تشهد محافظة درعا جنوبي سوريا أزمة في مياه الشرب، استدعت اتخاذ المحافظة عدة تدابير بعد اجتماعات مكثفة خلال النصف الثاني من شهر آب الحالي، على مستوى المؤسسات والفعاليات للحد من استنزاف المخزون المائي.
ومع ذروة فصل الصيف، تراجع منسوب كل من عيون الأشعري وعين ذكر والصافوقية ومشروع إرواء كحيل وهي مصادر رئيسية لمياه الشرب في المحافظة.
ويرجع المسؤولون في المحافظة سبب الأزمة إلى الفاقد المائي الذي تسببه كثرة الآبار في مختلف مناطق المحافظة.
لجان لحصر الآبار
وفي 24 من آب الحالي، أصدرت محافظة درعا بيانًا جاء فيه أن المحافظة تدق “جرس الإنذار” بشأن خطر يهدد الأمن المائي في المحافظة.
وأرجع البيان الاستنزاف إلى الحفر العشوائي للآبار، الذي أثّر على مصادر مياه الشرب.
ولخص جهود المحافظة في اتباع مسارين متوازيين في حل مشكلة نقص المياه.
يتضمن المسار الأول اتخاذ إجراءات إسعافية في إغلاق الآبار التي تؤثر مباشرة على الموارد المائية.
ويتمثل المسار الثاني باتخاذ خطة طويلة الأمد، لدراسة ضمان استدامة مياه الشرب، ومياه الري وفق أولويات مباشرة.
لم ينته الأمر عند هذا الحد، إنما أصدرت محافظة درعا، في 27 من آب، تعميمًا يقضي في تشكيل لجان توثيق وإحصاء الآبار المخالفة في المحافظة، ومنح مهلة زمنية للمخالفين، لإزالة المخالفة قبل تطبيق التشميع في 16 أيلول المقبل.
اختلاف في الآراء
هذا القرار أشعل خلافًا بين مكونات المجتمع في درعا، إذ يرى البعض أنه ضرورة للحفاظ على المخزون المائي، في حين اعتبره البعض أنه يقضي على الثروة الزراعية القطاع الأبرز في درعا.
أحمد خطاب، عضو المكتب التنفيذي لقطاع المياه والزراعة في محافظة درعا، قال لعنب بلدي إنه في ضوء التراجع الملحوظ في المخزون المائي الجوفي، تعمل محافظة درعا على تنفيذ حزمة متكاملة من الإجراءات، بالتعاون مع مديرية الموارد المائية، والمؤسسة العامة لمياه الشرب والصرف الصحي، ومديرية الزراعة، والجهات الأمنية والإدارية.
وذلك بهدف حماية مصادر المياه، والحد من الاستنزاف والهدر، وضمان الاستخدام الأمثل والمستدام للموارد المائية.
وتشمل الإجراءات بحسب خطاب إحصاء وتوثيق جميع الآبار المخالفة وغير المرخصة ضمن المخططات التنظيمية وخارجها، ولا سيما الآبار الواقعة حول مناطق الإرواء وآبار مؤسسة المياه، تمهيدًا لاتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.
وأضاف أنه بالتوازي مع الإجراءات التنفيذية والقانونية، تم تشكيل لجنة جيولوجية تضم خبراء في الموارد المائية، ومؤسسة المياه والاختصاصات ذات الصلة، لدراسة أحواض المياه في المنطقة وتقييم واقعها وإمكاناتها، وصولًا إلى تحديد الخيارات الأكثر استدامة.
وقال إنه في حال أظهرت الدراسات عدم جدوى بعض المصادر على المدى البعيد، سيتم التوجه إلى دراسة حلول استراتيجية وبدائل مائية بعيدة المدى.
ينابيع شهدت تراجعًا بالمنسوب
شهدت ينابيع رئيسية في محافظة درعا تراجعًا في منسوبها المائي، مثل ينابيع الأشعري، ومشروع إرواء كحيل وعين ذكر وعين غزالة، والصافوقية.
في حين جفت مصادر رئيسية بشكل كامل، مثل بحيرة المزيريب، وعيون العبد، وبحيرة زيزون، وعيون الساخنة الكبرى والصغرى، وهي ينابيع كانت تغذي معظم مناطق الريف الغربي ومدينة درعا بمياه الشرب.
ويستخدم الفائض منها في تغذية مشاريع ري تخدم مناطق زراعية، وتستخدم في فصل الشتاء في تعبئة السدود.
ولم يقتصر الجفاف على الينابيع، إذ باتت الآبار في ريف درعا الغربي تشهد تراجعًا في المنسوب وجفاف بعضها.
ما الحل؟
المهندس الزراعي أحمد كيوان قال لعنب بلدي إن الحل يبدأ في ردم الآبار التي هي على مسار هذه الينابيع، وأهمهما آبار الإرواء في بلدة خربة غزالة، والتي قطعت المياه عن معظم مناطق الريف الغربي بما فيها المزيريب وزيزون، ومن شأن إغلاقها إعادة المياه إلى المسطحات المائية في الريف الغربي.
وأضاف أن الآبار في محيط هذه المسطحات يجب إغلاقها أيضًا.
وحول قرار محافظة درعا تشميع الآبار قال إنه قد يحدث كارثة تؤثر على القطاع الزراعي، ولكن من الممكن حصر عدد الآبار بحيث لا يتواجد أكثر من بئر في مساحة كل كيلومتر واحد، ومن ثم إشراك عدد من المزارعين في بئر واحد، وتحديد قوة المضخة بحيث لا تتجاوز 10 أحصنة، وحصر التغذية الكهربائية بالطاقة الشمسية من أجل إيقاف هذه الآبار ليلًا.
عضو المكتب التنفيذي أحمد خطاب، قال لعنب بلدي إن المحافظة اتخذت بالتعاون مع القوى الأمنية، إجراءات ميدانية بحق الحفارات المخالفة، شملت مصادرة حفارات غير نظامية لا تحمل أوامر حركة، وذلك في إطار ضبط أعمال حفر الآبار ومنع المخالفات المتعلقة باستثمار المياه الجوفية.
وحول حماية شبكات مياه الشرب، قال خطاب إن الضابطة المائية تواصل أعمال الكشف الميداني على خطوط الجر والدفع وخطوط الإرواء، حيث تم ضبط عدد من التعديات والمخالفات وترتيب الغرامات القانونية بحق مرتكبيها، فيما تستمر عمليات الكشف والمتابعة لضبط أي تعديات جديدة.
كما مُنح أصحاب التعديات على شبكات مياه الشرب مهلة حتى 3 من أيلول المقبل، للتصريح عن تعدياتهم لدى المؤسسة العامة لمياه الشرب والصرف الصحي وإزالتها، قبل اتخاذ الإجراءات القانونية وإحالتها إلى القضاء.
أسعار المياه ترتفع في درعا
لم يقتصر الأمر على جفاف المصادر الرئيسية لمياه الشرب في درعا، إنما وصل إلى جفاف المناهل، والتي أصبحت مصدرًا رئيسيًا لتعبئة الصهاريج الجوالة، والتي باتت الخيار الوحيد للسكان لتعبئة مياه الشرب.
وجف مؤخرًا منهل رئيسي في بلدة المزيريب في درعا الغربي والذي كان يؤمن مياه الصهاريج التي توزع المياه على المزيريب وتل شهاب، والعجمي وزيزون.
رئيس بلدية المزيريب قال لعنب بلدي إن المجلس تقدم بطلب لمحافظة درعا من أجل الحصول على أمر حركة لحفارة من أجل تعميق وتعزيز البئر.
ويدفع جفاف هذه المناهل مالكي الصهاريج إلى السير مسافات طويلة من أجل الحصول على مياه شرب الأمر الذي أجبرهم إلى رفع تسعيرة مياه الشرب.
وارتفع سعر البرميل من 50 ليرة إلى 80 ليرة ويصل في بعض المناطق إلى 100 ليرة سورية.
