500 مليون دولار في حسياء.. هل يتحول الاستثمار إلى إنتاج؟

  • 2026/09/05
  • 3:49 ص
أحد المصانع في مدينة حسياء الصناعية - 2 حزيران 2026 (سانا)

أحد المصانع في مدينة حسياء الصناعية - 2 حزيران 2026 (سانا)

enab_get_authors_shortcode

لم يعد الحديث عن الاستثمار الصناعي في سوريا يقتصر على الخطط المعلنة، إذ بدأت مدينة حسياء الصناعية، تسجل مؤشرات على عودة النشاط الاستثماري، من خلال تراخيص جديدة واستثمارات موزعة على قطاعات إنتاجية مختلفة.

وفي أحدث هذه المؤشرات، أعلنت وزارة الاقتصاد والصناعة السورية، على هامش معرض دمشق الدولي، الجمعة 4 من أيلول، إطلاق خمسة مشاريع صناعية واستثمارية في المدينة باستثمارات تقديرية تبلغ 500 مليون دولار، وعلى مساحة تقارب 500 دونم، ضمن تحالف يضم مجموعة “وايت روم القابضة” ممثلة بشركة “أسس”، وشركة “زهونج” الصينية، بالتعاون مع المدينة الصناعية بحسياء.

وتأتي هذه الحزمة في وقت تضم فيه حسياء 433 منشأة على مساحة تتجاوز 326 هكتارًا، وتوفر نحو 10,500 فرصة عمل، حسبما قاله رئيس دائرة الاستثمار في المدينة الصناعية بحسياء سمير منصور، لوكالة الأنباء الرسمية (سانا).

فيما تشكل الصناعات الهندسية، ومنها الحديد والمجابل البيتونية والكابلات والإنشاءات المعدنية والبلوك والإنترلوك والمجابل الإسفلتية، أحد أبرز مكونات النشاط الصناعي فيها.

وتعد “وايت روم القابضة”، مجموعة استثمارية سورية، تأسست في إدلب عام 2017، وتعمل وفق نموذج الشركة القابضة التي تضم عدة شركات متخصصة في قطاعات مختلفة.

لكن أهمية الإعلان ترتبط بما إذا كانت هذه الاستثمارات ستتحول فعليًا إلى منشآت وإنتاج، وما الذي يمكن أن تضيفه إلى الصناعة المحلية، في وقت تحاول فيه سوريا إعادة تنشيط قطاعها الصناعي واستقطاب رؤوس الأموال المحلية والأجنبية.

500 مليون دولار على 500 دونم.. ماذا يعني الرقم؟

يضع حجم الاستثمار والمساحة المعلنة الحزمة الجديدة بين المشاريع الصناعية الكبيرة نسبيًا، خصوصًا أنها تشمل صناعات تحتاج إلى تجهيزات وآلات وبنية تحتية واسعة.

ويقرأ الخبير الاقتصادي والأستاذ الجامعي الدكتور عبد الرحمن محمد، الرقم بوصفه مؤشرًا على كثافة رأس المال في المشاريع الثقيلة.

ويقول إن الرقم المعلن، يجب قراءته كمؤشر على كثافة رأس المال في المشاريع الثقيلة، موضحًا أن المشاريع المعلنة هي صناعات تحويلية تتطلب تجهيزات وآلات ضخمة، وبالتالي فإن نسبة الاستثمار إلى المساحة تبدو منطقية ومعقولة لصناعات من هذا النوع.

ولا يتوقف معنى الرقم عند حجمه المالي، بحسب محمد، إذ يرى أنه يحمل “رسالة اقتصادية وسياسية مزدوجة”، تتمثل في الرغبة في إظهار عودة الثقة ببيئة الأعمال السورية، إلى جانب كونه اختبارًا لقدرة البنية التشريعية واللوجستية على استيعاب استثمار دولي بهذا الحجم.

ويضع فاصلًا بين الإعلان عن الاستثمار وبين دخوله فعليًا إلى الاقتصاد، مشيرًا إلى أن “التقييم الدقيق يبقى رهنًا بمصادر التمويل وآلية ضخ السيولة والجدول الزمني للتنفيذ”، وأن الإعلان عن رقم كبير لا يعني بالضرورة تدفقًا نقديًا فوريًا.

من حسياء إلى الاقتصاد السوري.. ماذا تضيف؟

تأتي المشاريع الجديدة ضمن حراك استثماري شهدته حسياء خلال الأشهر الماضية، إذ منحت 39 رخصة بناء وأصدرت 106 قرارات تجديد لمستثمرين متعثرين خلال العام.

وبحسب الدكتور محمد، تكمن أهمية الحزمة الجديدة في ثلاثة محاور رئيسية:

  1. زيادة العرض المحلي من مواد البناء الأساسية.
  2. خلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة.
  3. إرسال إشارة إلى المستثمرين بشأن إمكانية الاستثمار في القطاع الصناعي السوري.

ويقول إن تعزيز إنتاج مواد البناء محليًا يمكن أن يقلل فاتورة الاستيراد ويسهم في خفض كلف الإعمار، بينما يمكن للمشاريع الجديدة أن تنعش النشاط الاقتصادي في حسياء ومحافظة حمص ومحيطها.

ويرى أن دخول شريك صيني في مشاريع صناعية من هذا النوع يمثل إشارة جذب للمستثمرين، معتبرًا أن الشراكة تمنح مصداقية للقطاع الصناعي السوري كوجهة استثمارية قابلة للحياة رغم المخاطر.

ويأتي ذلك بالتوازي مع إجراءات اتخذتها الحكومة خلال 2026 لتسهيل الاستثمار في المدن الصناعية.

وأصدر وزير الاقتصاد والصناعة السوري نضال الشعار، في 20 من نيسان الماضي، قرارًا يقضي بتسوية أوضاع المستثمرين المتخصصين والمتعاقدين الحاصلين على رخص بناء وفق أنظمة الاستثمار القديمة في المدن الصناعية، والتي سبقت صدور القرار رقم “432” لعام 2025 الخاص بنظام الاستثمار بالمدن الصناعية.

الحديد والإسفلت والسيراميك.. هل تتوافق المشاريع مع حاجة السوق؟

تشمل المشاريع التي أعلنتها وزارة الاقتصاد ضمن مدينة حسياء، معصرًا للحديد، ومعملًا للسيراميك، ومعملًا لمواد البناء، ومعملًا للإسفلت، ومقلعًا للحجر.

وتتقاطع المشاريع المعلنة مع قطاعات ترتبط مباشرة بالبناء وإعادة تأهيل البنية التحتية، وهو ما يجعلها، من الناحية الاقتصادية، مرتبطة بطبيعة المرحلة التي تمر بها سوريا.

وتضم حسياء أصلاً عددًا من منشآت الصناعات الهندسية التي تنتج الحديد والمجابل الإسفلتية والخرسانة والبلوك والإنترلوك وغيرها من المنتجات المرتبطة بالبناء.

ويعتبر الدكتور محمد أن جدوى المشاريع المعلنة عالية نسبيًا في ظل الوضع السوري الراهن، لأنها تستهدف قطاعات يتوقع أن تشهد طلبًا خلال مرحلة إعادة الإعمار.

ويشير إلى أن “معصر الحديد يغطي حاجة أساسية لأعمال التسليح، والإسفلت ضروري للطرق والبنية التحتية المدمرة، والسيراميك ومواد البناء تلبي الطلب السكني المتزايد”.

لكنه لا يرى أن هذه القطاعات تمثل وحدها الأولوية الاستثمارية، إذ كان يمكن، من وجهة نظره، توجيه جزء من الاستثمارات إلى الصناعات التصديرية ذات القيمة المضافة العالية مثل الصناعات الغذائية، والصناعات الدوائية، وصناعات الطاقة المتجددة.

ويربط ذلك بحاجة الاقتصاد السوري إلى مصادر للقطع الأجنبي، معتبرًا أن هذه القطاعات يمكن أن تحقق عائدات تصديرية ولا تبقى مرتبطة بالطلب المحلي وحده.

هل تضغط الاستثمارات الكبيرة على المنتج المحلي؟

مع دخول منشآت كبيرة إلى السوق، لا تقتصر الأسئلة على حجم الإنتاج المتوقع، بل تمتد إلى تأثيرها على المصانع والمنشآت السورية القائمة، ولا سيما الصغيرة والمتوسطة.

ويرى الدكتور محمد أن الأثر يمكن أن يكون مزدوجًا، فمن جهة، يمكن للمشاريع الجديدة أن تزيد المعروض وتخفض الأسعار وتقلل زمن التوريد، ومن جهة أخرى، إذا لم تدار المنافسة بعناية، فقد تضغط هذه المصانع الكبيرة على صغار المنتجين المحليين الذين يعانون من ارتفاع كلف الطاقة والتمويل.

ويطرح الدكتور محمد مجموعة من الإجراءات لحماية المنتج المحلي، تتمثل في:

  • إعفاءات ضريبية انتقائية للمنشآت الصغيرة والمتوسطة.
  • فرض رسوم إغراق على المستوردات المنافسة غير العادلة.
  • تفضيل المنتج الوطني في العقود الحكومية.
  • تحديث خطوط الإنتاج المحلية.

ما الذي يحتاجه المستثمر الدولي؟

رغم التسهيلات التي بدأت تظهر في المدن الصناعية، فإن انتقال الاستثمار من مرحلة الإعلان إلى الإنتاج يتطلب، بحسب الدكتور محمد، بيئة متكاملة تتجاوز تقديم الإعفاءات أو تخفيض تكاليف المقاسم.

ويحدد الخبير خمسة احتياجات رئيسية، تبدأ بـ”إصلاح النظام المصرفي والتحويلات المالية”، موضحًا أن الاستثمار الدولي يحتاج إلى قنوات مصرفية موثوقة وضمانات لتحويل الأرباح.

كما يشير إلى ضرورة وجود “قانون استثمار عصري يتضمن محكمة تحكيم تجاري مستقلة، وضمانات ضد التأميم والمصادرة”، إضافة إلى تأمين الطاقة بأسعار تنافسية، وتسهيل تملك الأراضي الصناعية وتبسيط الإجراءات الإدارية عبر نافذة واحدة فعالة.

ويضيف إلى ذلك منح المستثمر الأجنبي إمكانية إعادة تصدير جزء من منتجاته، إلى جانب “الاستقرار التشريعي”، بحيث لا تتغير القوانين المؤثرة في المشروع بأثر رجعي.

وختم الخبير الاقتصادي الدكتور عبد الرحمن محمد، منوهًا إلى أن حزمة حسياء تمثل “خطوة جريئة لكنها محفوفة بالتحديات”، معتقدًا أن نجاحها لا يتوقف على حجم التمويل أو طبيعة المشاريع فقط، وإنما على قدرة الحكومة على تأمين بيئة مستقرة تشريعيًا ومصرفيًا ولوجستيًا.

هل يشكّل الاستثمار بالمدن الصناعية نواة لتعافي الاقتصاد السوري؟

 

مقالات متعلقة

أخبار وتقارير اقتصادية

المزيد من أخبار وتقارير اقتصادية