مؤثرو السلطة.. والتوغل في الحفرة

  • 2026/09/05
  • 5:44 م
خالد المطلق

خالد المطلق

enab_get_authors_shortcode

خالد المطلق

لا تُقاس قدرة أي سلطة على تجاوز الأزمات بكثرة بياناتها الرسمية، ولا بعدد الأصوات التي تتسابق للدفاع عنها عبر منصات التواصل، وإنما بقدرتها الفعلية على مواجهة الأسئلة الصعبة والاعتراف بالأخطاء حين تقع وتصحيح المسار قبل أن يصبح التراجع مستحيلًا، فالسلطة التي تخاف النقد وتتعامل معه بوصفه تهديدًا تستبدل العمل السياسي بالدعاية، والمؤسسات القوية بالحملات الإعلامية، والحقائق بالضجيج المؤقت، وعندما يصبح الهجوم على المعترضين هو الرد الوحيد المتاح فهذا يعني أن الخلل لا يكمن في المنتقدين بل في واقع مؤلم لا يرغب أحد في مواجهته بجدية ومسؤولية.

في سوريا، تبدو هذه القضية أكثر إلحاحًا وخطورة، ولا سيما خلال المرحلة الانتقالية الحساسة، التي تحتاج إلى مؤسسات تتحمل النقد البنّاء وإدارة سياسية تراجع قراراتها وتبحث عن حلول عملية.

ما تحتاج إليه البلاد ليس جيوشًا إلكترونية تنشغل بمهاجمة المخالفين وتوزيع تهم العمالة والخيانة من دون أدلة، فالأزمات المعيشية والاقتصادية والأمنية المتفاقمة لا تُعالَج بالتشهير، ولا تتحول الهزيمة إلى نصر لمجرد أن مؤثرًا معروفًا أطلق حملة صاخبة ضد خصوم السلطة.

قد يبدو اللجوء إلى المؤثرين خيارًا سريعًا وجذابًا، فبعضهم يملك ملايين المتابعين، ويمكنه إيصال رسالة محددة خلال دقائق إلى جمهور واسع، إلا أن الشهرة الرقمية لا تعني امتلاك معرفة سياسية عميقة، وكثرة المشاهدات لا تجعل الرواية صحيحة تلقائيًا، ولا يعني أن محتوى هذا المؤثر محترم، بل يمكن أن يكون العكس تمامًا.

كما أن القدرة على إثارة الغضب لا تعني امتلاك حل واقعي، فالمؤثر الذي يقوم محتواه على الاستفزاز والسخرية والإهانة قد ينجح في إشعال معركة إلكترونية، لكنه لن يخفض الأسعار أو يؤمّن الكهرباء أو يصلح مؤسسة حكومية أو يعيد الثقة بين المواطن والدولة، والمشكلة ليست في استخدام المؤثرين بل في تحويلهم إلى أدوات منظمة لتغطية الإخفاقات وتوجيه الغضب نحو أشخاص محددين، وبدلًا من مناقشة السؤال المطروح، يبدأ البحث عن صاحبه وخلفياته ومموليه، وهكذا ينتقل النقاش من الفكرة إلى الشخص ومن السياسة إلى التشهير ومن المساءلة إلى التخوين، ومع تكرار ذلك يقتنع الناس بأن الصمت أكثر أمانًا فيبدو الهدوء استقرارًا بينما هو في الحقيقة غضب مؤجل قابل للانفجار.

وحين ترفع السلطة شعارات دينية وأخلاقية يشتد التناقض خطورة إذا استعانت بأشخاص يقدمون خطابًا يناقض مبادئها، فالإسلام لا يبرر الكذب أو البهتان أو الشتائم، ولا يجعل أعراض الناس مباحة، ولا يحول الاختلاف الطبيعي إلى تحريض وعداء، ومن هنا لا يمكن أن تكون الإهانة دينًا ولا التخوين خُلقًا ولا الافتراء وسيلة لبناء دولة مؤسسات، ومن يتحدث باسم القيم الدينية مطالب بأن يلتزم بها لا أن يتخذها غطاء لعمليات تشهير منظمة، فالقيم تُقاس بالممارسة لا بالشعارات، لذلك لا يصح إدانة خطاب ينتقد السلطة والتسامح مع خطاب يمدحها رغم استخدامه الإهانة والتحريض والتعميم، وهذا التناقض لا يحمي صورة السلطة بل يضعف صدقيتها ويكشف اعتمادها على الولاء بدلًا من الكفاءة.

ومن المؤكد أن الإفراط في الاعتماد على المؤثرين يترك آثارًا تتجاوز اللحظة الإعلامية، فهو يضعف مكانة الخبراء والصحفيين والباحثين عندما يصبح مقطع سطحي أكثر تأثيرًا من دراسة متخصصة كما يعمق الانقسام الاجتماعي، فالتخوين لا يقنع المختلفين بل يدفعهم إلى التشدد، وقد يحول الخلاف السياسي إلى خصومة طائفية أو مناطقية.

وفي مجتمع أنهكته الحرب، قد تفتح عبارة متهورة جرحًا جديدًا، وهذا ما يظهر في التحريض الذي يمارسه مؤثرو السلطة ضد شرائح سورية مختلفة، حتى ممن قبلوا بها لمجرد طرحهم مشكلاتهم اليومية، والأخطر أن السلطة قد تصبح أسيرة المدافعين عنها، فكلما كثرت الجهات التي تبرر أخطاءها سمعت ما يريحها وغاب عنها ما تحتاج إلى معرفته، عندها تبدأ دائرة مدمرة، قرار متعثر ثم تبرير ضعيف ثم هجوم على المنتقدين ثم تجاهل أصل المشكلة فنتائج أسوأ وحملة أعلى ضجيجًا، وهذه ليست إدارة للأزمة بل إدارة للإنكار والهروب إلى الأمام.

المطلوب ليس إلغاء دور المؤثرين، بل وضع معايير واضحة لمشاركتهم في الشأن العام، أهمها الصدق واحترام القانون والتمييز بين الخبر والرأي ورفض التحريض والامتناع عن التشهير وعن نشر المعلومات غير الموثقة. ومن يستخدم شهرته لإذلال الناس وإشعال الكراهية يجب أن يخضع للمساءلة القانونية مهما بلغ عدد متابعيه أو قربه من السلطة، فالدولة التي تريد شرعية حقيقية لا تحتاج إلى حراس وهميين على الإنترنت، بل إلى مؤسسات قوية وإعلام مهني وقضاء مستقل ومسؤولين يملكون شجاعة الاعتراف بالخطأ، والمواطن لا يحتاج إلى مؤثر يشتم خصوم السلطة، بل إلى حكومة تشرح قراراتها وتحدد المسؤولية عند الفشل وتستمع إلى الناس بصبر.

خلاصة القول، إن السلطة حين تسقط في حفرة عميقة لا تخرج منها بمضاعفة الشتائم، وعليها أن تتوقف عن الحفر وتراجع حساباتها وتغلق ماكينة التشهير وتعود إلى السياسة والمؤسسات، فالصوت الأعلى لا يصنع انتصارًا حقيقيًا، والإنجاز أقوى من آلاف المقاطع الدفاعية، وفي سوريا لا تدور المعركة الحقيقية على منصات التواصل بل حول استعادة الثقة العامة المفقودة، ومن دون هذه الثقة لن تنجح كل الجيوش الإلكترونية في بناء دولة قوية وحقيقية.

مقالات متعلقة

  1. نقد هدّام!
  2. النيل من هيبة الدولة!
  3. قرار تعديل مجلس النقد والتسليف هل ينقذ الليرة السورية من الانهيار؟!
  4. سوريا.. حين يصبح الجنون اللغة الوحيدة

مقالات الرأي

المزيد من مقالات الرأي