تتجه المحادثات بين الحكومة السورية و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) إلى مرحلة جديدة من النقاش حول الملفات العالقة في تنفيذ اتفاق 29 كانون الثاني، بالتزامن مع لقاءات في دمشق لاستكمال إجراءات دمج المؤسسات العسكرية والأمنية والإدارية التابعة لـ”قسد” ضمن مؤسسات الدولة السورية.
ونقلت صحيفة “الشرق الأوسط“، الاثنين 24 من آب، عن مصادر في دمشق أن قائد “قسد”، مظلوم عبدي، والرئيسة المشتركة لدائرة العلاقات الخارجية في “الإدارة الذاتية”، إلهام أحمد، عقدا لقاء مع مسؤولين في الحكومة السورية بدمشق، وسط تكتم إعلامي على تفاصيل الاجتماع.
وبحسب المصادر التي نقلت عنها الصحيفة، تصدر ملف التعليم جدول المناقشات، في إطار استكمال الإجراءات التنفيذية للاندماج قبل نهاية آب الحالي.
ويأتي الاجتماع بعد نحو 20 يومًا من لقاء جمع الرئيس السوري، أحمد الشرع، بعبدي في دمشق، بحضور إلهام أحمد، قالت مصادر “الشرق الأوسط” حينها إنه لم يفضِ إلى اتفاق بشأن عدد من القضايا الخلافية، رغم رغبة الطرفين في دفع تنفيذ الاتفاق.
التعليم والحقوق الثقافية
يبدو أن التعليم يمثل إحدى أكثر نقاط الخلاف حساسية، في ظل اختلاف الرؤية بشأن طبيعة حضور اللغة الكردية في النظام التعليمي الرسمي.
وتطالب الجهات الكردية، بحسب الصحيفة، بترجمة المناهج إلى اللغة الكردية، بينما تقترح دمشق تدريس اللغة الكردية بصورة اختيارية ضمن حصص دراسية، خشية أن يؤدي اعتماد مناهج كاملة بالكردية إلى مطالب مماثلة من مكونات سورية أخرى.
وقبيل توجهها إلى دمشق، قالت إلهام أحمد عبر منصة “إكس“، إن التعليم باللغة الأم “حق أساسي لكل شعب”، معتبرة أن الاعتراف بهذه الحقوق يمكن أن يجعل سوريا نموذجًا للعدالة والاستقرار والسلام في المنطقة.
وكان الشرع أصدر، في 16 كانون الثاني الماضي، المرسوم رقم “13”، الذي نص على اعتبار المواطنين السوريين الكرد جزءًا أساسيًا وأصيلًا من الشعب السوري، وأن هويتهم الثقافية واللغوية جزء من الهوية الوطنية السورية.
ويرى الناشط الإعلامي حمزة العلي، في حديث إلى عنب بلدي، أن أهمية الاجتماع تكمن في انتقال النقاش من مبدأ تنفيذ الاتفاق إلى تفاصيله.
وقال إن “الوصول إلى ملفات التعليم والمناصب الحكومية وشكل التشكيلات العسكرية يعني أن الطرفين أصبحا أمام مرحلة اختبار حقيقية، لأن الاتفاقات العامة تكون أسهل من الاتفاق على التفاصيل التي ستؤثر مباشرة في حياة السكان”.
ويعتبر العلي أن الخلاف على التعليم “ليس تقنيًا فقط، بل يرتبط بتصور كل طرف لشكل الدولة المقبلة”، مشيرًا إلى أن تسوية الملف قد تتطلب ضمان تعليم اللغة الكردية بصورة موسعة، مع بقاء المناهج والمرجعيات التعليمية ضمن وزارة التربية السورية.
الاندماج العسكري
يأتي الاجتماع بعد تصريحات لمظلوم عبدي خلال احتفالية الذكرى المئوية لتأسيس مدينة القامشلي، في 20 من آب الحالي، نفى فيها إعلان حل “قسد”، وقال إن الاندماج مع الجيش السوري سيتم مع الاحتفاظ بهياكل “قسد” ضمن تشكيلات جديدة، بينها لواء “قامشلو” في القامشلي، ولواء “ديريك” في المالكية، ولواء “كوباني” في عين العرب، مع العمل على إنشاء لواء في عفرين.
كما أعلن عبدي لاحقًا عزمه إطلاق “مظلة سياسية” جديدة في سوريا “بلا صبغة قومية”.
ورأت مصادر دمشق التي نقلت عنها “الشرق الأوسط” أن تصريحات عبدي تمثل رفعًا لسقف المطالب ومناورة جديدة ضمن الضغوط لتحقيق مطالب الجانب الكردي، وفي مقدمتها ضمانات دستورية لحقوق المواطنين الكرد.
ويرى العلي أن تصريحات عبدي تكشف أحد أهم جوانب الخلاف، وهو معنى الاندماج نفسه.
ويقول إن “دمشق تبدو معنية بإنهاء وجود أي مؤسسة عسكرية مستقلة، بينما يبدو أن طرح عبدي يقوم على الاحتفاظ بالبنية البشرية والعسكرية الموجودة وإعادة تنظيمها ضمن تشكيلات تصبح رسميًا جزءًا من الجيش”.
ويضيف أن الاختبار الحقيقي سيكون في “سلسلة القيادة وليس الاسم”، موضحًا أن خضوع الألوية بالكامل لوزارة الدفاع وهيئة الأركان، وعملها وفق القوانين العسكرية للدولة، سيجعل العملية أقرب إلى الاندماج الكامل.
المناصب والتمثيل الكردي
وبحسب التسريبات التي نقلتها “الشرق الأوسط”، تشمل المناقشات أيضًا ترشيح وتوزيع شخصيات كردية في مفاصل الدولة بعد دمج الكيانات، مع بحث تولي قيادات من “مجلس سوريا الديمقراطية” (مسد) مناصب عليا، بينها منصب نائب أو معاون وزير الخارجية لإلهام أحمد، إلى جانب تحديد دور استشاري أو قيادي رسمي لمظلوم عبدي.
وتبقى هذه المعلومات، وفق طبيعتها، في إطار التسريبات التي أوردتها الصحيفة، ولا تعني صدور قرارات رسمية بشأن هذه المناصب.
ويعتبر الناشط الإعلامي حمزة العلي أن طرح هذه الأسماء يعكس انتقال التفاوض إلى سؤال “ماذا سيحدث للأشخاص الذين كانوا يديرون مؤسسات الإدارة الذاتية”، وليس فقط مصير المؤسسات نفسها.
وحذر من أن يتحول التمثيل إلى “محاصصة قومية”، موضحًا أن مشاركة شخصيات كردية في مؤسسات الدولة لا تعني بالضرورة قيام نظام محاصصة، ما دام التعيين قائمًا على الكفاءة والتمثيل السياسي والاجتماعي، وليس على حصص ثابتة.
قراءة قانونية
من جهته، يرى المحامي سالم العلي، في قراءة قانونية، أن المرسوم رقم “13” يوفر أساسًا مهمًا للاعتراف بالحقوق الثقافية واللغوية للكرد، لكنه لا يحسم بمفرده آليات تطبيقها.
وقال إن “المرسوم وضع مبدأ قانونيًا مهمًا، لكن تطبيقه يحتاج إلى تشريعات وأنظمة تحدد آليات العمل في التعليم والإدارة والوظيفة العامة”.
ويرى أن النقاش حول التعليم يجب أن يتجاوز المواقف السياسية إلى تحديد الجهة المسؤولة عن المناهج، واللغة المستخدمة في المواد الدراسية، وشروط الاعتراف بالشهادات وآلية تعيين المدرسين.
أما بشأن المناصب الحكومية، فقال إن تولي شخصيات كردية مواقع رسمية “لا يمثل بحد ذاته إشكالية قانونية، ما دام التعيين يتم وفق القوانين الناظمة للوظيفة العامة”، لكن المشكلة تبدأ إذا أصبحت المناصب مرتبطة بالانتماء القومي بصورة دائمة.
وأضاف أن إشراك شخصيات من القوى التي كانت تدير شمال شرقي سوريا يمكن أن يساعد في إنجاح الاندماج، “لكن ذلك يحتاج إلى توافق سياسي وإطار قانوني واضح”.
ملفات لم تحسم
كان عبدي أعلن، عشية توجهه إلى دمشق، انتقال تنفيذ اتفاق 29 كانون الثاني إلى مرحلة جديدة، مع اكتمال دمج المؤسسات العسكرية والأمنية والإدارية في مؤسسات الدولة.
في المقابل، تحدثت وسائل إعلام كردية عن تقدم في دمج المؤسسات المدنية والخدمية في قطاعات التربية والصحة والطاقة والكهرباء والمياه والزراعة، وقالت إن هيئة المرأة في الجزيرة دُمجت ضمن وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، بينما ينتظر الملف القضائي استكمال الإجراءات لإعادة تفعيل القصر العدلي والمجمعات والمحاكم مطلع أيلول المقبل.
لكن ملفات أخرى لا تزال موضع نقاش، بينها عودة المهجرين والنازحين، والمعتقلون والمفقودون لدى “قسد”، إضافة إلى الكرد غير السوريين ومصير “الشبيبة الثورية” والقيادات الكردية التي لم تندمج.
ويرى سالم العلي أن ملف المعتقلين والمفقودين سيكون من أكثر الملفات حساسية، معتبرًا أن أي عملية مصالحة واندماج تحتاج إلى آليات واضحة للتحقق من مصير الأشخاص، بينما يرى حمزة العلي أن نجاح الاتفاق سيقاس أيضًا بقدرته على معالجة قضايا عودة النازحين والمهجرين والخدمات والملكية والأمن المحلي.
وأكد العلي أن “الحديث عن دمج المؤسسات سيكون ناقصًا إذا لم ينعكس على حياة السكان”، معتبرًا أن عودة السكان إلى مناطقهم ستكون أحد المؤشرات العملية على نجاح الاتفاق.
وفي ظل استمرار التباين في تفسير بعض بنود الاتفاق، تبدو زيارة عبدي وأحمد إلى دمشق، وفق ما أوردته “الشرق الأوسط”، جزءًا من مرحلة أكثر تفصيلًا في تنفيذ اتفاق 29 كانون الثاني.
وتبقى التسريبات المتعلقة بالمناصب والأدوار المستقبلية بحاجة إلى تأكيد رسمي، بينما يمثل ملف التعليم وشكل الاندماج العسكري والتمثيل الكردي أبرز الاختبارات أمام الطرفين خلال المرحلة المقبلة.
