الإيجابي والسلبي في مؤشرات صندوق النقد الدولي حول سوريا

  • 2026/08/16
  • 2:24 م
ينتظر أصحاب المتاجر الزبائن في سوق قديم بالقرب من الجامع الأموي في دمشق - 9 تموز 2026 (AFP)

ينتظر أصحاب المتاجر الزبائن في سوق قديم بالقرب من الجامع الأموي في دمشق - 9 تموز 2026 (AFP)

enab_get_authors_shortcode

عنب بلدي – وسيم العدوي

لا تبدو لغة الأرقام الصادرة عن صندوق النقد الدولي مؤخرًا، في بيانه الصحفي المتعلق بالاقتصاد السوري، مجرد تحليلات جافة، فهي ترصد ملامح تحول استثنائي يتشكل داخل بنية هذا الاقتصاد.

وبينما يرسم تقرير الصندوق خريطة طريق لاقتصاد ينهض من وسط الركام، مستهدفًا نسبة نمو تتجاوز 10%، يعيش الشارع السوري تفاصيل مرحلة انتقالية دقيقة، تتقاطع فيها بشائر التعافي الهيكلي مع ضغوط المعيشة اليومية التي ما زالت تثقل كاهل الأسر.

وزير المالية السوري، محمد يسر برنية، قال في تصريحات صحفية نشرت مؤخرًا، إن توقع الصندوق يتوافق مع تقديرات وتوقعات وزارة المالية ‏للنمو الاقتصادي، وأضاف، “نقدّر نسبة نمو تبلغ 11.3% عن عام 2026، ونحو 9.7% عن عام 2027، مقابل معدل نمو بلغ نحو 4% عن عام 2025”.‏

تأتي هذه النظرة المتفائلة بعد أكثر من عقد من الحرب التي دمرت الاقتصاد السوري، ووفقًا لتقديرات البنك الدولي، تبلغ احتياجات إعادة الإعمار حوالي 216 مليار دولار أمريكي، منها 108 مليارات دولار أمريكي كتعويض عن الأضرار المباشرة التي لحقت بالبنية التحتية والمباني، بينما انكمش الناتج المحلي الإجمالي للبلاد بنسبة 53% تقريبًا بين عامي 2010 و2022.

هذا التسارع في خطى النمو الذي ينطلق بثبات بعد سنوات من الانكماش تحركه قوة دفع، بحسب ما أوضحه الصندوق، تتوزع بين العودة المتزايدة للاجئين، وانتعاش القطاع الزراعي بفضل المواسم المطيرة، وتوسع إنتاج الهيدروكربونات (المشتقات النفطية)، واستعادة جزء من شريان الطاقة والتجارة.

وفي هذا السياق، يرى خبراء صندوق النقد الدولي أن الاقتصاد السوري نجح في استعادة جزء من عافيته مستفيدًا من تحسن ثقة المستثمرين والمستهلكين، وإعادة الاندماج التدريجي في المنظومة الاقتصادية الإقليمية والدولية.

أزمات هيكلية تهدد التعافي

البيان الصحفي لصندوق النقد الدولي حمل بين ثناياه مؤشرات سلبية حول أداء الاقتصاد السوري، تتلخص فيما يلي:

  • انتشار الفقر على نطاق واسع (رغم الإشارة إلى تراجع حدته نوعًا ما).
  • اختلاف وتفاوت وتباين وتيرة النمو الاقتصادي بين المناطق.
  • تأثر القطاع الزراعي سلبًا في عام 2025، بسبب الجفاف الشديد.
  • ارتفاع التضخم بصورة كبيرة خلال عام 2026، نتيجة ارتفاع أسعار الواردات (الوقود والمواد الغذائية) وارتفاع تكاليف السكن وارتفاع أسعار الخدمات العامة.
  • احتياج الموازنة العامة لضبط الإنفاق الرأسمالي بسبب محدودية الموارد المتوفرة.
  • ضخامة الاحتياجات الإنسانية والتنموية، وصعوبة إعادة اندماج اللاجئين والعائدين والنازحين التي تتطلب تمويلًا وفرص عمل وإعادة تأهيل.
  • عبء الديون الموروثة على سوريا، الذي يحتاج إلى معالجة شاملة لتوفير التمويل اللازم.
  • خلل القطاع المصرفي وغياب أدوات السياسة النقدية التي تواجه قيودًا شديدة بسبب الخلل الكبير في أداء القطاع المصرفي.
  • وجود سوريا ضمن القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي (FATF)، ما يستدعي تعزيز إطار مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
  • وجود نقص وفجوات في توفر وجودة البيانات الاقتصادية الأساسية، ما يحد من إجراء تقييم أكثر تفصيلًا للتطورات الاقتصادية.

وتعني أُطر مجموعة العمل المالي (FATF) أن الدولة المندرجة تحت “القائمة الرمادية” (التي تُعرف رسميًا باسم الدول الخاضعة لمراقبة مكثفة) تعاني من قصور استراتيجي في تشريعاتها وإجراءاتها لمكافحة الإرهاب، لكنها في الوقت نفسه تعهدت بالتعاون والتنسيق مع المجموعة لمعالجة هذه الثغرات وفق خطة عمل معتمدة.

ومع ذلك، اعتبر الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور إبراهيم نافع قوشجي، في حديث إلى عنب بلدي، أن النمو المتوقع من قبل الصندوق الدولي، لا يمكن قراءته بمعزل عن “الإمكانات الكامنة” في الاقتصاد السوري، بحسب تعبيره.

تشريح التعافي المفترض

“حين ننظر بعين التحليل الاقتصادي والمصرفي إلى تقارير المؤسسات الدولية، فإن الأرقام لا تعود مجرد إحصاءات جامدة، بل تتحول إلى قراءة متعمقة في البنية العميقة للمجتمع والاقتصاد”، بحسب الدكتور قوشجي.

ويقدم صندوق النقد الدولي، عبر قاعدة بياناته الواسعة، تشخيصًا مزدوجًا للواقع السوري، يرزح تحت وطأة الفقر المرتفع، واعتماد قطاع واسع من الأسر على التحويلات الخارجية والدخل الريعي، أضاف الخبير السوري، وفي المقابل، يفتح نافذة تحليلية لافتة حين يتوقع أن يصل معدل النمو الاقتصادي إلى قرابة الـ10% بحلول عام 2027.

وهذا الرقم ليس نبوءة مجانية ولا وعدًا سياسيًا، بحسب الخبير قوشجي، بل هو انعكاس دقيق لفهم القوة الكامنة التي تختزنها جغرافيا سوريا، وقطاعاتها الإنتاجية المعطلة.

من القوة الكامنة إلى الفعل الإنتاجي

الاقتصاد السوري اليوم لا يحتاج إلى خلق محركات جديدة من الفراغ، بل يحتاج إلى “إعادة تشغيل” محركاته الذاتية، وقال قوشجي، “نحن أمام ثروات طبيعية غير مستغلة، وقطاعات إنتاجية واسعة (صناعية وزراعية واستخراجية) توقفت عن العمل لكنها لم تفقد مقومات وجودها”.

ويرى أن توقع نمو بنسبة 10% يترجم فرضية علمية واضحة مفادها أن سوريا تمتلك قدرة استثنائية على تحقيق قفزة إنتاجية سريعة بمجرد إزالة العوائق الأساسية أمام الاستثمار، وإصلاح البنية التحتية للإنتاج، والتشغيل هنا ليس مجرد زيادة في الأرقام، بل هو تحول مجتمعي كامل من الاستهلاك والاتكال إلى خلق القيمة المضافة.

وفيما يتعلق بتحويل الجغرافيا إلى موارد استراتيجية، تسهم في تعزيز مستوى النمو، فإن الموقع الجغرافي لسوريا يوصف بأنه عقدة المواصلات الطبيعية بين آسيا وأوروبا والخليج.

وأكد قوشجي أن هذه ليست ميزة تاريخية فحسب، بل هي أداة مالية عالية القيمة لميزان المدفوعات، ويشير تقرير الصندوق إلى توجهات نحو تطوير البنية التحتية، وهو ما يمثل شريانًا حيويًا لإعادة تغذية الخزينة العامة بالقطع الأجنبي عبر:

  • تنشيط تجارة الترانزيت البرية، وإعادة فتح وتأهيل الممرات الدولية لنقل البضائع.
  • الترانزيت الجوي، لجهة ربط المطارات السورية بالمسارات والمجالات الإقليمية والدولية.
  • شبكات السكك الحديدية، بعد إعادة تأهيلها لخفض تكاليف النقل، وشحن البضائع والمنتجات.
  • مشاريع أنابيب النفط والغاز، وإعادة تموضعها مجددًا كممر طاقة عابر للحدود باتجاه البحر الأبيض المتوسط.

وهذه المحاور اللوجستية، بحسب الأكاديمي السوري ذاته، كفيلة بتوفير تدفقات مالية مستقرة بالعملة الصعبة، ما يعيد للخزينة قدرتها التمويلية، ويخفف الضغط المباشر عن سعر الصرف، ويعيد هيكلة ميزان المدفوعات بشرط “وجود إدارة لوجستية ومصرفية كفء”.

كيف يلتهم النمو الحقيقي معدلات التضخم؟

“في الفكر المصرفي والنقدي، لا يمكن كبح التضخم بالقرارات الإدارية أو الضوابط القسرية، بل بإنشاء مسارات امتصاص حقيقية للسيولة الزائدة”، بحسب ما قاله قوشجي، حيث تتحرك في السوق السورية اليوم كتلة نقدية ضخمة تبحث عن ملاذات استهلاكية أو مضاربات حادة نتيجة غياب الفرص.

ويكمن الحل في إعادة توجيه هذه السيولة نحو قنوات إنتاجية عبر مشاريع الصناعة والزراعة والبنية التحتية وقطاع الطاقة، وعندما تتحول السيولة من المضاربة إلى الإنتاج، تزداد كمية السلع والخدمات المعروضة، فيتراجع الضغط على الأسعار وينخفض التضخم تلقائيًا بقوة الاقتصاد.

ولكنه أكد أن هذه العملية ليست آلية، بل تشترط “إدارة نقدية حازمة وحصيفة” من قبل مصرف سوريا المركزي قائمة على:

  • ضبط التوسع النقدي بأساليب علمية.
  • إدارة سعر الصرف بمرونة واستقرار.
  • توفير أدوات ادخار واستثمار جاذبة للكتلة النقدية.
  • إعادة هيكلة الجهاز المصرفي ليكون قادرًا على التمويل والتنمية.

وأي نمو بلا ضبط نقدي سيتحول إلى موجة تضخمية جديدة، بينما النمو المنضبط هو الوحيد القادر على استعادة توازن الأسواق.

فك شيفرة معضلة الطاقة

قال الدكتور إبراهيم نافع قوشجي، إن البيانات توضح أن الاحتياطي النفطي لا يلبي احتياجات الاستهلاك المحلي من المشتقات، ما يضع قطاع الطاقة في مقدمة عقبات التنمية، وربما يعوق ذلك أو يحبط معدلات النمو، غير أن بيان صندوق النقد الدولي يفتح أفقًا جديدًا يتلخص في تحويل سوريا إلى ممر إقليمي للطاقة.

ويمكن لذلك أن يتم من خلال عقد اتفاقيات وشراكات استراتيجية مع العراق ودول الخليج، لمرور خطوط الأنابيب عبر الأراضي السورية نحو المتوسط، ومن شأن ذلك تحقيق هدفين متوازيين:

  • تأمين الاحتياجات الوطنية من المشتقات النفطية بأسعار وتكاليف تفضيلية.
  • حصيل رسوم عبور بالقطع الأجنبي تدعم الحساب الجاري للدولة.

وبهذا التحول، لن تعود الطاقة مجرد حاجة محلية استهلاكية تضغط على الموازنة، بل ستتحول إلى قطاع استراتيجي يعيد تشكيل الخريطة الاقتصادية، ويغذي القطاعات الصناعية والزراعية بالقدرة على العمل المتواصل، ويمكن أن يسهم في صياغة المستقبل الذي ترنو إليه المالية السورية بمعدل نمو يقارب الـ10% في 2027.

ويقف الاقتصاد السوري اليوم على خط فاصل، بحسب الخبير قوشجي، فإما الاستمرار في دائرة الفجوة الإنتاجية والانكماش، أو الانتقال نحو هيكلة بنيوية شاملة تعيد تشغيل المصانع، واستثمار الموارد المهملة، وتفعيل الطاقات المعطلة.

ومعدل النمو المفترض من صندوق النقد الدولي ليس مبالغة، بل هو قراءة علمية لما يمكن أن يحققه الاقتصاد السوري إذا ما أحسن استغلال مقوماته.

واختتم الخبير بأن التضخم والفقر اللذين أنهكا الأسر نتيجة ضعف الإنتاج وتشتت السيولة، لن يتراجعا إلا عندما تتحرك عجلة العمل الحقيقي، فحين ينطلق الإنتاج، تتراجع الفوضى النقدية، ويستعيد الاقتصاد قدرته الذاتية على خلق الثروة وتوزيعها.

مقالات متعلقة

  1. بعثة "النقد الدولي": خطوة لدمج سوريا بالنظام المالي العالمي
  2. إشارات مزدوجة في علاقة سوريا بصندوق النقد الدولي
  3. وزير المالية لعنب بلدي: سوريا مؤهلة لمنح بمليار دولار سنويًا
  4. "النقد الدولي" يخفّض توقعاته للنمو العالمي.. خطر التضخم قائم

أخبار وتقارير اقتصادية

المزيد من أخبار وتقارير اقتصادية