لم تعد مشروبات الطاقة مجرد خيار عابر لطلب جرعة إضافية من النشاط، بل تحوّلت في السنوات الأخيرة إلى “ثقافة يومية” وسلوك استهلاكي رائج داخل المجتمع السوري، لا سيما بين فئات الشباب والطلاب والعمال الذين يبحثون عن مغالبة السهر والإرهاق في ظل ظروف معيشية ضاغطة.
كما انتقل هذا الانتشار الواسع إلى صالات النوادي الرياضية، إذ بات الجمع والخلط العشوائي بين مشروبات الطاقة والمكملات ومحفزات الأداء ظاهرة شائعة بين الرياضيين الساعين لزيادة قدرتهم البدنية، دون إدراك للعواقب التي يفرضها هذا المزيج على أجسادهم.
فما الذي يحدث حقيقة داخل الجسم عند استهلاك هذه المواد؟ وكيف يهدد هذا التداخل التوازن الهرموني وسلامة الجهاز الدوري؟
آليات تحفيز الجهاز العصبي المركزي
أوضح اختصاصي أمراض القلب، الدكتور علي مظهر خليل، في حديث إلى عنب بلدي، أن مشروبات الطاقة تحفّز الجهاز العصبي المركزي عبر آليتين رئيسيتين تعتمدان على مكوّناتها الأساسية.
وتتمثل الآلية الأولى في “الكافيين” الذي يعمل على كبح مستقبلات “الأدينوزين” في الدماغ، وهي المادة المسؤولة عن إرسال إشارات الاسترخاء للجسم، مما يؤخر الشعور بالإرهاق ويزيد مستويات اليقظة والتركيز.
أما الآلية الثانية فتعتمد على السكر الذي يمد الخلايا بطاقة سريعة ومباشرة، ويسهم في رفع مستويات هرمون “الدوبامين” في الدماغ، مما يمنح المستهلك شعورًا مؤقتًا بالنشاط والحيوية.
وأضاف الدكتور خليل أن هذه المشروبات تُدعم بعناصر أخرى، مثل الحمض الأميني “التورين” ومستخلص عشبة “الجينسينغ”، واللذين يُضافان خصيصًا لتعزيز مفعول الكافيين وتسريع تدفق الدورة الدموية.
عبء ثقيل يهدد سلامة القلب
وفيما يتعلّق بتأثير هذه المشروبات على القلب والأوعية الدموية، حذّر اختصاصي أمراض القلب، من أن مشروبات الطاقة تشكل عبئًا كبيرًا على القلب والأوعية الدموية عبر آليات متعددة.
تبدأ بتسريع نبضات القلب نتيجة تحفيز الكافيين لإفراز هرمون “الأدرينالين”، مما يرفع معدل الضربات ويشكل خطورة بالغة قد تصل إلى السكتة القلبية، خاصة لدى الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات قلبية غير مكتشفة.
كما تتسبب هذه المشروبات في انقباض الأوعية الدموية وضيقها، مما يؤدي إلى ارتفاع ضغط الدم الشرياني، ويجبر العضلة القلبية على العمل في مواجهة هذا الضغط المرتفع، وهو ما قد يسفر عن تغيرات بنيوية وتكيفية في عضلة القلب على المدى الطويل.
وأردف الدكتور خليل أن الجرعات العالية من مشروبات الطاقة قد تؤدي إلى اضطراب النظم القلبي، مما يتسبب في حدوث خفقان أو رجفان أذيني خطير، يزيد بدوره من خطر تشكل الخثارات الشريانية، لا سيما إذا كان المريض يُعاني من اتساع في الأذين الذي يوفر بيئة مثالية لركود الدم وتجلطه.
علاوة على ذلك، تسهم هذه المشروبات في زيادة لزوجة الدم عن طريق تحفيز تجمع الصفائح الدموية، الأمر الذي يرفع من احتمالية الإصابة بالجلطات.
خلل هرموني يمهّد للإصابة بالسكري
وانتقالًا إلى التأثير على الغدد الصماء، أشار الدكتور خليل إلى أن مشروبات الطاقة تُحدث خللاً عميقًا في التوازن الهرموني داخل الجسم.
إذ تتعرض الغدة الكظرية لضغط شديد يدفعها لإنتاج هرمونات التوتر، مثل “الأدرينالين” و”الكورتيزول”، بكميات مفرطة تضع الجسم في حالة تأهب دائم.
وفي الوقت نفسه، يضطر البنكرياس لإفراز كميات هائلة من “الإنسولين” للتعامل مع الارتفاع المفاجئ والحاد في مستويات سكر الدم، وهو ما يؤدي مع الاستهلاك المزمن واليومي لهذه المشروبات إلى إجهاد البنكرياس وتطور حالة “مقاومة الإنسولين”، مما يرفع من مخاطر الإصابة بمرض السكري.
كما يمتد هذا الاضطراب ليشمل الغدة النخامية، التي تختل إشاراتها الحيوية المنظمة للنوم والراحة نتيجة التحفيز المستمر والمكثف للجهاز العصبي.
المكملات الرياضية وعلاقتها بسلامة القلب
أما المكملات الرياضية، شرح الاختصاصي أنها مستحضرات غذائية تُستخدم أساسًا لتحسين الأداء البدني، وبناء الكتلة العضلية، أو تسريع عملية الاستشفاء بعد التمارين.
ورغم فوائدها الرياضية، فإن تأثيراتها على القلب والأوعية الدموية تختلف بشكل جذري بناءً على نوع المكمل وطبيعة مكوناته، إذ يتضاعف هذا التأثير السلبي ويشكل خطورة بالغة عند خلط هذه المكملات بمشروبات الطاقة، مما يضع القلب تحت طاقة تحفيزية مفرطة تفوق قدرته على التحمّل.
بين الأمان والخطورة
وفي هذا السياق، صنّف اختصاصي أمراض القلب، المكملات الرياضية من حيث تأثيرها على الدورة الدموية إلى ثلاثة أقسام رئيسية:
• مكملات الطاقة ومحفزات الأداء (Pre-Workouts): تُعدّ هذه الفئة الأكثر خطورة على القلب، بحسب الدكتور خليل، نظرًا لاحتوائها على جرعات عالية جدًا من الكافيين والمنشطات القوية مثل “السينفرين” أو “اليوهيمبين”.
ويتلخص تأثيرها في التسبب بانقباض حاد ومفاجئ في الأوعية الدموية، مما يؤدي إلى ارتفاع في ضغط الدم الشرياني.
ويتمثل الخطر القلبي هنا في زيادة الجهد العضلي المبذول من القلب، مما قد يحفّز حدوث تسارع نبضات القلب (Tachycardia) أو الرجفان الأذيني، وقد تؤدي الجرعات المفرطة في حالات نادرة إلى السكتة القلبية المفاجئة.
• مكملات ضخ الدم وأكسيد النيتريك (الموسعات): وتشمل الأحماض الأمينية مثل “الأرجنين” (L-Arginine) و”السيترولين” (L-Citrulline).
ولفت الدكتور خليل إلى أن هذه الأحماض تتحول داخل الجسم إلى غاز أكسيد النيتريك، وهو موسّع طبيعي ومباشر للأوعية الدموية، مما يسهم في زيادة تدفق الدم والأكسجين إلى العضلات والقلب، ويساعد على خفض ضغط الدم بشكل مؤقت، وهي تُعد آمنة للقلب عمومًا لدى الأشخاص الأصحاء.
• مكملات البناء والاستشفاء: وتتمثل بشكل أساسي في “الواي بروتين” (Whey Protein) و”الكرياتين” (Creatine).
وفيما يخص الكرياتين، فإنه يعمل على سحب الماء إلى داخل الخلايا العضلية، وأكّد الاختصاصي أنه لا يؤثر سلبًا على القلب لدى الأصحاء، غير أن الإفراط في تناوله دون شرب كميات كافية من الماء قد يرفع ضغط الدم نتيجة احتباس السوائل.
أما البروتين، فيُعد آمنًا تمامًا على القلب والأوعية الدموية، بل يساهم في دعم صحة الأنسجة وبنائها، شريطة التأكد من خلو المنتج من الملوثات أو المنشطات غير المعلنة.
فخ “التآزر السام” للرياضيين
أوصى الدكتور خليل بتجنب خلط محفزات الطاقة الرياضية (Pre-Workout) أو المكملات الغنية بالمنشطات مع مشروبات الطاقة، معتبرًا أن ذلك يعد من أخطر الممارسات الرياضية، إذ يؤدي هذا المزيج إلى ظاهرة طبية تُعرف بـ”التآزر التحفيزي السام” (Toxic Synergistic Effect).
وينتج هذا التسمم الحاد وإجهاد عضلة القلب جراء اندماج الكافيين و”التورين” الموجودين في مشروبات الطاقة، مع الكافيين والمنشطات الأخرى في مكملات الطاقة، وتتجلّى مخاطر هذا التداخل في أربعة جوانب رئيسية:
• مضاعفة جرعة الكافيين والوصول لمرحلة التسمم الحاد: قد تحتوي الحصة الواحدة من محفزات الطاقة (Pre-Workout) على نحو 300 ملغ من الكافيين، بينما تحتوي علبة مشروب الطاقة على قرابة 160 ملغ.
ويؤدي خلطهما معًا إلى رفع الجرعة لتتجاوز 450 ملغ دفعة واحدة، وهو ما يتخطى الحد الآمن الموصى به عالميًا يوميًا والمقدر بـ400 ملغ، مما يسبب تسممًا حادًا بالكافيين في الجسم.
• الصدمة الوعائية المزدوجة وضغط الشرايين: تتداخل آليات العمل في الجسم بشكل متناقض، إذ تعمل المنشطات على تقليص الأوعية الدموية المحيطية ورفع الضغط، وفي الوقت نفسه تحاول مكملات ضخ الدم مثل “السيترولين” توسيعها.
هذا التناقض المفاجئ يضع جدران الشرايين وعضلة القلب تحت ضغط ميكانيكي هائل، مما يرفع من خطر حدوث التمزق الوعائي الدقيق.
• اضطراب كهرباء القلب المفاجئ: الجرعات التراكمية المفرطة من الكافيين والتورين واليوهيمبين تحفز الجهاز العصبي الودي بشكل جنوني، مما يؤدي إلى تدفق هائل ودفق مفاجئ لهرمون الأدرينالين.
ويتسبب هذا التدفق في حدوث متلازمة “QT” الطويلة المؤقتة، وهي خلل كهربائي خطير في القلب قد يؤدي إلى الوفاة المفاجئة أثناء المجهود البدني العالي.
• الجفاف الحاد وزيادة لزوجة الدم: يُعد الكافيين مدرًا قويًا للبول، وعليه فإن ممارسة الرياضة تحت تأثير مشروب الطاقة ومكمل الطاقة معًا تؤدي إلى فقدان سريع ومضاعف للسوائل.
وينتج عن ذلك جفاف حاد يزيد من لزوجة الدم، فيصبح القلب مطالبًا بضخ دم أكثر كثافة عبر أوعية منقبضة وضيقة، الأمر الذي يرفع احتمالية الإصابة بالجلطات والتخثرات.
