“القوة الناعمة” السورية.. رصيد حضاري يحتاج إلى استثمار

  • 2026/09/03
  • 4:39 م
أحياء دمشق القديمة - 31 آب 2026 (عنب بلدي/ أحمد مسلماني)

أحياء دمشق القديمة - 31 آب 2026 (عنب بلدي/ أحمد مسلماني)

enab_get_authors_shortcode

في وقت تحاول فيه سوريا الجديدة إعادة بناء علاقاتها مع محيطها العربي والإقليمي والدولي، لا تقتصر معركة استعادة المكانة على فتح السفارات وإبرام الاتفاقيات والزيارات الرسمية، إذ تواجه البلاد أيضًا تحديًا آخر يتعلق بالصورة التي تشكلت عنها خلال عقود، وما إذا كانت قادرة على تقديم صورة مختلفة تستند إلى تاريخها وثقافتها ومجتمعها ورأس مالها البشري.

ويبرز في هذا السياق مفهوم “القوة الناعمة”، الذي يقوم على قدرة الدول على التأثير في الآخرين من خلال الجاذبية والإقناع والسمعة والثقافة والدبلوماسية، بدل الاعتماد على الإكراه أو الحوافز المادية وحدها.

وبينما تملك سوريا رصيدًا حضاريًا وثقافيًا وبشريًا واسعًا، يطرح واقعها الحالي سؤالًا حول قدرتها على تحويل هذه الموارد إلى نفوذ فعلي، خصوصًا في ظل تحديات اقتصادية وأمنية ومؤسساتية لا تزال تعوق مسار التعافي وإعادة البناء.

ماذا يعني ترتيب سوريا في مؤشر “القوة الناعمة”؟

بحسب أحدث إصدار من “مؤشر القوة الناعمة العالمي” لعام 2026، الصادر عن مؤسسة “Brand Finance”، في كانون الثاني الماضي، جاءت سوريا في المرتبة 125 عالميًا من أصل 193 دولة، بدرجة 31.2 من 100، متقدمة مرتبتين عن تصنيف عام 2025 الذي حلت فيه بالمرتبة 127 بدرجة 30.5.

ويقيس المؤشر تصورات الرأي العام العالمي تجاه الدول عبر 55 معيارًا، تشمل السمعة والتأثير والألفة، إلى جانب العلاقات الدولية والثقافة والتراث والإعلام والاتصال والتعليم والعلوم والحوكمة وغيره.

الباحث في العلاقات الدولية محمد اليمني، أشار في حديث لعنب بلدي إلى ضرورة التعامل مع هذا الرقم بحذر، إذ لا يعني وجود سوريا في المرتبة 125 أنها الدولة رقم 125 عالميًا من حيث الأهمية السياسية أو الحضارية، وإنما يعكس مدى قدرتها في وقت معين على تحويل مواردها وإمكاناتها إلى جاذبية وتأثير وصورة إيجابية على المستوى الدولي.

وقال إن المؤشر يعتمد على مجموعة من المعايير المرتبطة بالسمعة والتأثير والجاذبية، إلى جانب الأعمال والتجارة والتعليم والعلوم والثقافة والتراث والحوكمة والإعلام والعلاقات الدولية.

وبحسب اليمني، فإن الفارق المهم بالنسبة إلى سوريا يتمثل بين امتلاك عناصر “القوة الناعمة” وبين القدرة على تحويلها إلى نفوذ.

فسوريا، وفق اليمني، تمتلك تاريخًا يمتد لآلاف السنين، ومواقع أثرية ودينية وثقافية، إلى جانب مجتمع يمتلك خبرات واسعة وجالية كبيرة في الخارج وحضورًا ثقافيًا عربيًا وإقليميًا، لكن وجود هذه الموارد لا يعني تحولها تلقائيًا إلى “قوة ناعمة”.

ويرى أن المرتبة الحالية يمكن النظر إليها باعتبارها مؤشرًا على الفجوة بين الرصيد الحضاري السوري وبين القدرة على توظيفه سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا، وليس حكمًا نهائيًا على مكانة البلاد.

وأضاف أن المشكلة لا تتعلق فقط بكون سوريا معروفة في العالم، بل بصورة هذه المعرفة، إذ إن “الشهرة ليست هي السمعة”، فمعرفة العالم بسوريا بسبب الحرب والأزمة والأحداث السياسية لا تعني بالضرورة امتلاكها صورة إيجابية.

ومن هنا، يرى أن أحد التحديات الأساسية أمام سوريا الجديدة هو الانتقال من صورة مرتبطة بالحرب والدمار وعدم الاستقرار إلى صورة ترتبط بالحضارة والثقافة والاستقرار والانفتاح والفرص والشراكات.

رصيد يحتاج إلى استثمار

يضع اليمني التاريخ والحضارة في مقدمة مصادر “القوة الناعمة” السورية، مشيرًا إلى مدن ومواقع مثل دمشق وحلب وتدمر وأوغاريت وغيرها، بوصفها رصيدًا رمزيًا مرتبطًا بالمكان والتاريخ ولا يمكن لدولة أخرى انتزاعه بسهولة.

لكن تحويل هذا الرصيد إلى نفوذ، بحسب الباحث، يحتاج إلى الاستثمار في السياحة الثقافية والمتاحف والأبحاث الأكاديمية والمهرجانات والإنتاج الإعلامي والأفلام الوثائقية وبرامج التعليم والتعاون الدولي.

وتبرز الثقافة السورية المعاصرة أيضًا باعتبارها موردًا قابلًا للاستثمار، من الدراما والموسيقا والفن والأدب إلى المطبخ والحرف التقليدية.

وأشار اليمني إلى أن الجمهور العالمي قد يتعرف إلى سوريا من خلال مسلسل أو فيلم أو موسيقا أو طعام قبل أن يتعرف إليها من خلال خطاب سياسي، ما يجعل الدبلوماسية الثقافية إحدى الأدوات القابلة للتطوير.

أما المورد الآخر الذي يراه من أهم عناصر القوة الناعمة السورية فهو رأس المال البشري، فانتشار السوريين في المنطقة وأوروبا والأمريكيتين وغيرها، ووجود أطباء ومهندسين وأساتذة جامعات وباحثين ورجال أعمال وفنانين وطلاب بينهم، يمكن أن يتحول، وفق اليمني، إلى شبكة عالمية داعمة لسوريا، إذا جرى ربط هذه الطاقات بالجامعات والشركات والمؤسسات الثقافية والبحثية داخل البلاد.

ولا يغيب الموقع الجغرافي عن هذه المعادلة، إذ تقع سوريا عند تقاطع شرق المتوسط والعراق وتركيا ولبنان والأردن والعالم العربي، ما يمنحها أهمية في ملفات التجارة والنقل والطاقة وإعادة الإعمار والربط الإقليمي.

لكن الموقع، بحسب اليمني، لا يصبح “قوة ناعمة” بحد ذاته، بل يحتاج إلى تحويله إلى مساحة للتعاون الاقتصادي والتجاري والثقافي والدبلوماسي.

القوة الناعمة ليست بروباغندا

يتفق الباحث السياسي ورئيس “اتحاد الكتاب العرب” في سوريا، أحمد جاسم الحسين، مع ضرورة النظر إلى “القوة الناعمة” باعتبارها مشروعًا طويل الأمد، لا حملة إعلامية أو هوية بصرية جديدة.

ويقترح أن تبدأ سوريا بتشكيل فريق من الخبراء تحت إشراف جهة أو مجموعة جهات حكومية ومؤسساتية معنية، مهمته تحديد عناصر “القوة الناعمة” السورية ودراسة تجارب الدول الأخرى، قبل وضع استراتيجية واضحة وميزانية وأدوات للتسويق والتنفيذ.

وشدد الحسين على أن بناء “القوة الناعمة” يحتاج إلى خبراء ودراسة وتخطيط وتسويق وتمويل، وليس مجرد “نيات حسنة” أو تنظيم معارض وفعاليات.

ويرى أن مصادر “القوة الناعمة” السورية يمكن أن تكون متعددة، من المواقع السياحية والأثرية إلى التنوع العرقي والثقافي والجغرافي، إضافة إلى الدراما والمهن والحرف والطعام واللغة والتعليم والطبيعة والمنتجات المحلية.

وأشار إلى إمكانية تحويل هذا التنوع إلى عنصر جذب إذا جرى تقديمه باعتباره جزءًا من هوية سوريا، بحيث لا يكون الهدف استيراد صورة من الخارج، وإنما اكتشاف ما تتميز به البلاد أصلًا وتطويره وتقديمه للعالم.

ومن بين الأمثلة التي يطرحها الحسين الحرف والصناعات التقليدية والطعام السوري والمواقع الأثرية، إضافة إلى ما يمكن أن تمثله تجربة السوريين أنفسهم في الخارج من صورة عن قدرتهم على العمل والتكيف والمبادرة.

وأضاف أن بعض عناصر “القوة الناعمة” يمكن أن تنشأ حتى من التجارب المؤلمة، مستشهدًا بما تمثله سجون النظام السابق ومواقع الاعتقال والتعذيب من ذاكرة يمكن توثيقها وعرضها ضمن سردية تتحدث عن معاناة السوريين وقدرتهم على الاستمرار.

لكن الحسين حذر في الوقت نفسه من اختزال “القوة الناعمة” في سردية المظلومية، معتبرًا أن المطلوب تقديم التجربة السورية ضمن صورة أوسع عن مجتمع استطاع تجاوز ظروف قاسية والاستمرار في الحياة والإنتاج.

الدبلوماسية والإعلام

تلعب الدبلوماسية دورًا أساسيًا في إعادة فتح قنوات الاتصال، وبناء الشراكات الاقتصادية والثقافية، وإعادة سوريا إلى المؤسسات والمنتديات الإقليمية والدولية، بحسب اليمني.

لكن نجاح الدبلوماسية، برأيه، لا يقاس فقط بما تقوله الدولة عن نفسها، وإنما بقدرتها على جعل الآخرين يتحدثون عنها بصورة إيجابية.

وهنا تدخل الثقافة والرياضة والإعلام والتعليم بوصفها أدوات مساندة.

ويمكن للمهرجانات والتبادل الثقافي والإنتاج السينمائي والموسيقي والفعاليات الرياضية أن تقدم صورة مختلفة عن سوريا، بينما يحتاج الإعلام السوري إلى مخاطبة الجمهور خارج البلاد بلغات متعددة، وإنتاج محتوى يتناول التاريخ والثقافة والاقتصاد والمجتمع والحياة اليومية.

غير أن اليمني يحذر من الوقوع في خطأ استبدال الدعاية القديمة بدعاية جديدة، موضحًا أن “القوة الناعمة” لا تقوم على تكرار أن “سوريا تغيرت”، بل على جعل الآخرين يرون التغيير بأنفسهم.

فإذا تحسنت المؤسسات، يلاحظ العالم ذلك، وإذا تحسنت بيئة الاستثمار يلاحظ المستثمرون، وإذا تحسن الأمن يلاحظ الزوار، وإذا تطورت الجامعات يلاحظ الأكاديميون، وإذا عاد الإنتاج الفني السوري إلى الانتشار يلاحظ الجمهور، وفق طرحه.

وبذلك تتحول “القوة الناعمة” من حملة علاقات عامة إلى نتيجة لتحولات سياسية واجتماعية ومؤسساتية فعلية.

بناء السمعة يحتاج إلى وقت

لا يرى اليمني أن هناك مدة زمنية ثابتة يمكن خلالها إعادة بناء صورة دولة، ويفرق بين تحسين الصورة وإعادة بناء السمعة واستعادة الثقة.

وأشار إلى أن تحسين الصورة يمكن أن يبدأ خلال فترة قصيرة نسبيًا إذا رافقته تغيرات سياسية ومؤسساتية واضحة، بينما تحتاج السمعة المستقرة إلى وقت أطول، أما الثقة العميقة فتتطلب سنوات من التجربة المتراكمة.

وبالنسبة إلى سوريا، يعتقد أن السنوات الأولى من المرحلة الانتقالية ستكون حاسمة في هذا المسار، إذ يمكن لإشارات واضحة بشأن الاستقرار وحماية التراث وتحسين العلاقات وفتح المجال أمام الثقافة والإعلام والتعليم أن تبدأ عملية إعادة بناء الصورة.

لكن الوصول إلى مرحلة يصبح فيها اسم سوريا مرتبطًا بالاستقرار والثقافة والفرص والشراكات بدل الحرب والأزمة سيكون، بحسب الباحث، مشروعًا طويل الأجل.

“القوة الناعمة” لا تكفي

رغم أهمية الاستثمار في “القوة الناعمة”، لا يرى اليمني أنها قادرة على أن تحل محل القوة الصلبة بالكامل.

وقال إن الدولة القوية تحتاج إلى مزيج من الأدوات، إذ تمنح القوة العسكرية قدرة على الردع وحماية المصالح، ويمنح الاقتصاد قدرة على التأثير وتقديم الحوافز، بينما توفر المؤسسات الاستقرار والمصداقية، وتمنح “القوة الناعمة” الدولة الجاذبية والقبول والقدرة على التأثير دون إكراه.

لكن “القوة الناعمة” قد تكون ذات أهمية خاصة لسوريا خلال المرحلة الانتقالية، نظرًا إلى أن بناء اقتصاد قوي وجيش ومؤسسات أمنية فعالة يحتاج إلى سنوات واستثمارات كبيرة، في حين يمكن تطوير الثقافة والدبلوماسية والإعلام والتعليم والتراث والرياضة بوتيرة أسرع نسبيًا.

وشدد في المقابل على أن “القوة الناعمة” لا تستطيع معالجة غياب الأمن أو ضعف المؤسسات أو الأزمات الاقتصادية بمفردها، ما يجعل العلاقة بينها وبين القوة الصلبة علاقة تكامل لا تنافس.

من مشروع حكومي إلى هوية مجتمع

يرى الحسين أن “القوة الناعمة” السورية لا ينبغي أن تتحول إلى مشروع حكومي مغلق، رغم حاجة الدولة إلى وضع استراتيجية واضحة له.

فمصادر “القوة الناعمة”، بحسب طرحه، موجودة في المجتمع نفسه، ويمكن أن تظهر في المنتجات والثقافة والعادات والتقاليد والمهن والأفكار واللغة والطعام والفنون، ثم يجري تنظيمها وتطويرها وتسويقها ضمن استراتيجية وطنية.

ويختصر الحسين الفكرة في معادلة تقوم على وجود “منتج” سوري حقيقي، و”مستهلك” هو المجتمع العالمي، وسوق يجري فيها تقديم العناصر التي تتميز بها سوريا.

وبهذا المعنى، لا يتعلق بناء “القوة الناعمة” بإنتاج صورة مصطنعة للبلاد، وإنما باكتشاف عناصر التميز الموجودة فيها وتحويلها إلى أدوات للتواصل والجذب والتأثير.

أما اليمني، فيضع المسألة ضمن إطار أوسع، معتبرًا أن نجاح المشروع يحتاج إلى مؤسسات واقتصاد وأمن ودبلوماسية وثقافة وتعليم وإعلام، إلى جانب الإنسان السوري نفسه.

وبينما تقف سوريا اليوم أمام مهمة إعادة بناء مؤسساتها واقتصادها وعلاقاتها الخارجية، قد لا يكون السؤال الأكثر أهمية هو ما إذا كانت تمتلك عناصر “القوة الناعمة”، بقدر ما يتعلق بقدرتها على تنظيم هذه العناصر وتحويلها إلى سياسة مستدامة.

فالمرتبة 125 في مؤشر القوة الناعمة، وفق قراءة اليمني، لا تمثل نهاية القصة، وإنما تكشف المسافة بين الإمكانات السورية وبين القدرة الحالية على توظيفها.

وفي بلد يملك تاريخًا حضاريًا واسعًا، وانتشارًا بشريًا كبيرًا، وثقافة عابرة للحدود، وموقعًا جغرافيًا حساسًا، تبدو المهمة الأساسية، وفق الحسين، هي الانتقال من امتلاك هذه الموارد إلى بناء مؤسسات قادرة على تحويلها إلى تأثير.

وعندها، لا تعود القوة الناعمة مجرد خطاب عن صورة سوريا في الخارج، بل تصبح نتيجة طبيعية لما يحدث داخلها.

مقالات متعلقة

سوريا

المزيد من سوريا