رامز كبيبو
ليس من السذاجة القول إن النظام الدولي تحكمه موازين قوى شديدة الاختلال، وإن الولايات المتحدة والدول الغربية تمتلك أدوات هائلة للتأثير في السياسة العالمية: المال، والعقوبات، والتحالفات العسكرية، والتكنولوجيا، والإعلام، والاستخبارات، والمؤسسات الدولية. كما أن إسرائيل وروسيا والصين وتركيا وإيران ودول الخليج وغيرها تسعى، كلٌّ بطريقتها، إلى توسيع نفوذها والدفاع عن مصالحها.
المشكلة لا تبدأ من الاعتراف بهذه القوة، بل عندما تتحول من قوة مؤثرة إلى قدرة شبه مطلقة؛ أي حين نفترض وجود عقل دولي خارق يعرف مسبقًا ما سيحدث، ويخطط لكل مرحلة، ويحرك الدول والقادة والشعوب والفصائل كما يحرك لاعب الشطرنج قطعه.
من النفوذ إلى القَدَر
هذا النمط من التفكير حاضر بقوة في النقاش السوري. فوفق هذه الرؤية، لم يصل أحمد الشرع إلى موقعه نتيجة مسار سوري معقد، وصراع طويل، وتوازنات داخلية وإقليمية ودولية، بل لأنه “وُضع” لأداء وظيفة محددة. وعندما تنتهي وظيفته سيُستغنى عنه، ليأتي شخص آخر يؤدي المرحلة التالية من الخطة، كما يُقال إن بشار الأسد أدى دوره ثم انتهى.
وهنا يظهر تناقض يصعب تجاهله: إذا كان كل من يصل إلى الحكم في سوريا لا يصل إلا بإرادة “النظام الدولي”، فما معنى المطالبة بإسقاط الحاكم واستبداله بآخر؟ ألن يكون البديل، وفق النظرية نفسها، اختيارًا للنظام الدولي أيضًا؟ وإذا كان هذا النظام قادرًا على منع أي فاعل لا يريده من الوصول، فما مساحة الفعل السياسي أصلًا؟
ثمة فارق جوهري بين التأثير والتحكم. تستطيع قوة كبرى أن تفرض عقوبات، وأن تقدم حوافز، وأن تضغط سياسيًا وعسكريًا، وأن تجعل بعض الخيارات أكثر كلفة من غيرها. لكنها لا تستطيع أن تلغي إرادة جميع الفاعلين أو أن تكتب تصرفاتهم مسبقًا. الرئيس، والحزب، والفصيل، والدولة الصغيرة، والمجتمع، جميعهم يتحركون ضمن قيود، لكنهم يملكون هامشًا من القرار: يفاوضون، ويرفضون، ويخطئون، وينجحون، ويفاجئون خصومهم.
العالم ليس رقعة شطرنج
تشبيه السياسة الدولية برقعة شطرنج جذاب، لكنه مضلل. في الشطرنج قواعد ثابتة وقطع لا إرادة لها. أما السياسة فتضم دولًا وأجهزة أمنية وجيوشًا وشركات وأسواقًا ومجتمعات وملايين الأفراد، وكل فاعل يحاول توقع الآخرين بينما يحاول الآخرون توقعه والتأثير فيه وخداعه والتكيف معه.
الولايات المتحدة تخطط، لكن الصين تخطط أيضًا. إسرائيل تخطط، وإيران وتركيا ودول الخليج تخطط، وكذلك الفاعلون السوريون. ومن تفاعل هذه الخطط تظهر نتائج لم يكن أي طرف قد رسمها بالشكل الذي حدثت به. فالتاريخ لا يصنعه التخطيط وحده، بل أيضًا سوء التقدير، والمعلومات الناقصة، والصدفة، والنتائج غير المقصودة، وقدرة الخصوم على المبادرة.
ومن الأخطاء الشائعة الخلط بين الاستفادة من حدث وبين صناعته. قد تقع أزمة أو حرب أو انتفاضة أو اغتيال لم تخطط له قوة ما، ثم تنجح لاحقًا في استثمار نتائجه. وقد تفشل خطتها الأولى فتضع خطة ثانية وثالثة للتكيف مع الواقع الجديد. نجاحها في التكيف لا يثبت أنها كانت تعرف منذ البداية كل ما سيحدث.
نظرية لا يمكن أن تخطئ
المشكلة الأكبر تظهر عندما تستطيع النظرية تفسير كل شيء ونقيضه. إذا بقي أحمد الشرع، فهذا دليل على أن النظام الدولي ما زال يحتاج إليه. وإذا سقط، فهذا دليل على أن دوره انتهى. إذا تعاون مع الولايات المتحدة فهو تابع لها، وإذا اختلف معها فخلافه جزء من الخطة. إذا نجحت واشنطن فذلك دليل على قوتها، وإذا فشلت فقد يُقال إن الفشل نفسه مرحلة من مشروع أكبر.
عند هذه النقطة يصبح من الصعب تحديد واقعة واحدة يمكن أن تثبت خطأ النظرية. وهنا لا نعود أمام تحليل سياسي قابل للاختبار، بل أمام منظومة تفسيرية مغلقة تستطيع امتصاص كل حدث بعد وقوعه.
حين تتحول المعرفة إلى عجز
المفارقة أن هذا التفكير يبدأ غالبًا بادعاء فهم أعمق لما يجري، لكنه ينتهي إلى شعور شديد بالعجز. فإذا كان النظام الدولي يتحكم بالمال والإعلام والجيوش والاستخبارات وعقول القادة والشعوب، ويسبق الجميع بعشرات الخطوات، فما الذي يستطيع الفرد أو المجتمع فعله؟ النتيجة تصبح ببساطة: “ما بيطلع بإيدنا شي”.
وهكذا تتحول القوة الدولية من واقع سياسي يمكن مقاومته أو التفاوض معه أو التأثير فيه إلى نوع من القَدَر. بل تضيع المسؤولية السياسية نفسها: فشل النظام يُرد إلى الخارج، وفشل المعارضة يُرد إلى الخارج، وصعود السياسي نتيجة اختيار خارجي، وسقوطه نتيجة قرار خارجي. وفي النهاية يصبح السوريون مجرد موضوع للتاريخ لا فاعلين فيه.
الاعتراف بوجود نظام دولي غير عادل لا يستوجب منحه صفات القدرة المطلقة. ليست الدول الصغيرة حرة بالكامل، لكنها ليست بلا إرادة أيضًا. يمكنها تحسين موقعها، وبناء مؤسساتها، وتقليل تبعيتها، والتفاوض، واستثمار تناقضات القوى الكبرى، وأحيانًا إجبار الأقوى منها على تعديل حساباته.
ولعل السؤال الأكثر فائدة للسوريين اليوم ليس: من يحركنا؟ بل: ما مساحة الفعل التي ما زالت بأيدينا، وكيف نوسعها؟ فالسياسة تبدأ حين نعترف بوجود القوة، لكنها تنتهي عندما نحول هذه القوة إلى قَدَر.
