صعلكة الدول: الحالة السورية نموذجًا- 3

  • 2026/08/28
  • 10:51 ص
تعبيرية (عنب بلدي/ مولدة بالذكاء الاصطناعي)

تعبيرية (عنب بلدي/ مولدة بالذكاء الاصطناعي)

enab_get_authors_shortcode

مصطفى حسين بطيخة*

في الجزئين السابقين تم الحديث عن معنى مفهوم صعلكة الدول، وتناولت الحالة السورية حتى العام 1970، وفي هذا الجزء سأكمل في الحالة السورية من العام 1970 حتى اليوم.

تعتبر فترة الصعلوك الأب، حافظ الأسد، الطويلة على مدى 30 عامًا بعد العام 1970 هي منهجية واسعة للصعلكة الفاسدة للدول، وقد ذَكرتُ ببعض التفصيل مافعله على بعض الأصعدة في السياسة الخارجية والحالة الأمنية الداخلية والتنمية المجتمعية والتعليم والجيش والثقافة والاقتصاد والنقابات المهنية (راجع مقالي على زمان الوصل: الاستبداد والعصبيات: قصة سورية).

لقد قام في دستوره الجديد في العام 1973 بتثبيت أن سوريا “شعبية واشتراكية” بصيغتها النهائية بعد عدد من الدساتير المؤقتة التي سبقت ذلك منذ انقلاب آذار 1963، بعد أن تم إدخال أنها “عربية” للمرة الأولى في دستور 1950.

وكما فعل غيره من قادة صعلكة الدول فقد ثَبَّتَ فكرة الحزب القائد (حزب البعث العربي الاشتراكي هو الحزب القائد في المجتمع والدولة) وأنشأ الجبهة الوطنية التقدمية الشكلية كذر للرماد في العيون، وثَـبَّتَ حافظ الأسد في دستوره الجديد تأكيد هدف التعليم الأيديولوجي القومي (يهدف نظام التعليم والثقافة إلى إنشاء جيل عربي قومي اشتراكي)، وتثبيت هدف الجيش أيضًا (حماية أهداف الثورة، وهي: الوحدة والحرية والاشتراكية). 

إن الصعلكة القاسية والفاسدة لسوريا جاءت بعد بدء الصراع الأسدي الإخواني في سوريا العام 1979، وابتداء من هذا العام اعتمد الأسد الأب بشدة على شذاذ الصعاليك الفاسدين ليقودوا المجتمع، وقد وصف الشاعر عمر أبو ريشة ذلك بقوله:

مِنْ كُلِّ مُنْـفَضِّ السَبِـيْلِ لَقِيْــطِهِ.. شَاءَتْ بِهِ الأَحْقادُ أَنْ تَتَجَسَّدَا

نَـثَرَ الخَسِيْسَ مِنَ الرِّجَالِ أَمَامَهُ.. وَاخْـتَارَ مِنْهُ أَخَـسَّهُمْ وَتـَقَلَّـدَا   

وعلى سبيل المثال ومن واقع عملي الجامعي فقد تحدثت عما حدث في التعليم العالي في مقال على “زمان الوصل” بعنوان: هل يبدأ عطار التعليم العالي بإصلاح ما أفسد الدهر.

مع صعود الخمينية الإيرانية عام 1979 وبتشجيع أمريكي هدفه تشكيل الجهادية الدينية الأممية لمحاربة الاتحاد السوفيتي في أفغانستان، ومع بدء سقوط وتفكك الاتحاد السوفيتي في العام 1988 وانتهاء وظيفة الجهاديين، ستشعل أمريكا الصراع الجهادي السني الشيعي، وسيبدأ العالم العربي بمرحلة صعلكة أيديولوجية دينية أممية جهادية بديلة عن صعلكة الأيديولوجية القومية (راجع مقالي على زمان الوصل: إيران: أهورامزدا ضد أهريمن)، ومع الجهادية الأممية الدينية سيظهر بشكل واضح ظاهرة الصعلوك المخلوع (سحب الجنسية)، كقادة القاعدة وعناصرها الذين تم تصنيفهم كإرهابيين في دولهم الأم وسحب جنسيتهم كما كانت تفعل القبائل في خلع أفرادها تجنبًا لدفع ديات أعمالهم، فالسعودية مثلًا سحبت الجنسية من ابن لادن خوفًا من التعويضات التي قد تلاحقها من ضحاياه، وخوفًا من الآثار السياسية الخارجية لأفعاله. ويعتبر تنظيمي القاعدة وداعش ومانتج عنهما من تنظيمات موطنًا للجهاديين الأممين الذين خلعتهم دولهم الأم أو خلعوا أنفسهم بأنفسهم بشكل مماثل تمامًا لظاهرة الصعاليك (راجع الجزء الأول)، وقاموا بتجميع أنفسهم في مناطق عدة لتحقيق هدفهم الأيديولوجي الجهادي.

وبالعودة إلى سوريا، فقد استمرت صعلكتها الفاسدة على يد النظام الأسدي وصولًا لانفجار العام 2011، أي قرابة 48 عامًا بدءًا من العام 1963، ومن هنا يمكن تفسير هذا الانفجار كنهاية حتمية للفساد الفرعوني الصعلوكي الذي أصبح جماهيريًا ومؤسساتيًا معًا.

لن نغفل هنا المحاولات الوطنية مع بداية العام 2000 والعام 2011 في تجنب كارثة الانفجار بعد صعلكة فاسدة طويلة (راجع مقالي: الايديولوجيات الأممية وقتل الوطنية)، ولكن قمع النظام الأسدي الدموي كان حائلًا دون نجاحها. 

مع بداية الانتفاضة ضد الأسد العام 2011، وبمشورة إيرانية ودعم دولي، سيتم إطلاق قادة الحركات الإسلامية ولاسيما المتشددين من سجون الأسد، في الوقت الذي يستمر فيه اعتقال المدنيين السلميين. لقد تم الإفراج عن الإسلامويين المتشددين من أمثال زهران علوش وحسان عبود نتيجة عفو رئاسي في نفس العام، بينما كان السيد فريد المذهان المعروف بقيصر السوري يقوم بتصوير الجثث ما بين 2011 (عام بدء إطلاق الإسلاميين) حتى 2013. وسيعود الإسلامويون المتشددون إلى مناطقهم مستغلين حالة الدم المهدور على طرقاتها ليقودوها بأيديولوجياتهم الدينية التي لا تقبل منازع، محولين مناطقهم إلى مناطق شرعية دينية بحكم السلاح لا مدنية، وسيعلنون أنهم مستقلون عن المجلس الوطني السوري في تحركاتهم وقراراتهم، وسيسجل الدكتور برهان غليون، أول رئيس للمجلس، في كتابه (عطب الذات: وقائع ثورة لم تكتمل) أن “الفصائل الإسلامية المتطرفة استمرت تتمتع بدعم مالي وبالسلاح من قبل دول خليجية وشخصيات سلفية”، وعلى هذه الفصائل أطلق غليون لقب “الحركة الطائفية الشعبوية”، وكمثال عن الدعم المالي للإسلاميين يسجل غليون أن الشيخ السلفي السوري في السعودية (ع.ع)، وبسبب سلطته المالية على هذه الفصائل وشرعييها قد اشترط “الحصول على نصف مقاعد المجلس الوطني لأنصاره حتى يرضى عنه ويقبل الاعتراف به”، وأنه صرح “هذا الملحد غليون الذي يدخل إلى اجتماعات المجلس مخمورًا”، وبهذا تحولت المعارضة إلى إسلامية بواجهات علمانية كغليون كما قال صدر الدين البيانوني، الإخواني، لأنصاره في أحد التسجيلات.

وهكذا ستتم صعلكة الثورة السورية خلال الـ 14 سنة من قبل النظام والمعارضة الإسلاموية الأيديولوجية و”الطائفية الشعبوية” وفق تعبير غليون، وهنالك مئات الفيديوهات التي تسجل مهاجمة من خرجوا ضد الأسد أنفسهم لأجسام المعارضة المنظمة وبقسوة، سواء كانت بالائتلاف ذي الغلبة الإخوانية، أو بالسلفية الطائفية الشعبوية المسلحة على الأرض.

في الجزء القادم (الرابع والأخير)، سأقوم بتلخيص أبزر النقاط التي تميز الدول المتصعلكة وكيف نتخلص من حالة الصعلكة الفاسدة.


*مصطفى حسين بطيخة أستاذ جامعي وكاتب سوري

مقالات متعلقة

  1. صعلكة الدول.. الحالة السورية نموذجًا- 2
  2. صعلكة الدول: الحالة السورية نموذجًا
  3. ليلى والذئب: احموا الأم
  4. ذراع اﻷسد غير الخفية

قراء

المزيد من قراء