توقفت عشرات الأفران في مناطق مختلفة من محافظة الحسكة عن العمل بشكل كامل، نتيجة عدم توفر العملة السورية الجديدة لدى السكان، في وقت تشترط فيه المطاحن تسديد قيمة الطحين بالعملة الجديدة حصرًا، ما انعكس مباشرة على قدرة الأفران على تأمين مخصصاتها واستمرار إنتاج الخبز.
ويستمر تداول العملة السورية القديمة على نطاق واسع في أسواق المحافظة وبين السكان، بالتوازي مع محدودية توفر العملة الجديدة، ما أدى إلى تعطل دورة شراء الطحين وإنتاج الخبز في عدد من المناطق، وسط مخاوف من تفاقم نقص المادة الأساسية وارتفاع أسعارها في الأسواق الحرة.
وقال مالك الحمود صاحب أحد الأفران في مدينة الحسكة، لعنب بلدي، إن الفرن الذي يديره اضطر إلى التوقف عن العمل بشكل كامل، بسبب عدم تمكنه من تأمين العملة السورية الجديدة من السكان.
وأضاف مالك أن المشكلة لا تتعلق بعدم وجود طلب على الخبز، وإنما بعدم قدرة الفرن على تأمين الطحين بالآلية المطلوبة، إذ تشترط المطاحن تسديد قيمته بالعملة الجديدة، في حين لا تتوفر هذه العملة بالقدر الكافي لدى السكان الذين يشترون الخبز.
وأضاف أن الفرن يجد نفسه أمام معادلة يصعب تجاوزها، فاستمرار الإنتاج يتطلب تأمين الطحين، بينما يتطلب تأمين الطحين الدفع بالعملة الجديدة، وهي العملة التي لا تزال محدودة التداول في الحسكة، الأمر الذي دفع إدارة الفرن إلى إيقاف العمل بدلًا من الاستمرار دون القدرة على تأمين مستلزمات الإنتاج.
وتأتي هذه التطورات في وقت لا تزال فيه العملة السورية القديمة متداولة على نطاق واسع في المحافظة، رغم انتهاء قيمتها الإبرائية في 30 من تموز الماضي، بحسب قرار المصرف المركزي، ما خلق فجوة بين العملة المتوفرة فعليًا لدى السكان وبين العملة المطلوبة لإتمام بعض المعاملات المرتبطة بتأمين المواد الأساسية.
عامودا.. ثلاثة آلاف ربطة بدلًا من 18 ألفًا
في مدينة عامودا شمالي الحسكة، انعكس نقص العملة الجديدة على إنتاج الفرن الآلي بصورة واضحة، إذ لم ينتج الفرن اليوم، الخميس 27 من آب، سوى نحو ثلاثة آلاف ربطة خبز، مقابل نحو 18 ألف ربطة كان ينتجها يوميًا.
وقال مصدر في الفرن الآلي بعامودا لعنب بلدي، إن الكمية التي أنتجها الفرن اليوم جرى تأمينها من الاحتياطي المتبقي من المخصصات التي كانت تصل إليه سابقًا، في ظل عدم منحه الكمية المخصصة له مسبقًا.
وبحسب المصدر، أبلغت مديرية الأفران إدارة الفرن بأن بيع الطحين يتم بالعملة السورية الجديدة فقط، وهو ما حال دون تأمين الكميات المعتادة من المادة، وانعكس على حجم إنتاج الخبز.
وتظهر الفجوة بين الإنتاج المعتاد والإنتاج المسجل اليوم حجم التأثير الذي تركه نقص العملة الجديدة على عمل الفرن، إذ تراجع الإنتاج بنحو 15 ألف ربطة مقارنة بالكميات التي كان ينتجها يوميًا.
كما أثرت محدودية الإنتاج على آلية توزيع الخبز، إذ قال عدد من معتمدي الخبز إن الفرن الآلي في عامودا لم يوزع الخبز عليهم اليوم، واقتصرت عملية البيع على المواطنين الذين توجهوا مباشرة إلى الفرن الواقع غربي المدينة.
وقال محمود العلي لعنب بلدي، إن الكمية المحدودة المتوفرة دفعت إدارة الفرن إلى بيع ربطة أو ربطتين فقط لكل عائلة، في محاولة لتوزيع الكمية المتاحة على أكبر عدد ممكن من السكان.
وأضاف محمود أن المواطنين الذين اعتادوا الحصول على الخبز من خلال المعتمدين وجدوا أنفسهم أمام خيار التوجه إلى الفرن مباشرة للحصول على كمية محدودة، في وقت تراجعت فيه الكميات المطروحة مقارنة بالأيام السابقة.
وأشار إلى أن إدارة الفرن أبلغت المواطنين بأن الأسبوع المقبل سيكون حاسمًا بالنسبة إلى آلية بيع الخبز، إذ ستتضح حينها إمكانية الاستمرار ببيع الخبز بالعملة القديمة أو الانتقال إلى العملة الجديدة، وذلك تبعًا لآلية بيع الطحين والكميات التي ستصل إلى الفرن من مخصصاته.
المالكية.. إغلاق الفرن ونقص في الخبز
في مدينة المالكية شمال شرقي الحسكة، أدى السبب ذاته إلى إغلاق الفرن الآلي، بحسب أحد العاملين فيه، محمد داوود.
وقال محمد لعنب بلدي، إن الفرن أغلق نتيجة اشتراط المطاحن تزويده بالطحين مقابل الدفع بالعملة السورية الجديدة فقط، في ظل عدم توفرها بالكمية اللازمة.
وأضاف أن إغلاق الفرن تسبب بنقص حاد في الخبز داخل المدينة، ما يزيد من صعوبة حصول السكان على المادة الأساسية، خاصة في ظل اعتماد شريحة واسعة منهم على الخبز المنتج من الأفران العامة.
نقص الخبز وارتفاع الأسعار
لا تقتصر تداعيات توقف الأفران على انخفاض كميات الخبز المنتجة، وإنما تمتد إلى الأسواق الحرة التي يلجأ إليها السكان عند عدم تمكنهم من الحصول على مخصصاتهم من الأفران.
وقال بديع عبد الله من مدينة الحسكة لعنب بلدي، إن المدينة تعاني نقصًا حادًا في الخبز نتيجة الوضع الحالي، مشيرًا إلى أن ذلك انعكس على أسعار الخبز الذي يباع في الأسواق الحرة.
وأضاف بديع أن أسعار الخبز لدى الباعة في الأحياء والساحات الرئيسة والدوارات ارتفعت، بالتزامن مع تراجع توفر الخبز المنتج من الأفران، ما جعل الحصول على المادة أكثر صعوبة بالنسبة إلى السكان.
تأخر الاستبدال يزيد أزمة السيولة
تعاني محافظة الحسكة منذ بدء استبدال العملة السورية القديمة من نقص في العملة الجديدة، نتيجة تأخر افتتاح مراكز الاستبدال التابعة لمؤسسة البريد في المحافظة، إذ بدأ افتتاح أول هذه المراكز في 21 من حزيران الماضي.
ولم تكن الكميات التي يجري استبدالها في المراكز كافية لتغطية حاجة السكان، بحسب المعطيات الواردة من المحافظة، في وقت شهدت فيه مراكز الاستبدال ازدحامًا كبيرًا نتيجة إقبال المواطنين الراغبين في استبدال مدخراتهم.
وتوقفت مراكز البريد خلال الأيام الأخيرة عن عمليات استبدال العملة، للتركيز على تسليم رواتب المتقاعدين، ما حدّ من قنوات حصول السكان على العملة الجديدة في وقت تتزايد فيه الحاجة إليها لإتمام المعاملات والشراء.
وبينما تستمر العملة القديمة في الهيمنة على التعاملات اليومية داخل المحافظة، أصبحت بعض الجهات تشترط العملة الجديدة حصرًا، كما هو الحال بالنسبة إلى المطاحن التي تزود الأفران بالطحين، وهو ما أدى إلى انتقال أزمة نقص العملة من التعاملات النقدية اليومية إلى قطاعات مرتبطة بالأمن الغذائي للسكان.
وكانت القيمة الإبرائية للعملة السورية القديمة انتهت، في 30 من تموز الماضي، وفق ما أعلنه المصرف المركزي، مع إتاحة استمرار عمليات الاستبدال لمدة خمس سنوات في مراكز البريد وفروع المصرف المركزي في مختلف المحافظات.
كما أتاح المصرف المركزي آلية إلكترونية تتيح للمواطنين تسجيل دور لاستبدال أموالهم عبر منصة مخصصة لذلك، في محاولة لتنظيم عملية الاستبدال وتخفيف الضغط عن المراكز.
لكن استمرار محدودية توفر العملة الجديدة في الحسكة انعكس بصورة مباشرة على قطاعات تعتمد على السيولة النقدية في دورة إنتاجها، وفي مقدمتها الأفران.
