علي عيد
شاهدت، خلال الأسبوعين الماضيين، برامج على “الإخبارية السورية” فيها سقف جيد من الحرية، وتتضمن حوارات مفتوحة على الهواء، سواء في نشرات الأخبار أو ضمن برامج منها “على الطاولة”، ولفتني أن بعض الضيوف يمررون آراءهم بصيغة “فعلنا كذا كدولة”، وآخرون يخلطون بين الرأي والوقائع والحقائق، وفئة تمرر معلومات ذات طابع أمني خطير دون تدقيق أو مراجعة.
بدا لي خروج الضيوف على البث المباشر وكأنه مساحة غير محددة الضوابط والأدبيات، وإن أسعفت الظروف المذيع فهو يتدخل في بعض الأخطاء أو المغالطات وما أكثرها.
ليس في ذهني توجيه نقد للمذيعين ومقدمي البرامج الحوارية، فقد ينشغل أحدهم خلال الحوارات بسلسلة من التوجيهات الفنية الضرورية داخل الاستوديو، ومتابعة الوقت وتوزيعه، والتحضير للسؤال التالي خلال الاستماع للضيف، كما يصبح الأمر أصعب عند وجود أكثر من ضيف، أو في حالات الهواء المفتوح لقضايا وأحداث عاجلة.
ما أردت قوله، إن هناك أخطاء يجب ألا تحصل في قناة رسمية تترصدها دوائر سياسية وأمنية، وماذا لو كانت معادية تبحث عن تبرير اعتداءات كما تفعل إسرائيل، وهو ما حصل عندما تحدث ضيف، ربما دون قصد أو بناء على معلومات جرى تمريرها له، عن اجتماعات لجماعة متشددة في بلدة بريف درعا لتنظيم “مقاومة” ضد إسرائيل.
تلك المعلومة الخطرة، وما حصل، ليس استثناء في الإعلام المتلفز والإذاعي، وهذا ربما يحصل كل يوم في قنوات كبرى، لكنه لا يمرّ مرور الكرام.
ما سبق يقود إلى السؤال: من يراقب سلامة المحتوى في أثناء البث المباشر، وهل هناك من يمكن تسميتهم “حراس الهواء”؟
لا أتحدث هنا عن دور الـ”Fact-checker” (مدقق الحقائق)، الذي تنحصر مهمته في التحقق من صحة الادعاءات والمعلومات والأرقام، وهو يعمل قبل أو بعد البث والنشر، بل أقصد شخصًا ثالثًا يحضر في صلب الحوار لا في العمليات الفنية، وخلال وقت البث، ولا يراه الجمهور.
يمكن أن يُسند هذا الدور، بحسب هيكل غرفة الأخبار، إلى ما يسمى في بعض المؤسسات بـ”Output Editor”، أو إلى وظيفة تحريرية أخرى تحمل تسمية مختلفة، فالمسمى ليس موحدًا، لكن الفكرة هي وجود محرر يتابع المحتوى في أثناء البث، ويرصد ما قد يستدعي تصحيحًا أو تنبيهًا أو تدخلًا تحريريًا سريعًا. كأن يورد الضيف مغالطة أو تضليلًا أو اتهامًا خطيرًا أو يخلط رأيًا بحقيقة، ثم يتدخل لدى المذيع فورًا عبر الـ”IFB” لينقل إليه ملاحظة بضرورة تدارك ما يحصل.
كما يدقق في معايير مهنية وأخلاقية وقانونية أخرى، مثل خطاب الكراهية والتحريض، والمعلومات المسببة للذعر والضرر، والتشهير والاتهامات غير المثبتة، والخلط بين الرأي والوقائع الحقيقية، ومنع استخدام معلومات في غير سياقها الصحيح.
ينبه محرر البث المباشر المذيع بعبارات من قبيل “هذه أرقام غير صحيحة، هذه معلومة أمنية خطرة أين مصدرها؟ أنت تتهم فما دليلك؟ هذه شتيمة لا نقبلها، هذا تحريض مرفوض”.
هذا التدخل الذي لا يراه الجمهور يمنع الالتباس والأخطاء المقصودة وغير المقصودة.
وتختلف تسمية هذه الوظيفة، لكنها موجودة في جميع المؤسسات الإعلامية الكبرى، وتلتقي جزئيًا عند مهمة المراقبة التحريرية للمحتوى في أثناء البث المباشر، وهذا لا يعني التدخل ضد آراء الضيف، أو مقاطعته دون معنى، أو فرض معلومات عليه، ولا حتى لتكبيل المذيع أو مقدم البرامج بقالب جامد.
يجلس هذا الشخص في غرفة التحكم (Gallery /Control Room) كجزء من الفريق التحريري والفني المتصل بها، ويتابع تفاصيل المقابلة بالتزامن مع المذيع.
وفي مؤسسات إعلامية كبرى، قد تُسند هذه المسؤولية إلى المنتج الأول (Senior Producer)، ليشارك في القرارات التحريرية السريعة في أثناء البث والأخبار العاجلة، ولا تخصص لها وظيفة مستقلة.
وفي فرنسا، توجد تسميات متعددة لأدوار تتقاطع مع هذه المهمة، منها “Responsable d’édition” الذي يتولى متابعة البث المباشر ويراقب سير المحتوى.
بالعودة إلى ضرورات هذا الدور في سوريا، يمكن القول إن الرقابة على المباشر تزداد كلما ازدادت احتمالات الخطأ في بيئة هشّة.
ولا تبدأ هذه المهمة لحظة فتح الميكروفون، بل تمتد قبل المقابلة وبعدها، وهي مهمة تشمل تحديد الضيوف وصفاتهم وجدارتهم، وحتى أخلاقياتهم المعروفة مسبقًا، ثم ما يتم تناوله في اللقاءات مع الجاهزية للتدخل، ثم تقييم ووضع ملاحظات تفيد في لقاءات لاحقة، وكذلك في جدول ملاحظات الوسيلة الإعلامية نفسها حول الأخطاء والنجاحات.
ولهذه المهمة، تختار وسائل الإعلام الصحفيين المخضرمين ذوي الاطلاع الواسع والحس الأمني والسياسي، والمعرفة بالمعايير والأخلاقيات والحساسيات الاجتماعية.. وللحديث بقية.
