عنب بلدي – آلاء شعبو
لم تكن قصة رجل مسن في حمص معروفة خارج جدران منزله، إلى أن انتشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
كان الرجل يعاني من تدهور صحي في قدمه، قبل أن تصل حالته إلى مرحلة اضطر فيها الأطباء إلى بترها بعد مضاعفات صحية.
خلال أيام، تحولت قصة الرجل، الذي فقد أربعة من أبنائه خلال سنوات الثورة، إلى قضية لاقت تفاعلًا من المجتمع المحلي، إذ وصلته بعض المساعدات، لكنها فتحت سؤالًا أوسع: كم من كبار السن يعيشون ظروفًا مشابهة بعيدًا عن أعين المجتمع، ولا تظهر معاناتهم إلا بعد وصولها إلى مرحلة حرجة؟
وتكشف القصة جانبًا من واقع يعيشه كثير من كبار السن في سوريا، حيث تراجعت شبكات الرعاية التقليدية التي اعتمدت عليها هذه الفئة لعقود، بفعل الحرب والهجرة والضغوط الاقتصادية التي أثقلت كاهل الأسر.
أكثر من مليون مسن.. وبيانات ناقصة عن احتياجاتهم
يعيش في سوريا نحو 1.32 مليون شخص تجاوزوا سن الـ60 عام 2020، أي ما يقارب 7.5% من السكان، وفق بيانات أممية، وسط توقعات بارتفاع العدد إلى نحو 6.55 مليون شخص بحلول عام 2050، لتصل نسبتهم إلى قرابة 19.8% من السكان.
ولا ترتبط المشكلة بزيادة أعداد كبار السن فقط، بل بقدرة المجتمع ومؤسسات الدولة على مواكبة هذا التحول، في ظل تراجع كثير من أشكال الدعم التي كانت تعتمد عليها الأسرة السورية.
وتشير بيانات الأمم المتحدة وصندوق الأمم المتحدة للسكان ومنظمة “هيلب إيج” إلى وجود فجوات كبيرة في المعلومات المتعلقة بهذه الفئة، إذ لا تتوفر بيانات وطنية كافية حول أعداد كبار السن الذين يعيشون في الفقر، أو الذين يتعرضون للإهمال وسوء المعاملة، أو حجم من يحتاجون إلى رعاية بسبب الإعاقة أو الأمراض المزمنة.
ويجعل نقص البيانات كثيرًا من الحالات غير مرئية، ولا تظهر إلا عندما تصل إلى مرحلة تستدعي التدخل، كما حدث مع الرجل المسن في حمص.
الأسرة التي كانت شبكة الأمان تغيرت
لطالما شكلت الأسرة السورية شبكة الحماية الأساسية لكبار السن، إذ كان وجود الأبناء والأقارب يعني وجود من يتولى الرعاية عند المرض أو العجز، لكن هذه الشبكة تعرضت خلال السنوات الماضية لضغوط كبيرة جعلت استمرارها بالشكل التقليدي أكثر صعوبة.
وقالت الاختصاصية الاجتماعية بشرى مروة، في حديث إلى عنب بلدي، إن مكانة كبار السن لم تتغير بالضرورة من ناحية الاحترام الاجتماعي، لكن دورهم داخل الأسرة تغير بفعل التحولات الاقتصادية والاجتماعية.
المسن الذي كان سابقًا مركزًا للعائلة ومرجعًا لها، قد يتحول في ظروف الفقر والمرض إلى شخص يحتاج إلى الرعاية والدعم، في وقت تعاني فيه الأسرة نفسها من ضغوط متزايدة.
بشرى مروة
اختصاصية اجتماعية
وأشارت مروة إلى أن فقدان المعيل والهجرة كانا من أبرز العوامل التي أضعفت شبكات الدعم حول كبار السن، إذ انتقلت الرعاية في كثير من الحالات من وجود يومي مباشر للأبناء إلى مساعدات عن بعد عبر التحويلات المالية أو الاتصالات.
لكن هذه المساعدات، بحسب مروة، لا تعوض الاحتياجات اليومية للمسن، مثل متابعة العلاج وتأمين الدواء أو وجود شخص إلى جانبه في تفاصيل حياته اليومية.
ووصفت مروة هذه الحالة بأنها “فراغ رعائي”، عندما يبقى المسن في منزله لكنه يفتقد الشخص القادر على متابعة احتياجاته بشكل مستمر.
أمراض مزمنة واحتياجات صحية متزايدة
لا تقتصر هشاشة أوضاع كبار السن على الجانب الاجتماعي، إذ يرتبط التقدم في العمر غالبًا بحاجات صحية متزايدة تحتاج إلى متابعة مستمرة.
وتظهر البيانات المتاحة أن الأمراض غير المُعدية تشكل أكثر من 80% من سنوات الحياة مع الإعاقة بين كبار السن في سوريا، ومن أبرزها السكري وأمراض الكلى والقلب، إضافة إلى المشكلات المرتبطة بالحركة.
وهذا يعني أن المسن لا يحتاج فقط إلى دخل يؤمّن احتياجاته الأساسية، بل إلى متابعة صحية تشمل الأدوية والفحوص والمساعدة في الحركة والوصول إلى الخدمات الطبية.
وفي حال غياب هذه الرعاية، قد تتحول مشكلات صحية قابلة للعلاج إلى مضاعفات خطيرة.
وتعكس قصة الرجل المسن في حمص هذا الجانب، إذ إن مشكلة قدمه ليست حالة صحية، بل نتيجة تداخل عوامل صحية واجتماعية في ظل غياب المتابعة اللازمة، حتى وصلت حالته إلى مرحلة البتر.
بين المرض والفقر.. فقدان الاستقلالية
إلى جانب الحاجة للرعاية الصحية، يواجه كثير من كبار السن تحدي تأمين مصدر دخل ثابت، خصوصًا بعد فقدان القدرة على العمل أو تراجعها.
وتشير أحدث البيانات المتوفرة حول المعاشات التقاعدية إلى أن 16.7% فقط من كبار السن كانوا يحصلون على معاش تقاعدي عام 2016، وهي نسبة لا تعكس بالضرورة الواقع الحالي، إذ لا تتوفر أرقام وطنية حديثة توضح حجم التغير خلال السنوات الأخيرة.
ويجعل غياب البيانات الحديثة من الصعب تقدير عدد كبار السن الذين فقدوا مصادر دخلهم أو أصبحوا يعتمدون بشكل كامل على أسرهم أو المساعدات.
وترى الاختصاصية الاجتماعية بشرى مروة أن المشكلة لا ترتبط بالدخل فقط، بل بفقدان المسن جزءًا من استقلاليته.
المسن الذي أمضى سنوات طويلة في إعالة أسرته قد يجد نفسه في مرحلة لاحقة بحاجة إلى الآخرين لتأمين أبسط احتياجاته، وهذا التحول يترك آثارًا نفسية عميقة.
بشرى مروة
اختصاصية اجتماعية
الرعاية الرسمية أمام تحديات متزايدة
تقدم وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل مجموعة من الخدمات الموجهة لكبار السن، لكنها تواجه تحديات مرتبطة باتساع الاحتياجات ومحدودية الإمكانات.
وقال مدير السياسات الاجتماعية والعمل في الوزارة، واثق حلاق، لعنب بلدي، إن عدد دور رعاية المسنين المرخصة والخاضعة لإشراف الوزارة يبلغ 29 دارًا موزعة على المحافظات، بطاقة استيعابية إجمالية تصل إلى نحو 959 مستفيدًا.
وتقدم هذه الدور، بحسب حلاق، خدمات تشمل الإقامة وتأمين الاحتياجات الأساسية، إضافة إلى الدعم النفسي والاجتماعي والأنشطة الترفيهية.
لكن هذه القدرة تبقى محدودة مقارنة بعدد كبار السن في البلاد، إذ لا يقتصر احتياج هذه الفئة على الإيواء، بل يشمل الرعاية المنزلية والدعم الصحي والاجتماعي.
وأشار حلاق إلى أن الوزارة تعمل على إدراج استراتيجية وطنية مستقلة خاصة بكبار السن ضمن استراتيجيتها للأعوام 2026-2028، إضافة إلى متابعة إعداد مشروع قانون خاص بحقوق كبار السن.
كما أوضح أن أبرز التحديات تتمثل في محدودية الموارد، وازدياد أعداد المحتاجين للرعاية، والحاجة إلى تطوير خدمات الرعاية المجتمعية والمنزلية.
الرعاية لا تبدأ من دار المسنين
ترى الاختصاصية الاجتماعية بشرى مروة أن زيادة عدد دور رعاية المسنين لا يمكن أن تكون الحل الوحيد، وأن الأولوية يجب أن تكون لدعم بقاء المسن داخل أسرته وبيئته الطبيعية، مع إبقاء دور الرعاية للحالات التي لا تملك بديلًا أو تحتاج إلى متابعة متخصصة.
واقترحت بناء شبكات حماية محلية تشمل الزيارات الدورية لكبار السن الذين يعيشون بمفردهم، وتفعيل دور المبادرات الأهلية، وتطوير خدمات الرعاية المنزلية، فوجود الأبناء أو الأقارب لا يعني فقط تقديم الدعم المادي، بل يعني الحضور اليومي والشعور بالأمان والانتماء.
المشكلة ليست فقط في غياب أماكن الرعاية، بل في تراجع شبكة العلاقات اليومية التي كان يعتمد عليها المسن سابقًا.
بشرى مروة
اختصاصية اجتماعية
وبينما تتجه سوريا نحو ارتفاع كبير في أعداد كبار السن خلال العقود المقبلة، يبقى التحدي الأساسي هو بناء نظام حماية لا ينتظر وصول المسن إلى مرحلة الانهيار حتى يتدخل.
قصة الرجل المسن في حمص لم تبدأ بعد انتشار صوره على مواقع التواصل الاجتماعي، بل بدأت خلف باب مغلق، حيث بقيت معاناته غير مرئية حتى أصبحت أكبر من أن تُخفى.
