تجري ترتيبات لضبط الوضع الإداري والأمني في مدينة الحسكة خلال الأيام القليلة المقبلة، وفق ما قاله مصدر مطّلع تحدث إلى عنب بلدي.
وقال المصدر، اليوم الأحد 16 من آب، إن الحكومة السورية تستعد لفرض سيطرتها الأمنية الكاملة على المدينة، بهدف إعادة تشغيل المؤسسات الحكومية، وضبط الوضع الإداري، وإنهاء حالة الازدواجية والفوضى القائمة في المدينة.
وأوضح المصدر أن هذه الترتيبات تأتي بعد الاضطرابات التي شهدتها محافظة الحسكة خلال تسيير أول رحلة لإعادة نازحين من مدينة رأس العين إلى مناطقهم، مشيرًا إلى أن الهدف منها منع تكرار الأحداث الأمنية الأخيرة والحؤول دون استمرار حالة الانفلات الأمني.
وبحسب المصدر، تعاني مدينة الحسكة من حالة فوضى وازدواجية في الإدارة، وتعمل الحكومة على ضبط هذا الوضع خلال الأيام المقبلة بما يسمح بإعادة تفعيل المؤسسات الحكومية والخدمية.
وأضاف أن بسط السيطرة الأمنية يهدف بصورة أساسية إلى إعادة تشغيل المؤسسات الحكومية والمدارس، مع قرب انطلاق العام الدراسي الجديد، إلى جانب تهيئة الظروف المناسبة لإعادة نازحي الحسكة ورأس العين إلى مناطقهم الأصلية.
وأشار المصدر إلى أن ملف عودة النازحين يرتبط بشكل مباشر باستقرار الوضع الأمني والإداري، إذ يتطلب تنظيم عمليات العودة توفير بيئة آمنة ومستقرة، ومنع وقوع حوادث يمكن أن تعرقل عودة السكان إلى مناطقهم.
ويرى المصدر أن ضبط الوضع في مدينة الحسكة من شأنه إنهاء حالة الازدواجية الإدارية والأمنية، وإعادة المؤسسات إلى العمل، والحد من حالة الفوضى والانفلات الأمني التي شهدتها المدينة خلال الفترة الماضية.
كما يهدف الإجراء، وفق المصدر، إلى منع تكرار الأحداث التي رافقت عملية تسيير أول رحلة لإعادة نازحي رأس العين، وضمان استمرار عمليات العودة بصورة منظمة.
أحداث عودة نازحي رأس العين
تحولت عودة مئات العائلات من مدينة الحسكة إلى رأس العين، في 10 من آب، إلى توتر امتد من المدينة إلى مناطق عدة في محافظة الحسكة، ووصل مساء اليوم نفسه إلى مدينة عين العرب (كوباني) بريف حلب الشرقي.
وبدأت التطورات بعد اعتداءات طالت عددًا من العائلات العائدة إلى رأس العين، قبل أن تشهد الحسكة والقامشلي وعامودا والدرباسية وتل تمر ومعبدة احتجاجات وقطعًا للطرق، تخللها اقتحام مقار للأمن الداخلي والاعتداء على ممتلكات عامة وخاصة.
وانتهت التطورات، في 11 من آب، بإعلان السلطات المحلية اتخاذ إجراءات قانونية بحق عدد من المتورطين، بينما أعلنت قيادة الأمن الداخلي في حلب عودة الهدوء إلى عين العرب بعد انتشار قواتها في المدينة.
احتجاجات وقطع طرق
بعد أحداث رأس العين، امتدت الاحتجاجات إلى مدن وبلدات عدة في محافظة الحسكة.
وشهدت الحسكة والقامشلي وعامودا والدرباسية وتل تمر ومعبدة احتجاجات وقطعًا لطرق رئيسة، بينما نظم محتجون وقفة أمام مبنى محافظة الحسكة.
وفي الحسكة والقامشلي، اقتحمت مجموعات مقار للأمن الداخلي، وأنزلت العلم السوري من فوق بعض المباني ورفعت أعلامًا كردية.
وشهدت بعض شوارع القامشلي تحطيم سيارات وممتلكات، بينما قطعت طرق في الحسكة والقامشلي وتل تمر ومعبدة.
وعززت قوى الأمن الداخلي انتشارها في عدد من النقاط في المدينتين بهدف احتواء التوتر وضبط الوضع الأمني وحماية المواطنين والممتلكات العامة والخاصة.
واتسعت الأحداث، إذ أجبرت عناصر من “الشبيبة الثورية” التابعة لـ”قسد” أصحاب محال تجارية في سوق الحسكة على الإغلاق، بحسب مراسل عنب بلدي.
كما أغلقت القوى الأمنية طريق مطار القامشلي بالسواتر الترابية، في حين قطع محتجون في تل تمر الطريق الدولي (M4) باستخدام الإطارات المشتعلة.
وبقيت مدن الحسكة والقامشلي ورأس العين في حالة توتر خلال ساعات المساء، بالتزامن مع انتشار أمني في عدد من المناطق.
الأحداث تصل إلى عين العرب
مساء الاثنين، انتقلت الاحتجاجات إلى مدينة عين العرب (كوباني) بريف حلب الشرقي.
وأفاد مراسل عنب بلدي بأن محتجين اقتحموا إدارة المنطقة ومقر الأمن الداخلي في المدينة، وأنزلوا الأعلام السورية من فوق المباني التي جرى اقتحامها.
وأعلنت قيادة الأمن الداخلي في حلب، في 11 من آب، عودة الهدوء إلى عين العرب بعد انتهاء العمليات الأمنية، عقب اعتداء عدد من الأشخاص على مقار حكومية في المنطقة.
وقالت القيادة إن دخول قواتها إلى المدينة جاء لمنع الفوضى والحفاظ على الأمن والاستقرار، إلى جانب حماية الأهالي وتأمين المؤسسات والمرافق العامة.
وأعلنت إصابة 19 عنصرًا من قوى الأمن خلال أداء مهامهم، وإلقاء القبض على سبعة أشخاص من المتسببين بالأحداث لاستكمال الإجراءات القانونية بحقهم.
لماذا تحتاج الحسكة إلى ترتيبات جديدة؟
ويرى الناشط الاجتماعي سليمان داوود، في حديث لعنب بلدي، أن أهمية ضبط الوضع في الحسكة ترتبط بالحاجة إلى وجود جهة إدارية وأمنية واضحة تتحمل مسؤولية إدارة المدينة ومؤسساتها، خصوصًا في ظل استمرار تداخل الصلاحيات بين أكثر من جهة.
وبحسب داوود، فإن استمرار الازدواجية ينعكس بصورة مباشرة على حياة السكان، سواء في المؤسسات الخدمية أو المدارس أو ملف الأمن، ويجعل معالجة المشكلات اليومية أكثر تعقيدًا، في وقت تستعد فيه المدينة لمرحلة جديدة مرتبطة بعودة السكان إلى مناطقهم الأصلية.
ويضيف داوود، أن أي ترتيبات أمنية ينبغي أن ترافقها إجراءات إدارية وخدمية واضحة، لأن ضبط الأمن وحده لا يعالج أسباب التوتر إذا بقيت المؤسسات معطلة أو ظلت الصلاحيات موزعة بين جهات مختلفة.
أما المحامي محمد الغانم، فركّز في حديثه لعنب بلدي، على ضرورة أن تجري أي إجراءات لضبط الوضع ضمن إطار قانوني واضح، بما يضمن حماية السكان والممتلكات العامة والخاصة، ويمنع تحول الخلافات المرتبطة بالعودة أو الإدارة إلى مواجهات محلية.
ويرى الغانم، أن استقرار الوضع الأمني يمثل شرطًا أساسيًا لتنظيم عودة النازحين، لكن نجاح العودة يحتاج أيضًا إلى معالجة الملفات القانونية المرتبطة بالمنازل والملكية والإشغال، إلى جانب ضمان عدم تعرض العائدين أو السكان الحاليين للضغط أو الاعتداء.
انقسام إداري مستمر
تأتي الترتيبات المرتقبة في ظل استمرار الانقسام الإداري والأمني في محافظة الحسكة، بعد نحو سبعة أشهر على بدء تنفيذ مسار دمج المؤسسات بين الحكومة السورية و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد).
ولا تزال خريطة الإدارة والسيطرة في المحافظة موزعة بين الطرفين، مع استمرار تباين الصلاحيات والجهات المسؤولة عن إدارة القطاعات الخدمية والأمنية والمدنية.
وتسيطر الحكومة السورية منذ مطلع العام الحالي على مساحات واسعة من أرياف الحسكة الجنوبية والشرقية وأجزاء من ريفها الغربي، بينما تتركز سيطرة “قسد” في المدن الرئيسة، ومنها الحسكة والقامشلي والمالكية والدرباسية وعامودا وغيرها.
وفي 29 من كانون الثاني الماضي، اتفقت الحكومة السورية و”قسد” على البدء بدمج المؤسسات العسكرية والأمنية والخدمية ضمن الهياكل الوزارية الحكومية، وبدء تنفيذ الاتفاق بصورة تدريجية في شباط الماضي.
لكن مظاهر الانقسام الإداري لا تزال حاضرة في عدد من القطاعات، بحسب سكان في مدينة الحسكة وأريافها، إذ تتباين الجهة التي تدير المؤسسات والمرافق من منطقة إلى أخرى، بينما لا تزال أغلب المؤسسات المدنية والخدمية خارج الخدمة.
