بدأت ملامح مرحلة جديدة بالظهور في مدينة الحسكة، مع دخول رتل من قوى الأمن الداخلي إلى المدينة أمس، ووصول وفد من قيادة الشرطة العسكرية إليها قبلها بيوم، بالتزامن مع عقد المكتب التنفيذي للمحافظة أول اجتماعاته، في خطوات متسارعة ضمن مسار دمج المؤسسات وتوحيد مرجعياتها.
ودخل رتل من قوى الأمن الداخلي السوري، أمس الثلاثاء 1 من أيلول، إلى مدينة الحسكة وتمركز في معسكر “الطلائع” قرب المدخل الشرقي، في خطوة قالت السلطات إنها تأتي ضمن ترتيبات استكمال دمج المؤسسات العسكرية والأمنية في المحافظة.
وبحسب مراسل “عنب بلدي”، ضم الرتل مركبات تابعة لقوات المهام الخاصة في وزارة الداخلية، ووصل إلى المدينة بهدف تسلم مراكزها، بعد وصول وفد من قيادة الشرطة العسكرية إلى الحسكة مساء الاثنين.
والتقى وفد الشرطة العسكرية محافظ الحسكة، نور الدين أحمد، وبحث معه الإجراءات اللازمة لاستكمال دمج المؤسسات والجهات العسكرية والأمنية وآليات التنسيق بين الجهات المعنية.
انتشار أمني لسد الفراغ
قال نائب محافظ الحسكة، أحمد الهلالي، إن انتشار قوات الأمن الداخلي يأتي ضمن خطة لسد الفراغ والاحتياجات الأمنية في المحافظة.
وأوضح أن المرحلة المقبلة ستشهد تعزيز وجود الأمن الداخلي من خلال عناصر أمن الطرق والشرطة السياحية، إلى جانب تفعيل المخافر الموجودة سابقًا في المحافظة.
الهلالي أشار إلى أن انتشار القوات سيبدأ في مناطق تشهد حاجة أمنية، ومن بينها معسكر الطلائع ومشارف مدينة القامشلي، على أن يتعزز وجود عناصر أمن الطرق على الطرق الرئيسية في المحافظة.
ويأتي ذلك بعد أشهر من التغيرات التي شهدتها خريطة السيطرة في الحسكة، والتي أفرزت واقعًا أمنيًا وإداريًا متعدد الجهات، قبل أن تبدأ إجراءات دمج المؤسسات والجهات التابعة لـ”الإدارة الذاتية” ضمن مؤسسات الدولة السورية.
ويرى سكان في المحافظة، ممن التقتهم عنب بلدي، أن دخول الأمن الداخلي إلى مدينة الحسكة يحمل أهمية تتجاوز الجانب الأمني، خصوصًا في ظل شكاوى من تراجع مستوى الأمان خلال الفترة الماضية، وتأثير حالة الازدواجية على حركة السكان وعمل المؤسسات.
وقال عبد الرحمن الحسن، من مدينة الحسكة، إن دخول قوى الأمن الداخلي إلى المدينة “خطوة جيدة”، معربًا عن أمله في أن تسهم في ضبط الوضع الأمني والحد من السرقات والجرائم التي شهدتها المدينة خلال الأشهر الأخيرة.
وأضاف الحسن، في حديث لعنب بلدي، أن وجود قوى أمنية تابعة للدولة يمكن أن يساعد في إعادة الاستقرار إلى المدينة، خصوصًا مع الحاجة إلى جهة أمنية واضحة يتوجه إليها السكان عند وقوع المشكلات والحوادث.
اجتماع إداري بعد الانتشار الأمني
بالتزامن مع دخول قوى الأمن الداخلي، عقد المكتب التنفيذي في محافظة الحسكة أول اجتماعاته، برئاسة المحافظ نور الدين أحمد، وبحضور أعضاء المكتب.
وتناول الاجتماع توزيع المهام والمسؤوليات على أعضاء المكتب وتحديد مجالات العمل والاختصاصات، إلى جانب بحث آليات التنسيق والمتابعة بين القطاعات المختلفة.
وأكد المجتمعون أهمية توحيد الجهود والعمل بروح الفريق بما يخدم المصلحة العامة ويحسن مستوى الأداء الإداري والخدمي في المحافظة.
ويأتي الاجتماع في وقت تواجه فيه مؤسسات المحافظة ملفات متراكمة، بعد سنوات من تعطل أو ازدواجية عمل عدد من الدوائر الحكومية، ما انعكس على معاملات السكان في مختلف مناطق الحسكة.
ويأمل سكان المدينة أن تتبع الخطوات الأمنية والإدارية إعادة فتح المؤسسات الحكومية التي بقيت خارج العمل المنتظم خلال الفترة الماضية.
وقال محمود العلي، من مدينة الحسكة، لعنب بلدي، إن دخول الأمن الداخلي وعقد اجتماع المكتب التنفيذي يمكن أن يكونا “بداية لعودة مؤسسات الدولة إلى العمل” في مركز المحافظة.
وأشار إلى أن توقف الدوائر الحكومية لم يؤثر على سكان مدينة الحسكة وحدهم، وإنما امتد أثره إلى سكان عموم المحافظة، نظرًا إلى ارتباط الكثير من المعاملات بمركز المحافظة.
وبحسب العلي، فإن معاملات تسجيل المواليد وتنظيم عقود العقارات، إلى جانب الملفات القضائية والمحاكمات، كانت من بين القضايا التي تأثرت جراء غياب العمل المنتظم للمؤسسات.
واعتبر أن عودة الدوائر إلى العمل ستخفف عن المواطنين أعباء الانتقال والانتظار، وتعيد تنظيم العلاقة بين السكان والمؤسسات الرسمية.
الريف ينتظر استقرار المدينة
لا تقتصر آثار الترتيبات الجديدة على سكان مدينة الحسكة، إذ ترتبط المدينة بحركة سكان الأرياف والبلدات التابعة للمحافظة، الذين يقصدونها بصورة مستمرة لإنجاز المعاملات والحصول على الخدمات.
وقال إبراهيم عبد الله، من ريف الحسكة الجنوبي، إن دخول قوى الأمن الداخلي إلى المدينة يمثل “خطوة مطلوبة”، مشيرًا إلى أنه تجنب خلال الفترة الماضية دخول مدينة الحسكة إلا عند الضرورة.
وأوضح عبد الله، لعنب بلدي، أن سبب ذلك يعود إلى مخاوف من الاعتقال أو المساءلة من قبل عناصر “الشبيبة الثورية” التي كانت تنتشر في المدينة.
ويرى أن وجود قوى الأمن الداخلي وتوحيد المرجعية الأمنية يمكن أن يعيدا حركة السكان بين الريف والمدينة إلى طبيعتها، خصوصًا بالنسبة لمن يضطرون إلى مراجعة المؤسسات أو الأسواق أو المستشفيات داخل مركز المحافظة.
عودة عائلات بعد أكثر من عقد
تزامنت التطورات الأمنية والإدارية مع عودة عدد من العائلات المهجرة إلى منازلها في حي العزيزية بمدينة الحسكة، في 31 من آب، بعد أكثر من عقد على تهجيرها.
وتأتي عودة العائلات ضمن الجهود الرامية إلى توفير ظروف تسمح للسكان بالعودة إلى مناطقهم، في وقت يرتبط فيه ملف العودة بصورة مباشرة باستقرار الوضع الأمني.
وكانت الحسكة شهدت خلال الفترة الماضية اضطرابات رافقت تسيير أول رحلة لإعادة نازحين من مدينة رأس العين إلى مناطقهم، ما دفع الجهات المعنية إلى بحث إجراءات جديدة لضمان تنظيم عمليات العودة ومنع تكرار الحوادث التي قد تعرقلها.
وكان مصدر مطلع تحدث إلى عنب بلدي في 16 من آب قال إن الحكومة السورية تتجه إلى فرض سيطرتها الأمنية الكاملة على مدينة الحسكة، بهدف إعادة تشغيل المؤسسات الحكومية والمدارس، وإنهاء حالة الازدواجية الإدارية والفوضى والانفلات الأمني.
وأوضح المصدر أن إعادة تفعيل المؤسسات ترتبط أيضًا بقرب بدء العام الدراسي، والحاجة إلى توفير بيئة مستقرة تسمح باستمرار العمل الحكومي والخدمي وتنظيم عودة السكان.
خطوات جديدة في مسار الدمج
تأتي التطورات الحالية ضمن مسار بدأ بعد اتفاق 29 من كانون الثاني الماضي، بين الحكومة السورية و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، والذي تضمن دمج المؤسسات العسكرية والأمنية والخدمية ضمن مؤسسات الدولة.
وشهدت محافظة الحسكة منذ مطلع العام تغيرات ميدانية واسعة، مع بسط الجيش السوري سيطرته على مناطق واسعة من الأرياف الجنوبية والشرقية وأجزاء من الريف الغربي، مقابل انكفاء “قسد” إلى المدن الرئيسية، ومنها الحسكة والقامشلي.
وأدى ذلك إلى ظهور واقع إداري وأمني منقسم، قبل أن تبدأ خطوات تدريجية لمعالجة الازدواجية ودمج المؤسسات التابعة لـ”الإدارة الذاتية” ضمن مؤسسات الدولة.
وتسارعت هذه الخطوات خلال آب، خصوصًا بعد إعلان قائد “قسد”، مظلوم عبدي، في 25 من آب الماضي، حل “قسد” والتشكيلات التابعة لها، في إطار مسار التفاهمات مع الحكومة السورية.
وبعد يومين من الإعلان، أصدر الرئيس السوري، أحمد الشرع، مرسومًا بتعيين عبدي مستشارًا في رئاسة الجمهورية.
وجاء دخول قوى الأمن الداخلي إلى مدينة الحسكة بعد هذه التطورات، ليشكل واحدة من أبرز الخطوات الميدانية في مسار إعادة تنظيم الوضع الأمني داخل المدينة.
