خطيب بدلة
لا يستطيع أحد، في العالم كله، أن يفض الاشتباك بين اللاجئ السوري، الذي يعيش في إحدى الدول الأوروبية، وبين العقلية التي تشكلت لديه منذ ولادته، وبقيت مسيطرة عليه في أثناء ركوبه المخاطر، ثم وصوله إلى هذه البلاد المستريحة اقتصاديًا، واجتماعيًا، والدليل على ذلك، ما نراه، يوميًا، على وسائل التواصل الاجتماعي، من تحريض، وإذكاء للحرب الأهلية في سوريا، من قبل لاجئين، قد يكون بعضهم حاملين جنسية الدولة التي تستضيفهم، أو متمتعين بإقامات دائمة فيها.
ومع أن ثقتي بالعلم كبيرة، لا تتزعزع، أظن أن أكبر علماء النفس، والاجتماع، سيقفون عاجزين أمام العقد النفسية المركبة، المتداخلة، شديدة التعقيد، التي ظهرت لدى كثير من اللاجئين، وخاصة بعد تاريخ 8 من كانون الأول 2024، والحقيقة أن لحظة سقوط نظام الأسد لم تفرحهم وحدهم، بل أفرحتنا جميعًا، فبسقوطه تخلصنا من كابوس الدكتاتورية العسكرية المخابراتية الفظيع، يعني أن فرحهم بسقوط نظام الأسد طبيعي، ومتوقع، ولكن المعادلات المعقدة التي سيعجز العلماء عن تفكيكها، تتلخص في أن القسم الأكبر منهم، أظهروا حماسهم، وتأييدهم، للسلطة الانتقالية، ولكن، عن بُعد! قالت لهم الدولة المضيفة: السبب الموضوعي لبقائكم في بلادنا، زال، فتفضلوا، من غير مطرود، اذهبوا إلى بلادكم. ردوا عليها: هؤ. ما بدنا نروح. قالت لهم: نعطيكم مكافآت مغرية، ونقطع لكم بطاقات طيران على حسابنا، ونوصي المضيفات أن يرششن عليكم حبة مسك من أحسن الماركات، قبل نزولكم من الطائرة، المهم أن تذهبوا إلى بلدكم.
قالوا: هؤ. واستدعى معظمهم، من منهاج المدرسة الثانوية، قصيدةَ الشاعر الفلسطيني توفيق زياد: هنا على صدوركم باقون كالجدار. قالت لهم الدولة المضيفة: يا عمي، هذه ليست مشكلة، أهلًا وسهلًا بكم، ابقوا بيننا، ولكن بشروطنا، وفي ظل قوانيننا وأنظمتنا، مرة أخرى، ردوا عليها، بالكلمة المعروفة: هؤ. وأضافوا: نحن نرفض العيش بقوانينكم، وبأنظمتكم، مع أننا نعرفها، ونحفظها غيبًا، وتنص على أنكم لا تستطيعون ترحيلنا، إلا بطلوع الروح، وإذا أدى بقاؤنا عندكم إلى وصول اليمين إلى السلطة، اليمين نفسه لن يستطيع ترحيلنا بلمسة زر، لأن قوانينكم تمنعه من ذلك، وسوف يضطر، حينئذ، لتغيير القوانين، أو تعديلها، وهذه عملية معقدة، تحتاج إلى زمن طويل، وعمل شاق، وقد لا تتكلل بالنجاح.
مما لا شك فيه أن عشرات الألوف من اللاجئين، الذين استوعبتهم هذه البلاد العلمانية الديمقراطية، خلال العقد الأخير، قد تحولوا إلى مشكلة تثقل عليها، وتجبرها على تغيير سياساتها، بل وتجعلها تفكر، جديًا، بتغيير بعض القوانين المتعلقة باللجوء، وهنا، ولأجل الموضوعية والإنصاف، نشير إلى أن هذه الدول كانت تعاني، قبل وصول أفواج اللاجئين، من خلل ديموغرافي، يتجلى في انخفاض معدلات التكاثر، أدى إلى نقص في العمالة، لذا وجدت فيهم حلًا لمشكلتها، إلا أن الصدامات التي وقعت، بين بعضهم وأجهزة الدولة، والمشاجرات الجماعية التي احتدمت بين اللاجئين أنفسهم، والوقوف على براعة بعضهم في التحايل على الأنظمة، بالتمارض، والتهرب من العمل، ومن الاندماج، والشغل “بالأسود”، والتدخل، أحيانًا، في الحريات الاجتماعية، جعلت إيجاد حل ناجع لقضيتهم صعبًا للغاية.
