بداية عام 2014 حتى 15 آب 2021، مشيرة إلى أن الرقم يمثل الحالات التي تمكنت من توثيقها، وليس بالضرورة الحصيلة النهائية للضحايا.
وتوزعت الأرقام التي وثقتها الرابطة على مراحل مختلفة؛ إذ وثقت 44 ضحية بين بداية عام 2014 وحادثة بلدية الكشكية في 30 تموز، ثم 558 ضحية خلال الفترة الممتدة من حادثة البلدية حتى اتفاق العودة والعفو في الأول من تشرين الأول 2014.
وبعد ذلك، وثقت الرابطة 90 ضحية بين اتفاق العفو وعودة آخر دفعة من النازحين في 17 أيلول 2015، بينما وثقت 86 ضحية بين عودة النازحين وانسحاب التنظيم من المنطقة في كانون الثاني 2018، إضافة إلى 36 ضحية منذ انسحاب التنظيم حتى 15 آب 2021.
وتوضح الرابطة أن هذه الأرقام تشمل ضحايا سقطوا في سياقات مختلفة مرتبطة بالتنظيم، ولا تقتصر جميعها على فترة المجزرة التي شهدها صيف 2014.
أما خلال ذروة المجزرة، فتشير البيانات إلى توثيق 558 ضحية، وهو الرقم الذي يمكن استخدامه عند الحديث تحديدًا عن الفترة الممتدة من اندلاع المعارك في نهاية تموز حتى اتفاق العفو في تشرين الأول 2014.
وفي الوقت نفسه، تشير الرابطة إلى أن العدد الفعلي قد يكون أعلى من الأرقام الموثقة، نتيجة نقص المعلومات وصعوبة الوصول إلى جميع الحالات، ولا سيما المفقودين والضحايا الذين لم تُعرف أسماؤهم.
الاعتقالات والمفقودون
لم تنتهِ الانتهاكات مع سيطرة التنظيم على بلدات الشعيطات، إذ امتدت إلى المناطق التي لجأ إليها السكان بعد مغادرة قراهم.
وتشير التوثيقات إلى أن حملات اعتقال واسعة استهدفت النازحين من أبناء العشيرة، ولا سيما الرجال والشبان، في مناطق هجين والبحرة والشعفة، التي أصبحت من أبرز أماكن تجمع النازحين لقربها من بلدات الشعيطات.
وبحسب رابطة عائلات الضحايا، قاد التنظيم حملات مداهمة في الأيام التي أعقبت دخول بلدات الشعيطات، واعتقل مئات المدنيين على أساس انتمائهم إلى العشيرة، فيما تعرض آخرون للإعدام الميداني قبل نقلهم إلى أماكن الاحتجاز.
وتواصلت عمليات الاعتقال خلال الأسابيع التالية، واستخدم التنظيم عددًا من المدارس والمواقع الأخرى كمراكز احتجاز مؤقتة، قبل نقل المعتقلين إلى سجونه في مناطق مختلفة.
ويُعد ملف المفقودين من أكثر الملفات تعقيدًا بالنسبة إلى عائلات الشعيطات، إذ ما تزال بعض العائلات غير قادرة على معرفة مصير أفرادها، في ظل اكتشاف مقابر جماعية تضم رفاتًا لضحايا لم يتم التعرف إلى جميعهم.
المقابر الجماعية
شكّل اكتشاف المقابر الجماعية أحد أبرز المؤشرات على حجم عمليات القتل التي تعرض لها أبناء العشيرة.
وتشير قاعدة البيانات التي نشرتها رابطة عائلات ضحايا الشعيطات إلى وجود مواقع متعددة للمقابر الجماعية في مناطق العشيرة، بعضها اكتشف خلال الأشهر التي أعقبت المجزرة، فيما ظهرت مواقع أخرى خلال السنوات التالية.
وتوثق الرابطة، على سبيل المثال، مقبرة في حي معدان شرقي غرانيج اكتشفت بين 25 تشرين الثاني و10 كانون الأول 2014، وعثر فيها على سبع جثث، وفق البيانات المنشورة لديها، مع وجود صور وشهادات مرتبطة بعمليات القتل.
كما تشير إلى وجود مواقع أخرى تضم رفات ضحايا قتلوا بطرق مختلفة، مع استمرار الحاجة إلى عمليات تحديد هوية الجثامين وربطها بسجلات المفقودين.
وكانت تقارير حقوقية وإعلامية تحدثت، في وقت مبكر بعد المجزرة، عن العثور على مقابر جماعية تضم مئات الجثث في ريف دير الزور الشرقي، لكن الأرقام اختلفت بين مصدر وآخر، بحسب وقت التوثيق وطريقة احتساب الضحايا.
ولهذا، فإن التعامل مع رقم واحد باعتباره حصيلة نهائية للمجزرة يبقى غير دقيق، في ظل استمرار وجود مفقودين وعدم اكتمال تحديد هويات جميع الجثامين التي عثر عليها في المقابر الجماعية.
آثار مستمرة
لم تقتصر آثار المجزرة على القتلى والمفقودين، إذ خلفت عمليات القتل والتهجير خسائر اجتماعية واسعة بين أبناء العشيرة.
وتشير رابطة عائلات الضحايا إلى أن المجزرة خلفت مئات العائلات التي فقدت أفرادًا منها، بينهم أطفال وأرامل، فيما استمرت عمليات القتل والاعتقال حتى بعد عودة السكان إلى بلداتهم.
وبحسب التوثيق، توصل ممثلون عن التنظيم وشيوخ من الشعيطات إلى اتفاق في أيلول 2014 يتعلق بعودة النازحين، ونص الاتفاق على مجموعة من الشروط، بينها تسليم السلاح وتوقيع صكوك توبة والسماح للسكان بالعودة.
وبدأت عودة السكان تدريجيًا في تشرين الأول 2014، لكن العودة لم تعنِ نهاية الانتهاكات، إذ استمرت الاعتقالات والإعدامات الفردية بحق أبناء العشيرة خلال السنوات التالية، وفق التوثيق.
وبقي التنظيم موجودًا في مناطق الشعيطات حتى عام 2018، قبل أن يفقد السيطرة عليها خلال العمليات العسكرية التي قادتها “قوات سوريا الديمقراطية” بدعم من التحالف الدولي.
من التوثيق إلى المحاسبة
أعاد إحياء الذكرى الثانية عشرة للمجزرة طرح قضية المحاسبة، في وقت لا تزال فيه عائلات الضحايا تطالب بالكشف عن مصير المفقودين وتحديد المسؤولين عن عمليات القتل والاعتقال والتهجير.
وفي آذار 2026، نشر المركز السوري للإعلام وحرية التعبير دراسة بعنوان “اثنا عشر عامًا على مجزرة الشعيطات: العدالة ما تزال ممكنة”، تناول فيها المجزرة وانتهاكات تنظيم “الدولة الإسلامية” بحق أبناء العشيرة، وربط توثيق الجرائم بمسارات العدالة الانتقالية وكشف الحقيقة وجبر الضرر.
ويشير المركز إلى أهمية توثيق الانتهاكات التي طالت مختلف مكونات المجتمع السوري، بما يضمن عدم اقتصار مسارات العدالة على طرف واحد من أطراف النزاع.
وكانت لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا قد وثقت بدورها انتهاكات ارتكبها تنظيم “الدولة الإسلامية” بحق أبناء الشعيطات، في إطار تقاريرها حول الانتهاكات التي وقعت في سوريا خلال تلك الفترة.
ويعكس تعدد عمليات التوثيق، واختلاف الأرقام بين الجهات، حجم الصعوبة التي تواجه الوصول إلى حصيلة نهائية لضحايا المجزرة، خصوصًا مع استمرار ملف المفقودين ووجود مقابر جماعية لم تحدد هوية جميع المدفونين فيها.
وفي الذكرى الثانية عشرة، لا يقتصر مطلب ذوي الضحايا على تخليد ذكرى من قتلوا، وإنما يتصل أيضًا بكشف الحقيقة وتوثيق الأسماء ومعرفة مصير المفقودين، وصولًا إلى محاسبة المتورطين في عمليات القتل والاعتقال والإخفاء.
وبالنسبة إلى أبناء الشعيطات، تبقى أبو حمام والكشكية وغرانيج شاهدة على واحدة من أكبر عمليات القتل الجماعي التي ارتكبها تنظيم “داعش” في دير الزور، بينما تستمر العائلات في البحث عن إجابات تتعلق بأبنائها الذين لم يعرف مصيرهم حتى اليوم.
