في الجنوب السوري، لا تكشف مدينة شهبا الأثرية عن بقايا مدينة رومانية فحسب، بل تقدم آثارها صورة عن مشروع عمراني ارتبط بالإمبراطور فيليب العربي، الذي أعاد بناء مدينته الأصلية وفق نموذج المدن الرومانية، وحولها خلال القرن الثالث الميلادي إلى مركز يضم منشآت عامة ودينية تعكس مكانة المدينة في تلك المرحلة.
تقع شهبا على بعد نحو 90 كيلومترًا جنوب دمشق و19 كيلومترًا شمال مدينة السويداء، ضمن منطقة بازلتية تعاقبت عليها حضارات وحقب مختلفة، لكن المدينة بلغت مرحلة ازدهار بارزة خلال عهد فيليب العربي، الذي ارتبط اسمه بإعادة تخطيطها وتوسيع منشآتها.
من شهبا إلى “فيليبوبوليس”
حملت المدينة اسم “فيليبوبوليس”، نسبة إلى الإمبراطور فيليب، واسمه ماركوس يليوس فيليبيوس.
وشُيدت بين عامي 245 و248 م وفق الطراز الروماني، على مساحة تقارب 100 هكتار، وبمخطط شطرنجي يقسمها إلى وحدات منتظمة، أقيمت فيها الأبنية العامة والخاصة.
ومن أبرز هذه المنشآت ما يعرف اليوم باسم “المجمع الإمبراطوري”، الواقع في الجهة الغربية من المدينة، على بعد نحو 200 متر من نقطة تقاطع شارعيها الرئيسين.
ساحة تجمع أبنية المجمع
يتكون المجمع من عدة أبنية ضخمة تتجه نحو ساحة واسعة بقيت أرضيتها مكسوة ببلاطات بازلتية، فيما تظهر على جانبيها درجات حجرية ممتدة.
وتشكل الساحة مركز المجمع، إذ تحيط بها منشآت ارتبطت بالعبادة والحياة العامة، لتبدو مساحة تجمع بين الوظائف الدينية والاجتماعية للمدينة.
الكليبة.. معبد الإمبراطور
في الجهة الغربية للساحة يقع بناء “الكليبة”، أو المعبد الإمبراطوري، الذي يرجح أن يكون قد خُصص لعبادة الإمبراطور وأسرته.
يتقدم المبنى درج عريض يمتد لنحو 30 مترًا، فيما تتوسط واجهته بنية ضخمة تضم محرابًا رئيسًا كان مسقوفًا بقبة نصف دائرية، إلى جانب غرفتين تحتوي كل منهما على محراب داخلي.
وبحسب التفسير الأثري، يرجح أن المحراب الرئيس كان مخصصًا لتمثال الإمبراطور فيليب، ما يعكس حضور عبادة الإمبراطور ضمن الفضاء العام للمدينة.
“الفيلبيون”.. من مدفن إلى مجلس للوجهاء
على الحافة الجنوبية للساحة يقع “الفيلبيون”، وهو مبنى مربع الشكل يبلغ طول ضلعه نحو 12.5 متر وارتفاعه نحو سبعة أمتار.
واختلف الباحثون حول وظيفته، فالتفسير الأول اعتبره مدفنًا للعائلة الإمبراطورية، يضم فيليب ووالده مارينوس وشقيقه بريسكوس.
لكن الدراسات الأحدث ترجح أنه كان “بوليتيريون”، وهو مجلس لشيوخ ووجهاء المدينة، مخصص للاجتماع ومناقشة القضايا العامة.
مجمع يعكس حياة “فيليبوبوليس”
يكشف المجمع الإمبراطوري في شهبا عن مدينة لم تكن منشآتها مخصصة للعبادة وحدها، بل جمعت بين الدين والحياة العامة.
ففي الكليبة، ارتبط المكان بعبادة الإمبراطور وأسرته، بينما يرجح أن “الفيلبيون” احتضن اجتماعات وجهاء المدينة، وبين المبنيين، شكلت الساحة المبلطة فضاء عامًا يجمع سكان “فيليبوبوليس”.
وبذلك تقدم بقايا المجمع صورة عن محاولة فيليب العربي تحويل مدينته الأصلية إلى نموذج روماني متكامل، ليس من خلال العمارة الضخمة فقط، بل عبر تنظيم الفضاءات المخصصة للعبادة والاجتماع وإدارة شؤون المدينة.
