مرضى يصفون معاناتهم النفسية والجسدية مع التصلب اللويحي

  • 2026/09/06
  • 2:13 م
مرضى التصلب اللويحي يواجهون تحديات صحية واجتماعية تتجاوز أعراض المرض (عنب بلدي/مولّدة بالذكاء الاصطناعي)

مرضى التصلب اللويحي يواجهون تحديات صحية واجتماعية تتجاوز أعراض المرض (عنب بلدي/مولّدة بالذكاء الاصطناعي)

enab_get_authors_shortcode

عنب بلدي – آلاء شعبو

في الـ15 من عمرها، كانت سجى المصطفى تستعد لمرحلة جديدة من دراستها وحياتها، حين بدأت أعراض غريبة تتسلل إلى جسدها، من دون أن تعرف هي وعائلتها سببها.

عامان مرّا وسجى تبحث عن تفسير لما يحدث معها، آلام ومتاعب لم تجد لها تفسيرًا، وأشخاص من حولها يعتقدون أنها تبالغ في وصف ما تشعر به، فيما كانت هي تشعر بأن شيئًا ما تغير، من دون أن تعرف اسمه.

وخلال تلك الفترة، انتقلت عائلتها إلى تركيا، بينما كان المرض يفرض تدريجيًا حضوره على حياتها وقدرتها على الحركة.

وحين عرفت أخيرًا أن ما تعانيه هو التصلب اللويحي، لم يكن شعورها الأول الخوف من اسم المرض، بقدر ما كان ارتياحًا لمعرفة الحقيقة. بعد عامين من الأسئلة، أصبح لما تشعر به اسم، ولم تعد معلّقة أمام سؤال واحد ظل يرافقها: “شو فيني؟”.

ما التصلب اللويحي؟

التصلب اللويحي المتعدد مرض مزمن يصيب الجهاز العصبي المركزي، وينتج عن مهاجمة جهاز المناعة للغلاف المحيط بالأعصاب، ما يؤثر في انتقال الإشارات العصبية بين الدماغ وبقية أجزاء الجسم.

وتختلف أعراض المرض من شخص إلى آخر، وقد تشمل اضطرابات الحركة والتوازن، وصعوبة المشي، والتنميل أو الضعف، وتشوش الرؤية، والدوار والإرهاق، إضافة إلى أعراض أخرى قد لا تكون ظاهرة لمن حول المريض.

بالنسبة إلى سجى، لم يتوقف أثر المرض عند الأعراض الجسدية، حاولت متابعة تعليمها بعد الصف التاسع، ولم تتمكن من الاستمرار.

لكنها لم تتعامل مع توقف تعليمها باعتباره نهاية الطريق، فمنذ تشخيصها عام 2012، راكمت سجى تجربة طويلة مع التصلب اللويحي، ووظفتها لاحقًا في تأسيس منصة تهتم بمرضى التصلب اللويحي في سوريا، وتوفر لهم مساحة لتبادل التجارب والدعم.

وهكذا أصبحت المنصة بالنسبة إليها أكثر من مساحة للحديث عن المرض، فهي مكان يلتقي فيه أشخاص يعرف كل منهم جانبًا من تجربة الآخر من دون الحاجة إلى شرح كل التفاصيل من البداية.

ويعيش في سوريا نحو 8400 شخص مع التصلب اللويحي، وفق بيانات أطلس التصلب المتعدد التابع للاتحاد الدولي للتصلب المتعدد. وتختلف تجارب هؤلاء باختلاف أعمارهم وحالاتهم ومسار المرض لديهم، لكن أثره قد يتجاوز الجانب الصحي إلى الدراسة والعمل والحركة والاستقلالية والعلاقات داخل الأسرة.

حين يغير المرض شكل الحياة

تجربة أريج واحدة من هذه التجارب، فمنذ 13 عامًا تعيش في اللاذقية مع التصلب اللويحي، وهي اليوم في الـ40 من عمرها وأم لثلاثة أولاد.

في بدايات المرض، لم يكن المشي أمرًا سهلًا بالنسبة لها، اختلال في التوازن، وتشوش في الرؤية، وضعف في التحكم بالمثانة، إلى جانب صعوبة في الحركة، كانت أعراضًا رافقتها في تلك المرحلة، لكن ما ترك أثرًا آخر فيها كان نظرات الشفقة والتنمر، التي جعلت التعايش مع المرض يتجاوز الأعراض الجسدية إلى مواجهة نظرة المحيط.

مع العلاج، تحسن توازن أريج، وأصبحت تمشي باستخدام العكاز، ثم بدأت ممارسة الرياضة تحت إشراف مدرب، وعادت لاحقًا إلى عملها كمحاسبة، محاولة الحفاظ على حياتها اليومية ومسؤولياتها كأم.

لكن الطريق إلى هذه المرحلة لم يكن سهلًا، وقال زوجها إن أريج كانت في بداية المرض متعبة ومحطمة نفسيًا، وإن الأسرة عاشت معها تلك المرحلة لحظة بلحظة، خصوصًا عندما تراجعت قدرتها على الحركة وأصبحت تحتاج إلى المساعدة في تفاصيل يومية لم تكن بحاجة فيها إلى أحد من قبل.

رعاية أطفالها، الذين كانوا في سن صغيرة آنذاك، من أكثر التحديات صعوبة. بقيت أريج أمًا حاضرة في حياتهم، لكن الطاقة التي كانت تملكها قبل المرض لم تعد كما هي، وأصبح وجود زوجها وأولادها إلى جانبها جزءًا أساسيًا من قدرتها على مواصلة يومها.

أدوار تتبدل داخل الأسرة

لا تتوقف آثار المرض عند المريض نفسه، إذ قد يعيد التصلب اللويحي ترتيب الأدوار داخل الأسرة، فبحسب الاختصاصية الاجتماعية بشرى مروة، قد يجد الشخص الذي اعتاد أن يكون سندًا لأسرته أو معيلًا لها نفسه في مرحلة ما بحاجة إلى الرعاية، وهو ما قد يخلق شعورًا بالذنب والتوتر لدى المريض وأفراد أسرته، قبل أن تتكيف الأسرة مع الوضع الجديد وتتقاسم المسؤوليات بطريقة مختلفة.

ولا تأتي الصعوبة الاجتماعية دائمًا من الأعراض التي يمكن رؤيتها، بحسب مروة، فقد يعاني المريض من تعب شديد أو تنميل لا يستطيع الآخرون ملاحظته، فيفسر المحيط ذلك أحيانًا على أنه كسل أو مبالغة، بينما قد تزيد نظرات الشفقة شعوره بالعجز بدل أن تمنحه دعمًا حقيقيًا.

وقالت مروة لعنب بلدي، إن المريض يحتاج إلى التفهم والتقبل أكثر من الشفقة، وإن مساعدة المصاب لا تعني إلغاء استقلاليته، بل سؤاله عما يحتاج إليه وترك مساحة له ليقرر شكل حياته ضمن قدراته.

ومن هنا تبرز أهمية مساحات الدعم بين المرضى، بحسب مروة، إذ تمنح المصاب فرصة للحديث مع أشخاص لا يحتاج أمامهم إلى شرح تجربته من البداية، والاستفادة من تجارب آخرين مروا بظروف مشابهة.

لماذا يصعب تشخيص التصلب اللويحي؟

لا يوجد فحص واحد يمكن من خلاله تأكيد الإصابة بالتصلب اللويحي، إذ يعتمد التشخيص على مجموعة من المعطيات والفحوص التي تساعد الطبيب على تحديد نمط المرض واستبعاد أمراض أخرى قد تسبب أعراضًا مشابهة.

ويعتمد الطبيب على التاريخ المرضي والفحص العصبي، إلى جانب فحوص الدم والتصوير بالرنين المغناطيسي، وفي بعض الحالات تحليل السائل الدماغي الشوكي عبر البزل القطني، بحسب حالة المريض.

ويجعل تنوع الأعراض وتشابه بعضها مع أعراض أمراض أخرى رحلة التشخيص أكثر تعقيدًا، وقد يحتاج المريض إلى فترة من المتابعة والفحوص قبل الوصول إلى تشخيص واضح.

حين يصبح العلاج تحديًا آخر

لا تنتهي رحلة التعايش عند الوصول إلى التشخيص، فبالنسبة إلى مرضى التصلب في سوريا، يمثل تأمين العلاج المنتظم تحديًا آخر، مع عدم توفر بعض أدوية التصلب اللويحي في المستشفيات الحكومية بشكل مستمر، ما يدفع بعض المرضى إلى البحث عنها خارجها أو تحمل تكلفتها على نفقتهم الخاصة.

ولا تقتصر هذه الفجوة على أثرها الصحي، إذ يمكن أن تتحول مسألة تأمين الدواء إلى عبء مادي ونفسي إضافي على المريض وأسرته، خصوصًا مع حاجة المصاب إلى علاج منتظم ومتابعة مستمرة.

وفي المقابل، ذكرت وزارة الصحة، في وقت سابق لعنب بلدي، أنها تسلمت دفعات من أدوية التصلب اللويحي ووزعتها على المراكز والمستشفيات، مشيرة إلى أن تأمين هذه الأدوية يأتي ضمن أولوياتها.

كيف يعالَج التصلب اللويحي؟

لا يوجد علاج نهائي للتصلب اللويحي حتى الآن، لكن العلاجات المتاحة تهدف إلى تقليل الهجمات وإبطاء تطور المرض والحد من المضاعفات.

وتختلف الخطة العلاجية بحسب حالة المريض ونوع المرض وشدة الأعراض، وقد تشمل أدوية تُستخدم خلال الهجمات، إلى جانب علاجات طويلة الأمد تُعرف بالعلاجات المعدلة لمسار المرض، وتتوفر بأشكال مختلفة، بينها الأدوية الفموية والحقن والعلاجات الوريدية.

ويحتاج المصاب إلى متابعة طبية منتظمة لتقييم استجابته للعلاج وتعديل الخطة عند الحاجة، إذ يختلف مسار المرض والاستجابة للعلاج من شخص إلى آخر.

قد لا يكون أصعب ما في التصلب اللويحي هو الأعراض التي تظهر على جسد المريض، بل ما تتركه خلفها من أسئلة عن الدراسة والعمل والأسرة والاستقلالية، وما يرافقها من حاجة إلى علاج منتظم وفهم من المحيط. وبينما يستطيع الدواء أن يساعد في السيطرة على مسار المرض، يبقى جزء آخر من التعايش معه متعلقًا بما يحيط بالمريض: أسرة تتكيف، ومجتمع يتفهم، ومساحة لا يضطر فيها إلى إثبات أن ما يشعر به حقيقي.

مقالات متعلقة

  1. آلاف مرضى التصلب اللويحي يواجهون فجوة الدواء.. الكلفة تتصاعد
  2. قد يؤدي إلى إعاقة كاملة.. ما التصلب اللويحي
  3. دواء التصلب اللويحي مفقود في سوريا.. "التجارة الخارجية" توضح الأسباب
  4. الصحة تطلق إحصاء للمرضى ذوي العلاجات البيولوجية والأمراض النادرة

مجتمع

المزيد من مجتمع