عنب بلدي – أمير حقوق
تشهد الدراما السورية خلال المواسم الأخيرة حضورًا متكررًا لأسماء ووجوه باتت مألوفة في مواقع البطولة، مع تركّز الأدوار الرئيسة ضمن فئة الشباب ومتوسطي العمر، بينما تبدو فرص الفنانين الأصغر أو الأكبر سنًا في حمل الحكاية من موقع البطولة أقل حضورًا، وغالبًا ما يكونون ضمن أدوار مساندة أو شخصيات مرتبطة بالأبطال الرئيسين.
في المقابل، تشهد الدراما المصرية والخليجية تجارب تُبنى حول فنانين شباب في بداياتهم، أو تمنح ممثلين من فئات عمرية أكبر موقع البطولة، بحيث تصبح أعمار الشخصيات وتجاربها جزءًا أساسيًا من الحكاية ومحركًا للأحداث.
وبينما لا تغيب البطولات الجماعية والوجوه الجديدة عن الدراما السورية، يطرح هذا الواقع سؤالًا حول صناعة البطل: لماذا تستمر البطولة في الدوران حول أسماء وفئات عمرية محددة؟ وهل يرتبط ذلك بمتطلبات السوق والجمهور، أم أن المشكلة تبدأ من الكتابة التي لا تمنح الشخصيات من الفئات العمرية المختلفة مساحة كافية لتكون في مركز الحكاية؟
البطولة في منطقة عمرية آمنة
يتركز حضور الأبطال في عدد من الأعمال السورية ضمن الفئة الشابة ومتوسطة العمر، بينما غالبًا ما تُسند للشخصيات الأكبر سنًا أدوار الأب أو الجد أو صاحب السلطة، ويظهر الأصغر سنًا في أدوار الأبناء أو الشخصيات المساندة.
ويرى الناقد الفني عامر فؤاد عامر أن الدراما السورية تعاني، بشكل ملحوظ، من حصر البطولة ضمن فئة عمرية معينة، لكن المشكلة، برأيه، ليست في وجود النجوم الشباب ومتوسطي العمر، وإنما في تحولهم إلى “النموذج شبه الدائم للبطل”.
وقال إن الإنتاج يميل إلى شخصية تقع في “منطقة عمرية آمنة” تسويقيًا، لأن النجم المعروف يمتلك قاعدة جماهيرية ويمكنه تسويق العمل باسمه.
ويعتبر أن ذلك قلّص فرص الممثلين الأصغر والأكبر سنًا، وأدى إلى خسارة جزء من تنوع التجربة الإنسانية، لأن قوة الشخصية الدرامية لا ترتبط بعمرها، بل بما تحمله من صراع وحكاية وتحول.
الإنتاج يميل إلى شخصية تقع في منطقة عمرية آمنة تسويقيًا، لأن النجم المعروف يمكنه تسويق العمل باسمه.
عامر عامر
ناقد فني
في المقابل، لا يرى الناقد الفني جوان ملا أن البطولة السورية محصورة بصورة مطلقة في فئة عمرية واحدة، مشيرًا إلى وجود بطولات جماعية تسمح لممثلين أصغر سنًا بالوقوف إلى جانب نجوم معروفين، إضافة إلى وجود تنوع في الأعمار والشخصيات، وإن كان لا يزال “خجولًا”.
وبرأيه، فإن المشكلة ليست في غياب المحاولات، وإنما في مدى رواج هذه الأعمال وانتشارها وقدرتها على صناعة نجوم جدد.
حين يصبح الاسم أهم من الشخصية
يرتبط استمرار أسماء بعينها في مواقع البطولة أيضًا بمتطلبات السوق، إذ يصبح الاعتماد على نجم معروف يمتلك قاعدة جماهيرية خيارًا أكثر أمانًا للمنتج، خصوصًا مع تراجع الإنتاج المحلي وصعوبة التمويل.
ويرى عامر أن بعض الصناعات العربية، وخصوصًا المصرية، أصبحت أكثر استعدادًا لتقديم البطولة لشخصيات تنتمي إلى مراحل عمرية مختلفة، لأن عمر الشخصية يمكن أن يكون جزءًا من الحكاية وليس عائقًا أمامها.
أما في الحالة السورية، فحذر عامر من تحول الاعتماد على الاسم المعروف إلى دائرة مغلقة، فالمنتج يريد اسمًا معروفًا، والكاتب يكتب شخصية تناسب صورة هذا الاسم، والجمهور يراه في النوع نفسه من الأدوار، ثم يفترض أن الجمهور لا يريد سواه، من دون أن يُمنح فرصة اكتشاف بطل جديد.
ويوافق ملا على أن السوق يؤدي دورًا أساسيًا، موضحًا أن الكاتب والمخرج والمنتج قد يرتبطون بنجم بعينه، بحيث يصبح “النص في خدمة النجم” بدل أن يكون النجم في خدمة النص.
السوق يؤدي دورًا أساسيًا، والكاتب والمخرج والمنتج قد يرتبطون بنجم بعينه، بحيث يصبح النص في خدمة النجم بدل أن يكون النجم في خدمة النص.
جوان ملا
ناقد فني
لكن هذه الأعمال، بحسب ملا، تتيح في الوقت نفسه ظهور وجوه جديدة إلى جانب النجوم، ويمكن أن تتحول هذه الوجوه تدريجيًا إلى أسماء قادرة على حمل الأعمال، مستشهدًا بتجربة نور علي التي أصبحت لاحقًا اسمًا يمكن تسويق العمل باسمه.
الكتابة أم السوق.. أين تكمن المشكلة؟
لا ترتبط المسألة بالسوق وحده، إذ إن طبيعة الشخصيات التي تكتب أصلًا تحدد من يمكنه حمل الحكاية، بحسب النقاد، فإذا بقيت الشخصيات الأكبر سنًا ضمن أدوار الأب والجد، والأصغر ضمن أدوار الأبناء، تصبح فرصها في البطولة محدودة قبل الوصول إلى مرحلة اختيار الممثلين.
ويضع عامر الكتابة في صلب المشكلة، مع ارتباطها بالإنتاج والسوق.
ويرى أن شخصية في الـ65 يمكن أن تكون بطلة إذا مُنحت صراعًا حقيقيًا وحبكة قوية وتحولات درامية.
ويطرح بدلًا من السؤال: “ماذا يمكن أن أفعل بشخصية في الـ60؟” سؤالًا آخر: “ماذا يمكن أن يحدث لهذه الشخصية في الـ60؟
وأشار إلى وجود قصص كثيرة يمكن أن تكون محورًا لأعمال كاملة، مثل الحب في الكبر، وإعادة اكتشاف الذات، والصراع على الإرث، والعلاقات مع الأبناء، أو بدء حياة جديدة بعد الـ50.
أما ملا فلا يرى الجمهور عاملًا محافظًا بالضرورة، معتبرًا أن الجمهور يتبع الحكاية الجيدة، فإذا قُدمت شخصية جديدة وممثل جديد في دور مكتوب بإتقان، يمكن أن يتحول الممثل نفسه إلى نجم.
هل تنويع الأعمار يجدد الدراما؟
يمكن لتنويع أعمار الأبطال أن يفتح الباب أمام حكايات وشخصيات مختلفة، لكنه لا يمثل وحده حلًا لمشكلات الصناعة.
ويرى الناقد الفني عامر فؤاد عامر أن تقديم رجل في الـ70 بوصفه بطلًا لديه رغبات ومخاوف وقرارات وأخطاء، أو فتاة في الـ20 بوصفها صاحبة مشروع وحكاية ووجهة نظر، يمكن أن يفتح مساحات جديدة أمام الدراما.
لكن المسألة، بحسب عامر، تتجاوز العمر إلى “منظومة صناعة البطل”، بما يشمل نظرة الجمهور إلى النجومية والتسويق والإنتاج واختيار الممثل، وصولًا إلى الكتابة.
أما ملا فيرى أن التنوع موجود بالفعل في الدراما السورية، لكنه لا يزال بحاجة إلى مساحة وانتشار أكبر.
وأشار إلى أن بعض الأعمال جمعت نجومًا معروفين بوجوه شابة، ما أتاح لهذه الوجوه فرصة الوصول تدريجيًا إلى النجومية.
