عنب بلدي – محمد ديب بظت
على بعد نحو 25 كيلومترًا جنوب غربي حلب، تقع قرية العيس، وسط مشهد ريفي تحيط به الأراضي الزراعية، وتحت أجزاء من القرية وفي محيطها، تمتد بقايا موقع أثري ارتبط بمدينة قنسرين، التي كان لها حضور بارز في تاريخ شمالي سوريا.
أعمال المسح والتنقيب التي أجريت في المنطقة، كشفت عن مدينة كانت موقعًا استقر فيه السكان، وتغير شكله ووظيفته مع تغير القوى التي حكمت شمالي سوريا.
تكتسب قنسرين أهميتها من موقعها قبل أي شيء آخر، فهي تقع عند السفوح الشرقية للكتلة الكلسية في شمالي سوريا، وعلى تخوم منطقة تلتقي فيها الأراضي الزراعية بمناطق البادية، كما كانت على طرق تصل شمالي البلاد بوسطها وبالداخل السوري، ويشرف جبل العيس على المنطقة، ويوفر موقعه المرتفع رؤية واسعة للأراضي المحيطة والطرق الممتدة نحو حلب والبادية.
الحكاية منذ العصور القديمة
لم تبدأ حكاية قنسرين مع الإسلام، إذ شهد الموقع ومحيطه استيطانًا منذ عصور قديمة، وترتبط المنطقة في الدراسات الأثرية بمدينة خلقيس الكلاسيكية، وهي مدينة تعود إلى العصور القديمة واشتهرت في المصادر الكلاسيكية قبل أن يرتبط الموقع لاحقًا باسم قنسرين.
كما لم تكتسب قنسرين أهمية مع العصر الإسلامي وحسب، إذ شهد الموقع استيطانًا خلال عصور مختلفة، واكتسبت أهمية أكبر خلال الفترة البيزنطية.
مع العصر البيزنطي، أصبحت المنطقة ذات أهمية على الحدود الشرقية للإمبراطورية، قبل أن تدخل مرحلة جديدة مع وصول المسلمين إلى شمالي سوريا في القرن السابع، حيث أصبحت واحدة من أهم مراحل تاريخ قنسرين.
بعد الفتح الإسلامي، تحولت قنسرين إلى مركز إداري وعسكري مهم، إذ تشير الدراسات الأثرية إلى أن المدينة الإسلامية لم تكن بالضرورة امتدادًا مباشرًا للمدينة البيزنطية داخل الأسوار، حيث تظهر دلائل على استقرار العرب في موقع قريب عُرف باسم “الحاضر”، وتحول هذا الموقع لاحقًا إلى مركز إداري في العهد الأموي.
وأصبحت قنسرين مركزًا لـ”جند قنسرين”، وهو أحد الأجناد التي قسمت إليها بلاد الشام في العصر الأموي، ما أعطاها وزنًا يتجاوز حدود المدينة نفسها، وكان الجند يشمل مناطق واسعة من شمالي سوريا، قبل أن تتغير حدوده وتقسيماته في العصر العباسي.
اختيار قنسرين مركزًا للجند كان بفضل موقعها، فالمدينة كانت قريبة من الحدود البيزنطية، وعلى طرق عسكرية وتجارية، ومن هنا اكتسبت أهمية في الحملات والتحركات بين بلاد الشام والأناضول.
ومن قنسرين خرجت الجيوش باتجاه الشمال، وفيها أقام قادة عسكريون، وكان موقعها جزءًا من منظومة الحدود التي ظلت تتحرك بين الدولة الإسلامية والإمبراطورية البيزنطية.
ومن أبرز الشخصيات التي ارتبط اسمها بالمنطقة مسلمة بن عبد الملك، الذي تولى ولاية جند قنسرين، واستخدم موقعه في قيادة حملات عسكرية باتجاه الأراضي البيزنطية خلال العصر الأموي.
قلعة فوق الجبل
لم تكن أهمية الموقع مرتبطة بالطرق وحدها، ففوق المرتفع المشرف على المدينة تظهر بقايا تحصين ارتبط بحماية قنسرين.
وتشير أعمال التنقيب إلى وجود منشأة دفاعية على الجبل المطل على الموقع، ضمن منظومة تحصينات عُرفت عبر مراحل مختلفة من تاريخ المدينة، غير أنه لم يبقَ من هذه المنشأة اليوم مبنى كامل يمكن مقارنته بقلاع حلب أو حماة، إذ وصلت أجزاء منها على هيئة بقايا تحصينات وتلال وكتل حجرية، لكن موقعها المرتفع يكشف سبب اختيار المكان للدفاع والمراقبة.
ومن أعلى جبل العيس يمكن الإشراف على مساحة واسعة تمتد بين الأراضي المزروعة والبادية، الأمر الذي يفسر القيمة العسكرية للموقع في مدينة كانت تقع عند تماس طرق ومناطق مختلفة، كما كشفت أعمال المسح عن أحياء سكنية ومناطق صناعية ومدافن.
تراجع لحساب حلب
تراجع نفوذ قنسرين مع مرور الوقت، وصعدت حلب في المقابل لتصبح المركز الأهم في شمالي سوريا، فمع حلول القرن العاشر، كانت قنسرين قد فقدت جانبًا من مكانتها لمصلحة حلب رغم استمرار أهميتها المحلية.
وفي القرن العاشر أيضًا دخلت المدينة في صراعات متكررة بين الحمدانيين والبيزنطيين، في مرحلة كانت فيها حلب وقنسرين جزءًا من خط المواجهة بين الطرفين.
وفي عام 945، تعرض سيف الدولة الحمداني لهزيمة في قنسرين أمام الإخشيديين القادمين من مصر، قبل أن تصبح المنطقة خلال العقود التالية واحدة من ساحات الصراع بين الحمدانيين والبيزنطيين.
باب بقي فيه الاسم
ربما أكثر ما حفظ اسم قنسرين في الذاكرة الحلبية هو الباب الذي حمل اسمها، ففي الجهة الجنوبية من حلب القديمة، يقف باب قنسرين أحد أبواب المدينة التاريخية، إذ يحيل الاسم إلى الطريق الذي كان يخرج من حلب باتجاه قنسرين، المدينة التي كانت ذات يوم من أهم مراكز المنطقة.
والباب نفسه كان منشأة دفاعية كبيرة، أعيد بناؤها وتطويرها في مراحل مختلفة، ويعود شكلها المتأخر إلى العصر الأيوبي في القرن الـ13.
وكانت المنشأة تضم بوابات دفاعية متتابعة، وآبارًا وصهريجًا ومنشآت مرتبطة بالطحن وإنتاج الزيت ومخبزًا وترسانة، ما جعلها أقرب إلى حصن مستقل داخل سور المدينة.
أما شكله الحالي فيرتبط بإعادة بناء تعود إلى عام 1256، في حين كان للباب بناء أقدم في العصر الحمداني، خلال حكم سيف الدولة في القرن العاشر.
مدينة تحت القرية
تغطي قرية العيس اليوم أجزاء من الموقع الأثري، ولذلك لا تظهر قنسرين للزائر كمدينة كاملة بأسوارها وأحيائها ومبانيها.
وأظهرت أعمال المسح الأثري بين عامي 2008 و2010 أن موقع قنسرين يمتد على مساحة كبيرة، وأن أجزاء مختلفة منه استخدمت في فترات تاريخية متباينة، كما كشفت الأبحاث عن آثار تعود إلى العصر البرونزي، وأخرى إلى الفترات الكلاسيكية والبيزنطية والإسلامية.
لم تعد قنسرين اليوم مركزًا سياسيًا أو عسكريًا كما كانت في مراحل من تاريخها، لكن موقعها يختصر جانبًا من تاريخ شمالي سوريا، من المدن القديمة وطرق التجارة، إلى الحدود البيزنطية، ثم التحولات التي رافقت الفتح الإسلامي وقيام جند قنسرين، وبين العيس اليوم وجبلها وبقايا المدينة القديمة، يبقى اسم قنسرين حاضرًا في مكان آخر، على أحد أبواب حلب.
