عنب بلدي – شعبان شاميه
لم تعد تساؤلات من قبيل “أين أنت الآن؟”، و”لماذا تأخرت عن المدرسة؟”، و”من معك في هذا المكان؟” مجرد استفسارات عابرة تتردد داخل المنازل السورية، بل تحولت مؤخرًا إلى ممارسات رقمية تديرها خوارزميات الهواتف الذكية، لتعلن عن ولادة ظاهرة مجتمعية جديدة تقود تحولًا سلوكيًا لافتًا في آليات الرقابة الأسرية.
بدأت هذه الظاهرة تتجذر مع تحول تطبيقات “التتبع العائلي” من أدوات تكنولوجية مخصصة للحالات الطارئة إلى جزء من نمط الحياة اليومية، إذ تمنح أولياء الأمور القدرة، بضغطة زر واحدة، على معرفة الموقع الدقيق للأبناء، ومراقبة مسارات حركتهم على مدار الساعة، بل والوصول إلى خاصية الاستماع للأصوات المحيطة بهم في بعض التطبيقات، ما يعكس اعتمادًا مفرطًا على التقنية لفرض الأمان في بيئة مثقلة بالقلق والاضطراب الاجتماعي.
وفي هذا السياق، أكدت الخبيرة التقنية آلاء الجدوع، في حديث إلى عنب بلدي، أن هذه التطبيقات تجاوزت استخداماتها الفردية لتصبح ظاهرة واسعة النطاق تغزو العائلات السورية، مستقرة كنمط اعتيادي لإدارة العلاقات الأسرية، الأمر الذي يضع المجتمع أمام تحدٍ جديد يوازن فيه بين توفير الحماية الرقمية للأبناء، ومخاطر انتهاك خصوصيتهم الشخصية، وبناء جدار من عدم الثقة.
قلق مبرر أم رقابة مفروضة؟
تشكل الهواجس الأمنية الدافع الأبرز للجوء فريال (45 عامًا)، وهي موظفة حكومية وأم لثلاثة أبناء في محافظة طرطوس، إلى استخدام تطبيقات التتبع الرقمي، إذ قالت لعنب بلدي، إن قلقها الدائم مع خروج أبنائها إلى المدارس والجامعات بات المحرك الأساسي لاعتمادها هذه التكنولوجيا.
وعزت فريال مخاوفها إلى غياب الأمان أحيانًا على الطرق، إضافة إلى أزمات خدمية كالانقطاع المتكرر للتيار الكهربائي وضعف شبكات الاتصال المفاجئ، ما يحول دون قدرتها على الاطمئنان عليهم عبر المكالمات الهاتفية التقليدية.
وبناء على ذلك، تجد في تصفح التطبيق ومتابعة تحركات أبنائها بديلًا يمنحها الطمأنينة، ويؤكد لها وصولهم إلى وجهاتهم دون التعرض لعوائق طارئة أو تأخير غير مبرر.
كما أكدت أن اللجوء إلى هذه التقنية لا ينبع من رغبة في فرض الرقابة أو تقييد حرية الأبناء، وإنما هو “وسيلة لحماية قلبها من الخوف المستمر”، بحسب تعبيرها، ومحاولة لخلق مساحة من الأمان في ظل الظروف الصعبة والمليئة بالتوتر التي تعيشها البلاد.
وفي سياق متصل، يرى مازن (49 عامًا)، وهو مدرس من مدينة اللاذقية، في تطبيقات التتبع العائلي أداة ضرورية لمراقبة ولديه، إذ يقر باعتماده هذه التقنية لمتابعة توجهات أبنائه وضبط تحركاتهم وأماكن وجودهم، مبررًا ذلك بمرورهم بمرحلة المراهقة، و”الواقع الراهن”.
ومع محاولاته المستمرة لتحقيق غايته الحمائية، دون تحويل هذه التطبيقات إلى وسيلة ضغط، يعترف الأب بالإخفاق في خلق هذا التوازن في أحيان كثيرة، الأمر الذي دفع الأبناء إلى التذمر واعتبار المراقبة الرقمية تقييدًا صريحًا لحرياتهم الشخصية.
وفي مسعى للاعتذار عن قسوته الرقمية تجاه أبنائه، يستحضر مازن، في حديثه لعنب بلدي، الموروث الشعبي معللًا مخاوفه بالقول: “مُجبر أخاك لا بطل.. مية أم تبكي ولا أمي تبكي”، ليشير إلى حتمية اتخاذ هذا الخيار لضمان سلامة عائلته.
التحكم الأبوي وبناء التنظيم الذاتي
الاستشارية في علم النفس الأسري الدكتورة هبة كمال العرنوس، قالت إن مفهوم التتبع الأسري الرقمي شهد تحولًا ملحوظًا، إذ لم يعد مقتصرًا على رصد الموقع الجغرافي للأبناء، بل اتسع ليشمل مراقبة نوعية التطبيقات المستخدمة، وتحديد الفترات الزمنية للتشغيل، وصولًا إلى تقييد المحتوى الرقمي في بعض الأحيان.
ومن منظور نفسي واجتماعي، تضع العرنوس المسألة في سياقها التحليلي، معتبرة أن الإشكالية لا تكمن في الأدوات التقنية بحد ذاتها، وإنما ترتبط بآلية توظيفها، والمرحلة العمرية للابن، ومستوى المخاطر المحيطة به، فضلًا عن طبيعة العلاقة الأسرية القائمة.
وعلى الصعيد التربوي، لفتت الاستشارية الأسرية إلى أن الغاية الأسمى لا تتمثل في فرض أعلى مستويات الرقابة الخارجية، بل في تمكين الأبناء من بناء قيم التنظيم الذاتي والضبط الداخلي لسلوكياتهم، وبمعنى آخر، أن ينبع خيار السلوك الصحيح من إدراك الأبناء لقيمته ونتائجه، وليس بدافع الخوف من مباغتة الوالدين أو اكتشافهم لخطواتهم.
وفي هذا الإطار، تستشهد العرنوس بدراسات حديثة تثبت أن تنامي معدلات التحكم النفسي الأبوي، وشعور المراهق بأن المراقبة تمثل تدخلًا مفرطًا في شؤونه، يؤديان بالضرورة إلى انخفاض منسوب “الإفصاح الطوعي” لديه، الأمر الذي يجعله أقل استعدادًا لمشاركة والديه تفاصيل حياته اليومية وهواجسه الفكرية.
بناء على ذلك، فإن الرقابة المفرطة قد تولّد امتثالًا ظاهريًا يخلو من القناعة الداخلية، بل وقد تقود بعض الأبناء إلى ممارسة سلوكيات خفية أو البحث عن مساحات بديلة خارج النطاق الأسري، ولا سيما أن فضول المراهق لا يتلاشى بالمنع والتضييق، وفي حال غياب البيئة الآمنة للنقاش والمصارحة، فإنه قد يلجأ إلى استقاء إجاباته من الأقران أو عبر فضاءات رقمية أقل أمانًا.
وخلصت الاستشارية إلى أن الخيار الأمثل يكمن في تطبيق “التتبع المتدرج والمتناسب”، بحيث يكون الابن على دراية تامة بنوعية التفاصيل الخاضعة للمتابعة والهدف منها، على أن تُوظّف هذه المراقبة عند الحاجة الحمائية الملحة فقط، ثم تتراجع وتيرتها تدريجيًا بالتوازي مع تقدمه في العمر ونمو حسه بالمسؤولية.
أخطار سيبرانية وأمنية
من هذا المنطلق، أوضحت الخبيرة التقنية آلاء الجدوع أن تطبيقات التتبع، وفي مقدمتها “Life360″ و”Find My” و”Google Family Link”، تقدم حزمة من الخدمات المفيدة للأسر، إلا أنها حذرت في الوقت نفسه من انعكاساتها السلبية على سلوك الأبناء.
وأشارت الجدوع إلى أن شعور الأبناء بأن كل تحركاتهم مرصودة قد يولّد لديهم رغبة في التمرد أو يدفعهم نحو الانعزال، وتطوير أساليب تقنية للالتفاف على هذه التطبيقات، كإيقاف ميزة تحديد الموقع الجغرافي أو تعمد ترك هواتفهم في المنازل.
وسلطت الضوء على الجانب المظلم لهذه التطبيقات عندما تتحول بيانات المستخدمين إلى سلعة، إذ أكدت أن هذه البرامج تجمع كميات هائلة ودقيقة من البيانات الحساسة التي تخص حركة العائلة بأكملها وليس الأبناء فقط، بما يشمل مواقع المنازل، ومواعيد الدخول والخروج، والأماكن المفضلة، وهي معلومات تُخزن بالكامل على خوادم الشركات المطوّرة.
وتعمد بعض التطبيقات إلى بيع بيانات الموقع لوسطاء البيانات، الذين يستغلونها بدورهم لتوجيه إعلانات مستهدفة ومخصصة للعائلات بناء على تحركاتهم واهتماماتهم المكتشفة، فضلًا عما يحيق بهذا الأمر من أخطار أمنية في حال تعرضت تلك الخوادم للاختراق الرقمي، ما قد يضع بيانات الأسرة في أيدي جهات غير موثوقة ويعرضهم لتهديدات مباشرة كالابتزاز أو التحرش أو السرقة.
من وسائل تجسس إلى أدوات أمان
لمواجهة هذه التحديات وضمان تحويل هذه التطبيقات إلى أدوات أمان بدلًا من وسائل تجسس، قدمت المهندسة الجدوع حزمة من الإرشادات العملية الكفيلة بحماية خصوصية الأبناء وبناء جسور الثقة الأسرية.
تبدأ أولى الخطوات بضرورة فتح حوار صريح ومسبق مع الأبناء، بحسب الجدوع، محذرة من تثبيت أي تطبيق على هواتفهم سرًا، إذ ترى أن الجلوس معهم وشرح الغاية الأساسية المتمثلة في سلامتهم الشخصية، والاستماع إلى مخاوفهم، يسهم في خلق بيئة قائمة على التفاهم المتبادل بعيدًا عن أجواء الرقابة الصارمة والسيطرة.
وتتوازى مع هذا الحوار أهمية وضع حدود واضحة وشفافة للاستخدام، بحسب رؤية الجدوع، التي دعت إلى الاتفاق مع الأبناء على أوقات محددة للتتبع، كفترات الذهاب والعودة من المدرسة، بدلًا من فرض مراقبة على مدار اليوم، وهو ما يمنحهم مساحة ضرورية من الخصوصية في أثناء وجودهم مع أصدقائهم، تأكيدًا لقاعدة سلوكية تختصرها بالقول: “نتبعك في طريقك، لا في حياتك”.
وفي الإطار ذاته، نصحت أولياء الأمور بعدم تحويل هذه التقنيات إلى أدوات للتحقيق أو العقاب، مشددة على أن التكنولوجيا لا يمكن أن تكون بديلًا عن الحوار المفتوح، مما يتطلب الاستفسار من الابن أولًا عن أسباب تأخره قبل اللجوء إلى التطبيق، ليبقى الأخير وسيلة للاطمئنان وليس دليل إدانة يعامل الأبناء بمنطق الشرطي والمشتبه به.
وعلى الصعيد التقني، شددت الجدوع أيضًا على ضرورة المراجعة الدقيقة لإعدادات الخصوصية داخل التطبيقات المستخدمة، وأوصت بالتأكد من تفعيل الخيارات التي تمنع مشاركة بيانات الموقع الجغرافي مع أطراف ثالثة، وإيقاف ميزات الملف الشخصي العام أو مشاركة الموقع مع الجميع، فضلًا عن إلغاء تفعيل الإعلانات المخصصة، والقراءة الفاحصة لسياسات الخصوصية لتبيان آلية تعامل الشركات مع تلك البيانات الحساسة.
كما يجب الاعتماد على التطبيقات الشفافة والموثوقة ذات التقييمات العالية التي تمنح المستخدم تحكمًا كاملًا في بياناته، وتجنب البرامج المجهولة التي تطلب صلاحيات واسعة تفوق طبيعة عملها الأساسية.
وفي المقابل، اقترحت الاعتماد على بدائل رقمية أقل تدخلًا في تفاصيل الحياة اليومية، كالاتفاق مع الأبناء على إرسال رسائل نصية قصيرة عند الوصول إلى وجهاتهم، أو استخدام ميزة مشاركة الموقع لفترات مؤقتة ومحدودة عند الحاجة فقط عبر تطبيقات المراسلة الشائعة مثل “واتساب”.
