مصطفى حسين بطيخة*
الصعلكة مفهوم يعود إلى مفهوم ماقبل الممالك والدول، في الوقت الذي كان الانتماء للقبيلة هو العصبية الأقوى التي تشد أفرادها الذين صنعوا لأنفسهم دستورًا، هو دستور القبيلة الاجتماعي يحتكمون إليه ويدينون له، كالنصرة للقبيلة التي تمثل نظام الحماية والأمن والانتساب، والثأر أو الدية، والوفاء بالعهد، والأمان لمن دخل في حماية القبيلة أو جوارها، وإكرام الضيف، والحفاظ على الشرف والسمعة، وهذا الدستور في جوانبه أخلاقي يشرف عليه ويراقبه ويصونه شيخ القبيلة بمساعدة مجلس قبيلة نخبوي، أما الصعلوك فهو من خرج عن هذا الانتماء وهذا الدستور.
وللصعلكة درجات، فمنهم من تصعلك رغمًا عنه لأن القبيلة قررت خلعه وسحب نظام الحماية القبلي منه للأفعال الشائنة التي قام بها هذا الصعلوك المخلوع، كالقتل والسرقة والاعتداء على الشرف والسمعة، وممارسة هذه الجرائم أيضًا خارج حدود قبيلته وعلى قبائل أخرى، فتبرأت منه القبيلة إعلانًا منها أنها لا تتحمل جريرة أعماله، وحتى لاتتحمل الديات الباهظة التي كان مطلوبًا منها أن تدفعها حين يقوم أحد أفرادها بالاعتداء على قبيلة أخرى، أما النوع الآخر من الصعاليك فهو من خلع نفسه بنفسه وطواعية، إما ثأرًا كما فعل الصعلوك الشاعر (الشنفرى)، والذي يُروَى أنه ترك قومه لشعوره بإذلالهم له وأقسم على قتل مئة رجل منهم، وهناك الصعلوك (اليساري) الذي هجر قومه لإحساسه بظلم الغني للفقير، فتصعلك للإغارة على الغني لإعطاء الفقير، وأشهر هؤلاء الصعاليك هو الشاعر (عروة بن الورد).
مما سبق أريد الخلوص لتعريف الصعلكة في أنها في جميع حالاتها تمثل حالة الخروج عن دستور القبيلة، ولكن أخطر أنواعها هو الصعلوك المخلوع الذي يمثل حالة فساد داخلي، وعمل لنقل هذا الفساد إلى خارج حدود القبيلة الأم لهذا الصعلوك، وكان هذا النوع يقود جماعات من شذاذ الصعاليك المخلوعين مختلفة المشارب والقبائل التي خلعتهم لتساعده على الفساد.
في العصر الحديث بدأ تشكل مفهوم الدولة (الوطن) بمثابة قبيلة كبيرة ضمن رقعة جغرافية بحدود معينة ومعلومة، وتضم أفرادًا من عصبيات مختلفة دينية أو اجتماعية أو مناطقية أو قومية أو عرقية (عن العصبيات راجع مقالي على زمان الوصل: العصبيات القاتلة والشرق الأوسط)، وقد توافقوا على عقد اجتماعي وأخلاقي بينهم اسمه الدستور، وما ينبثق عنه من قوانين تنظم العلاقة بين هؤلاء الأفراد ضمن هذه الحدود، وقد اعترفوا جميعًا في هذا الدستور بالحق في الاختلاف والحق في التشاركية والمساواة لجميع الناس والعصبيات ضمن هذه الحدود تحت سقف القانون (راجع مقالي على زمان الوصل: الايديولوجيات الأممية وقتل الوطنية).
من تعريفنا للصعلكة أعلاه، فإن صعلكة الدول تتم بأن يقوم شخص أو مجموعة ما بالانقلاب على الدستور، أو تغييره لشكل غير متفق عليه بين أفراد الدولة، ولابد هنا من الاستبداد كشرط لازم مع الصعلكة، ومع الاستبداد يأتي الفساد الداخلي الذي يؤدي بالضرورة لنشوء طبقة كاملة هي طبقة الصعاليك الفاسدين.
إن الشكل الفاقع للدول الحديثة التي تمت صعلكتها بالاستبداد والفساد هي الدول الأيديولوجية، والتي يقودها “فرعون” المستبد الأيديولوجي الذي تحدثت عنه في العديد من مقالاتي السابقة (وآخرها على زمان الوصل بعنوان: الأيديولوجي المنتصر والعم سام)، وهو يستخدم جميع الوسائل السلطوية والعنفية لإلزام المجتمع باتباع أفكاره التي لاتقبل الشك أو التأويل، وهو يلغي التشاركية التي هي جوهر الدستور، ويقوم بتشكيل جماعات من شذاذ الصعاليك (الخارجين عن الدستور والقانون)، كميليشيات مسلحة لا تدين للدولة، وجهاز إعلامي وثقافي واجتماعي تابعين له.
إن الفرعون الأيديولوجي هو أحق من يستحق لقب “الصعلوك القائد”. ويبقى القول إن استمرار الاستبداد لفترة طويلة يجعل حالة الصعلكة الفاسدة جماهيرية، بحيث تعتنقها شريحة كبيرة من الشعب، إيمانًا منها بأنها طوق نجاة في بحر الفساد الفرعوني.
مما سبق سأتناول، في المقالات المقبلة، الحالة السورية كدولة جرت محاولة صعلكتها على امتداد تاريخها.
*مصطفى حسين بطيخة أستاذ جامعي وكاتب سوري
