مصطفى حسين بطيخة*
في الأجزاء السابقة تم الحديث عن معنى مفهوم صعلكة الدول، وتناولت الحالة السورية وكيف تمت صعلكتها على امتداد تاريخها منذ نشوئها في العام 1920 وحتى يومنا هذا. في هذا الجزء الأخير سيتم تلخيص أبزر النقاط التي تميز الدول المتصعلكة وكيف نتخلص من حالة الصعلكة الفاسدة:
من الأجزاء السابقة فإننا نستطيع القول أن الدول المتصعلكة هي دول مريضة جدًا لاتفارقها الحمى الشديدة، وشروطها كالتالي:
- إن الدول الأيديولوجية والتي تتميز بسيادة وجماهيرية الحزب الواحد الأحد، هي دول تتمتع بمستوى عال من الصعلكة الفاسدة، فالأيديولوجي (سواء آمن بالفكر الذي يحمله أم ادعاه) هو أحادي مستبد ويقيني لايقبل الشك والجدال فيما ينادي به، ويرفض الفكر الآخر والتعددية، وهو بجميع أنواعه القومي والشيوعي والديني لايقبل إلا بمبدأ البيعة الأبدية، وأن الحوار لايتم مع الشعب بل بين الأيديولوجيين أنفسهم، والدولة الأيديولوجية دائمًا تحمل فناءها (لمزيد عن صفات الأيديولوجي والدمار الذي يسببه راجع مقالي على عنب بلدي: الأيديولوجي الأممي واليوم الأخير). إن الأيديولوجية تحول الدول إلى دول هشة كالزجاج، سهلة الانكسار وصعبة الالتئام إلا بنار تحرقها وتصهرها من جديد، ولنا في كثير من الدول الأيديولوجية الفرعونية أمثلة على ذلك ولكن خير مثال هو سوريا خلال الـ 14 عاماً من الثورة، وهي التي انكسرت واحترقت وانصهرت كالزجاج، وماتزال تنتظر أن تلتئم قطعها المتناثرة لتشكل سوريا الواحدة المتماسكة من جديد.
- إن غلبة أيديولوجية معينة على المفهوم الجمعي للوطن الذي يصون الاختلاف والتشاركية والمساواة للجميع دون استثناء تحت سقف القانون، تظهر بتغيير الأيديولوجيين للمادة الأولى من الدستور، ففي الحالة السورية تم تغيير المادة الأولى من دستور العام 1930 ليتم إدخال عروبة الدولة لأول مرة (سوريا جمهورية عربية) في المادة الأولى من دستور 1950 كغلبة للأيديولوجية القومية، ومن ثم تم تثبيت إضافة (شعبية واشتراكية) الدولة في المادة الأولى من دستور 1973، كدليل غلبة الأيديولوجية البعثية. في الدول الدينية كإيران مثلًا فإن المادة الأولى من دستورها بعد قدوم الأيديولوجي الخميني هي: حكومة إيران هي جمهورية إسلامية، كدلالة على إسلامية الدولة وتحويلها إلى دينية. إن المادة الأولى من دستور الأيديولوجيين دائمًا ما تتناقض مع مواد أخرى في نفس الدستور عن المساواة والحريات، ذلك أن المادة الأولى قامت في بداية الدستور بالتمييز بين المواطنين على أسس أيديولوجية، فأصبحت هناك شريحة مستثناة من الحقوق باعتبارها لا عربية أو لا اشتراكية أو لا إسلامية. من هنا فإن المادة الأولى للدستور (الوطني) وليس (الأيديولوجي) لايجب أن تتضمن إشارات أيديولوجية، كالمادة الأولى من دستور 1930 (سوريا دولة مستقلة ذات سيادة لا يجوز السماح بأي جزء كان من أراضيها). إن إدخال الأيديولوجية ضمن صياغة المادة الأولى من الدستور يعني أن الدولة بدأت صعلكتها أو أنها أصبحت متصعلكة خالصة.
- يقوم الأيديولوجي بعملية إلهاء الشعوب عن مستنقع الداخل بما يحويه من رائحة الفساد العفنة، والتماسيح المفترسة، بادعائه للإنجازات والأهداف الخارجية ودعوة الشعب للصبر مقابل هذه الإنجازات، وهو بذلك كمثل من يغتصب فتاة بشكل مستمر مطالبًا إياها بالصبر لحين وصول رجل الدين والشهود من الخارج ليزوجونهما، ويتحول اغتصابها إلى شرعي، ولكن الاغتصاب سيبقى مستمرًا والفارق هو شرعنته من قبل الخارج، فالأيديولوجي لايعرف إلا لغة الاغتصاب وإلهاء الشعب بالانتقال من مغامرة خارجية إلى أخرى (راجع مقالي: الأيديولوجي الأممي واليوم الأخير).
- في الدول المتصعلكة الأيديولوجية هنالك دائمًا تمييز بين مؤسسات الدولة ومؤسسات الجماعة الأيديولوجية، فحافظ الأسد مثلًا قد قام بوضع فرقة بعثية في كل مؤسسة، تناقش تناسق قراراتها مع الفكر البعثي الأيديولوجي وتوجهات قائده المفدى، فلا يصدر قرار عن أي مؤسسة إلا بموافقتها، وكذلك الأيديولوجي مهما اختلف نوعه، فهو يصنع لنفسه دولة داخل الدولة.
- إن الفرق بين رجل الدولة والصعلوك الأيديولوجي، أن رجل الدولة يفكر بالمستقبل والأجيال القادمة ويضع لها خططاً مستدامة، أما الصعلوك فمنذ زمن القبائل يهتم بالغزو والسلب وسبي النساء، وهو يسعى مايسعى إلى بناء جنته وقصوره على الأرض، وإن ادعى ما ادعى أن همه هو جنة السماء، وإيصال شعبه المغتصَب إليها.
- إن تعليم الصعلكة يبدأ منذ الصغر في المدارس، ويتم إنشاء منظمات لهم (طلائع البعث مثلًا)، فتخيل أن حنجرة طفل صغير بعمر 5 سنوات (الصف الأول) تصدح بشعارات لايفهمها عن الوحدة والحرية والاشتراكية والإسلاموية والجنة والنار وحب فلسطين، ويفرح أبوه أن ولده يتفوه بشعارات الكبار بدلًا من أغاني مرحلته الطفولية، ويسارع هذا الأب لتسجيل ذلك على وسائل التواصل الاجتماعي.
- في دولة الصعلكة يقوم المواطن بطلب العدل والإنصاف من “الصعلوك القائد” مباشرة، غير مصدق بوجود مؤسسات قانونية وحكومة يلجأ لها حين تتأزم حاله، لأنه ببساطة يؤمن بأنه لا قانون في دولة الصعاليك وإنما نظام الفرعون الرب الواحد المستبد.
- إن الفرح الجماهيري العارم بموت أو زوال “الصعلوك القائد” هو دليل على أن الدولة كانت دولة صعاليك متعبة ترغب بالتنفس الطبيعي بعد أن عاشت لفترة طويلة على أنبوبة الأوكسجين، وهي دول خائفة وأي خوف أن يأتيها صعلوك آخر يعيدها إلى التنفس الصناعي مرة أخرى.
إن صعلكة الدول تشبه وضع حفنة من الرمل في زجاجة ماء، وكلما تم رج الزجاجة تعكر الماء فصرت لاترى نقاءه، وإن الاستبداد بجميع أنواعه اللاديني أو الديني هو اليد التي ترج هذه الزجاجة بقوة ليبقى الماء عكرًا لاتستطيع شربه، وعلى المجتمعات التي تريد إعادة النقاء للماء أن تجعل هذه الزجاجة عصية على الرج، ببناء المجتمع المدني الذي يؤمن بالوطن وليس الأيديولوجيات المستبدة التي تستبدل المؤسسات الوطنية بمؤسسات الجماعة الأيديولوجية، وتنتج جيلًا يتعلم الولاء للجماعة بدلاً من الولاء للوطن، ويجب بناء مجتمع يؤمن بالاختلاف والتشاركية والمساواة تحت سقف القانون، ويبني مؤسساته وفق آليات ديمقراطية حقيقية، وعندها سيترسب رمل الصعاليك وأيديولوجياتهم في قعر الزجاجة ويعود ماء الوطن لنقائه وتزداد شفافيته.
ويبقى القول أنه عندما تتصعلك الدول، تفقد القبيلة (الوطن) شرفها، ويصبح شرف صعاليك.
*مصطفى حسين بطيخة أستاذ جامعي وكاتب سوري
