موفق الخوجة | محمد ديب بظت | عدي الحاج حسين
بينما تتحدث الحكومة الإسرائيلية عن اتفاق أمني مع سوريا، يقوم جيشها بالتوغل ونصب حواجز في الجنوب السوري، كما ينفذ ضربات في عمق البلاد.
التهديد والتصعيد الإسرائيلي، والحديث عن مفاوضات في الوقت ذاته، يكشف عن غياب استراتيجية واضحة، أو إخفاء نيات مقابل ضغط تمارسه الولايات المتحدة، لمنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة غير معروفة النتائج.
وتثير هذه الازدواجية تساؤلات عن مستقبل العلاقة بين بلدين متجاورين في الحدود، يشكل أحدهما عدوًا تقليديًا للآخر، بالرغم من تغير الساسة والحكام.
بعد استهداف إسرائيل مطار “أبو الظهور”، الذي ترافق مع حديث عن رسالة وجهتها تل أبيب من خلال الضربة إلى تركيا، التي كانت قواتها موجودة في المطار قبيل الاستهداف، بحسب ما ذكرته تقارير إعلامية ونفته أنقرة، جلست الحكومتان السورية والإسرائيلية على طاولة واحدة برعاية واشنطن في العاصمة الأردنية عمان.
تناقش عنب بلدي في هذا الملف سيناريوهات العلاقة المستقبلية بين سوريا وإسرائيل، واحتماليات توقيع الاتفاق الأمني المشترك، أو الذهاب إلى حرب إقليمية مفتوحة، وطبيعة علاقة دول الإقليم، تركيا والأردن، صاحبتَي المصلحة المباشرة، إلى جانب الراعية أمريكا.
سيناريوهات الصراع.. سلم أم حرب؟
تبرز سيناريوهات متعددة لشكل العلاقة القائمة بين سوريا وإسرائيل مستقبلًا، ما بين سلم لم تتحدد ملامحه أو شكله، واحتمالية أقل ترجيحًا لنشوب حرب سورية- إسرائيلية أو ربما تتطور لتدخل دول إقليمية على خط الصراع، وذلك بعد مؤشرات على إرادة إسرائيلية لإبقاء التوتر والتصعيد العسكري قائمًا ضمن المشهد الجيوسياسي.
ضربات وجهتها إسرائيل لمطار “أبو الظهور” العسكري في محافظة إدلب شمالي سوريا، فجر 18 من آب الماضي، لم تتبنَّها بشكل مباشر، لكنها ألمحت إليها، والرسائل الرامية لها بطرق غير مباشرة شكلت أحد أبرز المؤشرات على هذا التصعيد، وهي من الضربات الإسرائيلية القليلة التي تجاوزت حدود الجنوب إلى العمق السوري نحو الشمال بعد سقوط النظام السوري السابق.
كما توضح تصريحات تكررت على ألسنة الساسة الإسرائيليين أن تل أبيب ما زالت تتوجس من القائمين على الحكم في سوريا، وتخشى شن هجمات من داخل الأراضي السورية باتجاه إسرائيل، لا سيما حديث رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، عن حزام أمني أقامته إسرائيل لمواجهة احتمال وقوع “غزو جهادي” من الأراضي السورية.
وإلى جانب ضرب “أبو الظهور”، فإن التوغل الإسرائيلي لم يتوقف، منذ أن بدأ في اللحظات الأولى من سقوط النظام، في 8 من كانون الأول 2024، فضلًا عن قصف بالقذائف يستهدف محيط القرى والتجمعات السكانية في محافظتي القنيطرة ودرعا جنوبي سوريا.
لكن في المقابل، لم تتوقف الجهود الدبلوماسية الراعية لاتفاق أمني سوري- إسرائيلي، إذ أعقب ضربات “أبو الظهور” اجتماع عالي المستوى بين الحكومة السورية، التي ترأس وفدها وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، بمقابل وفد إسرائيل ترأسه رئيس جهاز “الموساد” الإسرائيلي، رومان غوفمان.
الاجتماع الذي رعته أمريكا واستضافه الأردن، جاء في إطار الجهود الرامية إلى خفض التصعيد ودعم الاستقرار في سوريا والمنطقة.
ووفق ما رشح من معلومات، فقد تركزت المناقشات حول وضع آليات عملية لوقف الاعتداءات الإسرائيلية وعمليات الاعتقال والاستهداف، وإحياء مسار التفاوض بهدف التوصل إلى اتفاق أمني يمكن أن يشكل أساسًا لاتفاق مستقبلي أكثر شمولًا.
كما تناولت المناقشات أهمية دعم استقرار سوريا والحفاظ على أمن المنطقة، بما في ذلك الجهود الرامية إلى تقريب وجهات النظر بين تركيا وإسرائيل، وضمان عدم انعكاس التوتر القائم بين البلدين على الأراضي السورية.
وبحسب تقرير نشره موقع “المونيتور“، فإن إسرائيل بدأت “إعادة معايرة” سياستها تجاه سوريا، وتبحث مسارًا يمكن أن يقود إلى اتفاق أمني، بالتزامن مع مساعٍ لتهدئة التوتر مع تركيا وإصلاح العلاقة مع المبعوث الأمريكي إلى سوريا، توم براك.
جندي إسرائيلي يقف فوق دبابة بالقرب من مجدل شمس ضمن الجولان السوري المحتل – 11 كانون الأول 2024 (رويترز)
إدارة الصراع
لا يرجح الباحث الأول في “المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة” الدكتور سمير العبد الله، التوصل إلى سلام شامل بين سوريا وإسرائيل أو الانزلاق نحو حرب شاملة في المستقبل القريب، بل استمرار إدارة الصراع عبر تفاهمات أمنية محدودة.
وتترافق هذه التفاهمات مع مفاوضات متقطعة وضغوط عسكرية إسرائيلية.
ويرى العبد الله أن إسرائيل تبدي اهتمامًا باتفاق يضمن أمن الحدود، ويحول دون نشوء تهديدات من الجنوب، ويؤسس لآليات الإنذار المبكر والتنسيق وضبط الوجود العسكري الأجنبي.
بالمقابل، فإن إسرائيل لم تُظهر حتى الآن استعدادًا واضحًا لقبول اتفاق متوازن يستلزم انسحابًا كاملًا من المناطق التي احتلتها عقب انهيار نظام الأسد، أو يقيّد حرية حركتها العسكرية داخل الأراضي السورية.
وتعكس الضربة التي استهدفت مطار “أبو الظهور” وعمليات التوغل المستمرة هذا التناقض، وفق العبد الله، إذ تستخدم إسرائيل القوة لفرض “خطوطها الحمراء” وتعزيز موقفها التفاوضي، لا سيما فيما يتعلق بالعلاقات العسكرية السورية- التركية وإعادة بناء القدرات العسكرية السورية.
وأشار العبد الله إلى أن التحركات الإسرائيلية لا تعني بالضرورة رفضًا لمبدأ الاتفاق، بل تشير إلى تفضيل ترتيبات أمنية ترسخ تفوقها وتمنحها ضمانات واسعة، بدلاً من السعي لتسوية سياسية عادلة، ومن ثم فإن أي اتفاق أمني قد ينجم عن ذلك لن يكون معاهدة سلام أو تسوية نهائية لقضية الجولان، بل ترتيبًا مؤقتًا يهدف إلى خفض التوتر ومنع الاحتكاك.
التحركات الإسرائيلية لا تعني بالضرورة رفضًا لمبدأ الاتفاق، بل تشير إلى تفضيل ترتيبات أمنية ترسخ تفوقها وتمنحها ضمانات واسعة، بدلًا من السعي لتسوية سياسية عادلة، ومن ثم فإن أي اتفاق أمني قد ينجم عن ذلك لن يكون معاهدة سلام أو تسوية نهائية لقضية الجولان، بل ترتيبًا مؤقتًا يهدف إلى خفض التوتر ومنع الاحتكاك.
د. سمير العبد الله
باحث أول في “المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة”
من جهته، استبعد الدكتور زكي لبابيدي، عضو مجلس إدارة المجلس السوري- الأمريكي، تحول التوتر الحالي إلى مواجهة عسكرية واسعة، معتبرًا أن أي تصعيد إسرائيلي في المرحلة المقبلة سيكون مدفوعًا بالاعتبارات السياسية الداخلية، لا بالواقع الميداني في سوريا، ولا سيما مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية في إسرائيل.
وقال لبابيدي لعنب بلدي، إن رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، اعتاد، خلال السنوات الماضية، استخدام التصعيد العسكري لتعزيز موقعه السياسي، إلا أن الظروف الحالية تختلف، في ظل تراجع صورة إسرائيل دوليًا بعد الحرب على غزة، ووجود ضغوط أمريكية وأوروبية واضحة لمنع توسيع دائرة الصراع.
عقبات أمام التفاهمات الأمنية
تظل العقبات الرئيسة أمام الوصول إلى تفاهمات أمنية بين سوريا وإسرائيل متمثلة في انعدام الثقة، والخلافات حول الانسحاب والسيادة، والتنافس التركي- الإسرائيلي، وضعف الضمانات الدولية وآليات التنفيذ.
لذا، يرى العبد الله أن نجاح أي اتفاق يتطلب وقف الضربات وعمليات التوغل، وإقرار انسحاب مرحلي واضح، واعتماد ترتيبات أمنية متبادلة تحت إشراف الأمم المتحدة، ما يمهد الطريق لنقاش لاحق وأوسع نطاقًا حول السلام وقضية الجولان.
ماذا عن دمشق؟
دمشق قادرة نظريًا على الالتزام بمنع استخدام أراضيها لتهديد إسرائيل، وضبط الانتشار العسكري في الجنوب، وتفعيل قنوات الاتصال وآليات التحقق الدولية، وفق العبد الله.
ومع ذلك، فإن الحكومة السورية لا تستطيع، من منظور سياسي ووطني، قبول اتفاق يفرض قيودًا دائمة على جيشها وتحالفاتها، أو يكرس واقع “الاحتلال”، أو يحول جنوبي سوريا إلى منطقة نفوذ أمني إسرائيلي، بحسب ما يعتقده الباحث العبد الله.
الانتهاكات الإسرائيلية عام 2026
وثّق مركز “سجل”، المتخصص بتوثيق الانتهاكات الإسرائيلية في سوريا، 267 انتهاكًا ارتكبتها قوات الاحتلال الإسرائيلي داخل الأراضي السورية خلال آب الماضي.
وأظهرت إحصائيات المركز أن الانتهاكات الإسرائيلية خلال آب ارتفعت بنسبة %43 مقارنة بشهر تموز الذي شهد 187 انتهاكًا، كما ارتفع العدد بنحو 12% مقارنة بشهر حزيران الذي سجل 239 انتهاكًا.
وسجل شهر آب، بحسب مركز “سجل”، ثاني أعلى معدل شهري للانتهاكات الإسرائيلية منذ بداية عام 2026، بعد شهر آذار الذي شهد 321 انتهاكًا، متجاوزًا بذلك عدد الانتهاكات المسجلة خلال نيسان، بواقع 254 انتهاكًا.
وأوضحت بيانات المركز أن القوات الإسرائيلية ارتكبت 1752 انتهاكًا داخل سوريا، منذ بداية عام 2026 حتى نهاية شهر آب.
احتمالات التصعيد واستعدادات دمشق
المنظومة الإقليمية تعيش حالة من الفوضى والحرب فيها مستمرة، وسوريا مسرح لفعاليات هذه الحرب بين إسرائيل وإيران، وفق ما يراه الباحث في “المركز السوري لدراسات الأمن والدفاع” (مسداد) لورانس الشمالي.
وقال الشمالي لعنب بلدي، إن سوريا تحاول ضبط نفسها أمام الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة، وتمتلك دمشق أدوات وأوراقًا عديدة للضغط الأمني والعسكري على إسرائيل.
وأضاف أن إسرائيل تدرك بشكل حقيقي الخطر الذي تشكله الجغرافيا السورية عليها في حال اختارت سوريا التصعيد العسكري ضد إسرائيل.
وشرح وجهة نظره بأن سوريا تمتلك القدرة على بناء تحالفات جديدة لفواعل تشكل تهديدًا لإسرائيل، كما تمتلك موارد بشرية لديها خبرات عسكرية عملية.
إضافة إلى ذلك، تحاول إسرائيل الحفاظ على أمن حدودها مع سوريا نظرًا إلى ما تشكله من تهديد لإسرائيل.
الرئيــس الســوري أحمــد الشــرع يلتقــي وفــدًا مــن الكونجــرس الأمريكــي والمبعــوث الأمريكــي الخاص إلى ســوريا تــوم براك في تركيــا – 8 تموز 2026 (رئاســة الجمهورية)
الموقف الإقليمي.. تركيا والأردن بين النفوذ والوساطة
يطرح التصعيد الإسرائيلي في العمق السوري تساؤلات متزايدة حول طبيعة الأدوار الإقليمية في الملف السوري، ولا سيما فيما يتعلق بتركيا التي تسعى إلى تثبيت نفوذها في سوريا، والأردن الذي يتحرك بحذر بين مصالحه الأمنية المباشرة وعلاقاته مع واشنطن وتل أبيب.
ضربة مطار “أبو الظهور”، التي تجاوزت فيها إسرائيل حدودها المعتادة في التعامل مع الأجواء السورية، أعادت خلط الأوراق بين أنقرة وعمان، وجعلت من السؤال عن حدود الدورين التركي والأردني جزءًا أساسيًا من أي مقاربة لمستقبل الصراع السوري- الإسرائيلي.
حسابات النفوذ والاستقرار
المحلل السياسي درويش خليفة يرى أن وصول الطيران الإسرائيلي إلى مطار “أبو الظهور” في الشمال السوري، خارج نطاق الاستخدام المعتاد للأجواء السورية من قبل إسرائيل، يحمل مؤشرًا مهمًا على أن تل أبيب لا ترغب في وجود مؤسسة عسكرية سورية قادرة على إعادة بناء نفسها والنهوض من جديد لتصبح لاعبًا إقليميًا أو قوة مؤثرة في المنطقة.
وقال خليفة، لعنب بلدي، إن لدى إسرائيل مشكلة مع الوجود التركي في سوريا، إذ ترى أن دعم أنقرة لحركات إسلامية سياسية قد يؤثر في أمنها، خصوصًا أن إسرائيل فقدت جزءًا من صورتها كقوة مهيمنة أمنيًا في المنطقة بعد عملية “7 أكتوبر” (طوفان الأقصى).
وأضاف أن قادة الحكومة الإسرائيلية ظلوا يتغنون بأن إسرائيل هي سيدة المنطقة أمنيًا، لكن هذه الصورة تعرضت لانتكاسة كبيرة بعد ذلك التاريخ، وبالتالي فإن إسرائيل، ولا سيما حزب “الليكود” الحاكم، لا تريد أن تخسر المزيد من رصيدها الأمني والسياسي، خصوصًا أنها مقبلة على انتخابات بعد أقل من شهرين.
نحن أمام مرحلة جديدة تتشكل بعد استقرار المنطقة، وبعد الحرب مع إيران، وفي ظل سؤال أكبر يتعلق بمن ستكون له اليد العليا والنفوذ الأكبر في الإقليم.
درويش خليفة
محلل سياسي
وأشار خليفة إلى أن لدى تركيا مصلحة واضحة في رؤية سوريا مستقرة، لأن ذلك سينعكس على تجارتها وصادراتها، موضحًا أنه في السابق كانت بعض الصادرات التركية تتجه نحو ميناء حيفا ثم برًا إلى الأردن ودول الخليج.
أما اليوم فيمكن للشاحنات التركية أن تنتقل من غازي عينتاب في أقصى الجنوب التركي عبر الأراضي السورية وصولًا إلى الحدود السورية- الأردنية خلال نحو أربع إلى خمس ساعات، وفق خليفة، ما يعني خفض تكاليف النقل وفتح المعابر والطرق السورية أمام حركة الترانزيت والصادرات التركية.
ولفت إلى أن لدى تركيا مصلحة استراتيجية في أن تكون سوريا مستقرة، وأن تنتهي الحالة الفصائلية والميليشياوية، وأن تعود مؤسسات الدولة إلى العمل بصورة فاعلة، معتبرًا أن هناك تباينًا واضحًا في الرؤية بين سوريا وتركيا وإسرائيل، لكن المسألة أبعد من مجرد تنافس على السيطرة والنفوذ.
ويرى خليفة أن تركيا تتمتع بشعبية أكبر في المنطقة لأنها لم تدخل في عداء مباشر مع معظم دولها، بينما إسرائيل تحتل أراضي في لبنان وسوريا وفلسطين، ولذلك من الصعب أن تحظى بالقبول الشعبي والمجتمعي نفسه الذي تتمتع به تركيا.
استضافة بثقل أمني وجيوسياسي
فيما يتعلق باستضافة الأردن اللقاء الذي جمع وزير الخارجية السوري ورئيس جهاز الاستخبارات من جهة، ورئيس جهاز “الموساد” الإسرائيلي من جهة أخرى، يعتقد درويش خليفة أن هذا الاجتماع كان بداية لمسار دفع به المبعوث الأمريكي توم براك.
وقال خليفة، لعنب بلدي، إن للأردن مصلحة أمنية مباشرة في استقرار الجنوب السوري، فاستمرار الاضطراب هناك وبقاء السويداء خارج سلطة الدولة السورية قد يفتح المجال أمام أنشطة تهريب المخدرات و”الكبتاجون” باتجاه الأراضي الأردنية، حتى وإن كانت هذه التحركات تحدث على فترات متباعدة، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على الأمن والاستقرار في الأردن.
وأضاف أن التمدد الإسرائيلي في الجنوب السوري ووصوله إلى مناطق قريبة من حوض اليرموك وسد “الوحدة” يضيف بُعدًا آخر للمسألة، فهذه المنطقة مرتبطة بالأمن المائي لكل من سوريا والأردن، وبالتالي فإن البلدين متأثران بشكل أو بآخر بما يحدث في الجنوب السوري، سواء على المستوى الأمني أو المائي.
ووفق الباحث، فإن اختيار الأردن لاستضافة هذا اللقاء كان مهمًا جدًا، فمن جهة يتيح له الاطلاع على مجريات المفاوضات وما يتم التوصل إليه من تفاهمات، ومن جهة أخرى يمكنه تقديم دعم واستشارات للجانب السوري، فضلًا عن تعزيز علاقاته مع الولايات المتحدة باعتباره طرفًا إقليميًا يمكن أن يسهم في إعادة الاستقرار إلى سوريا.
اختيار الأردن لاستضافة هذا اللقاء كان مهمًا جدًا، فمن جهة يتيح له الاطلاع على مجريات المفاوضات وما يتم التوصل إليه من تفاهمات، ومن جهة أخرى يمكنه تقديم دعم واستشارات للجانب السوري، فضلًا عن تعزيز علاقاته مع الولايات المتحدة باعتباره طرفًا إقليميًا يمكن أن يسهم في إعادة الاستقرار إلى سوريا.
درويش خليفة
محلل سياسي
واعتبر خليفة أن الولايات المتحدة تريد تهدئة حالة التنافس القائمة بين إسرائيل وتركيا، والتفرغ مع حلفائها الإقليميين للملف الإيراني، سواء لاحتواء ما تعتبره واشنطن سلوكًا إيرانيًا مزعزعًا للاستقرار، أو لإعادة إيران في مرحلة لاحقة إلى موقع الدولة الطبيعية داخل النظام الإقليمي.
وتابع أن نجاح الولايات المتحدة في دفع المنطقة، وخصوصًا سوريا وجنوبها، نحو حالة من الاستقرار سينعكس إيجابًا على شعوب المنطقة وعلى المصالح الأمريكية فيها، كما قد يسهم في الحد من فرص دخول الصين بقوة إلى هذه المنطقة والاستفادة من موقعها الجيوسياسي ومقدراتها الاقتصادية.
وختم بالقول إن استضافة الأردن لهذا اللقاء لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مجرد اختيار لمكان الاجتماع، وإنما باعتبارها جزءًا من ترتيبات إقليمية أوسع تتداخل فيها المصالح الأمنية السورية والأردنية والإسرائيلية والتركية مع الحسابات الأمريكية المتعلقة بمستقبل المنطقة.
آثار الدمار الذي لحق بمبنى هيئة الأركان في العاصمة السورية دمشق إثر ضربات إسرائيلية – 16 تموز 2025 (AFP)
موقف أردني ثابت وحياد مستمر
من جهته، يرى الخبير السياسي والأمني الأردني الدكتور عامر سبايلة، أن الموقف الأردني لم يتطرق لموضوع تركيا بشكل خاص، لكنه يتحدث دائمًا عن الجغرافيا السورية والحفاظ عليها كما هي، وهذا ينطبق على تركيا حتى لو كان بصيغة غير مباشرة، معتبرًا أن من المستغرب عدم وجود تصريح مباشر بهذا الشأن.
وقال سبايلة، لعنب بلدي، إن الأردن يتحدث دائمًا عن وحدة الأراضي السورية وعدم القيام بأمور تزعزع استقرار سوريا.
وأضاف أن الموقف الأردني لن يتغير حتى لو أصبح هناك تصعيد، فالأردن غير معني بالنزاعات أو بالتورط بأي شيء.
صحيح أن ما يجري بالجغرافيا السورية ينعكس على الأردن مباشرة، لكنه أدار هذا الموضوع على مدار 15 سنة من الأزمة السورية، وفق سبايلة.
وذكر أن الأردن بالنسبة للولايات المتحدة عندما يتعلق الأمر بسوريا هو أقرب جغرافيًا، وتتعامل معه واشنطن كنقطة متابعة لما يجري، فعلى مدار الأزمة السورية كان مركز الاستطلاع ومركز التنسيق دائمًا في الأردن لأي ملف مرتبط بسوريا.
الأردن بالنسبة للولايات المتحدة عندما يتعلق الأمر بسوريا هو أقرب جغرافيًا، وتتعامل معه واشنطن كنقطة متابعة لما يجري، فعلى مدار الأزمة السورية كان مركز الاستطلاع ومركز التنسيق دائمًا في الأردن لأي ملف مرتبط بسوريا.
د. عامر سبايلة
خبير سياسي وأمني أردني
ولفت سبايلة إلى أن الأردن يشكل نقطة مهمة لمتابعة الأمور في سوريا أو في الجنوب السوري تحديدًا، باعتباره حليفًا للولايات المتحدة، مع وجود أمريكي وقرب جغرافي، فمنطقيًا تشكل عمان نقطة ارتكاز أساسية لواشنطن في إدارة الملف السوري.
الموقف الأمريكي.. بين الوساطة والالتزام بإسرائيل
بات الدور الأمريكي في الملف السوري حاضرًا في محاولات احتواء التوتر بين سوريا وإسرائيل، والدفع نحو تفاهمات أمنية تحول دون انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع.
لكن في المقابل، لا تزال واشنطن تحافظ على التزامها الاستراتيجي تجاه إسرائيل، ما يطرح تساؤلات حول حدود قدرتها على الجمع بين دور الوسيط وشراكتها الوثيقة مع تل أبيب.
هذا التوازن برز بصورة أوضح عقب الضربة الإسرائيلية على قاعدة “أبو الظهور”، إذ انتقد المبعوث الأمريكي إلى سوريا، توم براك، العملية، معتبرًا أنها لا تخدم جهود خفض التصعيد، كما كشف أن واشنطن تعمل على آلية لمنع الاحتكاك بين سوريا وإسرائيل وتركيا، في وقت أكدت الإدارة الأمريكية أن سياستها تجاه القضايا الأساسية وفي مقدمتها الجولان لم تتغير.
وفي ظل استمرار المساعي الأمريكية لإحياء التفاهمات الأمنية، يبرز سؤال حول طبيعة الدور الذي يمكن أن تؤديه واشنطن إذا تعثر هذا المسار، وما إذا كانت ستكتفي بإدارة التصعيد، أم أنها تملك أدوات فعلية للتأثير في مسار العلاقة بين دمشق وتل أبيب.
المعطيات هذه تثير التساؤلات حول حدود النفوذ الذي تملكه واشنطن في إدارة الصراع السوري- الإسرائيلي، والعلاقة بين جهودها لخفض التصعيد والتزامها التقليدي بدعم إسرائيل، إضافة إلى السيناريوهات المحتملة في حال فشل المسار الأمني.
مسار مبكر
يرى عضو مجلس إدارة المجلس السوري- الأمريكي زكي لبابيدي أن الولايات المتحدة لم تدخل مؤخرًا على خط الوساطة بين سوريا وإسرائيل، وإنما بدأت هذا الدور منذ سقوط نظام الأسد، مع تعيين السفير الأمريكي براك مسؤولًا عن الملف السوري، معتبرًا أن واشنطن أدركت منذ البداية أن التطورات في سوريا قد تقود إلى تصعيد إقليمي إذا لم يتم الاحتواء مبكرًا.
وقال لبابيدي، لعنب بلدي، إن الضربات الإسرائيلية التي استهدفت القواعد والمطارات العسكرية السورية بعد سقوط النظام جاءت نتيجة عدم ثقة إسرائيل بالسلطة الجديدة، وسعيها إلى تعطيل القدرات العسكرية السورية ومنع إعادة بنائها.
واشنطن كانت تدرك أن استمرار هذا المسار قد يفتح الباب أمام مواجهة أوسع في الشرق الأوسط، وهو ما لا يتوافق مع سياسة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، الذي يفضل تجنب الحروب.
وأضاف أن الضربة الإسرائيلية على مطار “أبو الظهور” لا يمكن فصلها عن المخاوف الإسرائيلية من تنامي الحضور التركي داخل سوريا، موضحًا أن تل أبيب تخشى، وفق تقديره، من نشر منظومات دفاع جوي تركية قد تحدّ من حرية سلاحها الجوي، التي تعد إحدى أهم ركائز تفوقها العسكري.
وبحسب لبابيدي، رأت الولايات المتحدة أن الضربة الإسرائيلية لم تخدم جهود خفض التصعيد، لأنها جاءت في وقت كانت واشنطن تعمل على تثبيت تفاهمات تمنع توسع التوتر في المنطقة.
وأضاف أن الإدارة الأمريكية تدرك أيضًا أن حكومة بنيامين نتنياهو تسعى إلى إبقاء سوريا في حالة عدم استقرار، بينما تنطلق السياسة الأمريكية من رؤية مختلفة تقوم على استقرار سوريا سياسيًا واقتصاديًا.
بحسب رأي لبابيدي، فإن واشنطن لا تريد فتح جبهة جديدة في وقت لا تزال المنطقة تعيش تداعيات المواجهة مع إيران، كما أنها لا ترغب في أي صدام بين إسرائيل وتركيا، نظرًا إلى أن أنقرة حليف رئيس للولايات المتحدة في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وتربطها علاقات مباشرة مع إدارة ترامب، فضلًا عن إدراك واشنطن لحجم القدرات العسكرية التركية.
واشنطن لا تريد فتح جبهة جديدة في وقت لا تزال فيه المنطقة تعيش تداعيات المواجهة مع إيران، كما أنها لا ترغب في أي صدام بين إسرائيل وتركيا، نظرًا إلى أن أنقرة حليف رئيس للولايات المتحدة في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وتربطها علاقات مباشرة مع إدارة ترامب، فضلًا عن إدراك واشنطن لحجم القدرات العسكرية التركية.
د. زكي لبابيدي
عضو مجلس إدارة المجلس السوري- الأمريكي
ويرى أن الاجتماع السوري- الإسرائيلي الذي عقد في الأردن لم يكن ليتم لولا الضغوط الأمريكية، معتبرًا أن واشنطن مارست ضغطًا على إسرائيل للدخول في هذا المسار بهدف خفض التصعيد ووقف الغارات، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة لا تضع سقفًا لدورها في منع أي مواجهة بين سوريا وتركيا وإسرائيل، لأنها تعتبر استقرار المنطقة جزءًا من مصالحها المباشرة.
تباين مع حكومة نتنياهو
اعتبر لبابيدي أن المبعوث الأمريكي توم براك يواجه ضغوطًا إسرائيلية بسبب مواقفه الداعمة لاستقرار سوريا، وبسبب تقارب رؤيته مع الموقفين السوري والتركي، موضحًا أن براك يدفع باتجاه إعادة بناء الدولة السورية وتحسين واقعها الاقتصادي، بينما تتعارض هذه المقاربة، بحسب رأيه، مع سياسة حكومة بنيامين نتنياهو، التي ترى أن بقاء سوريا في حالة ضعف وفوضى يحقق مصلحة إسرائيل الأمنية.
وأضاف أن هذا التباين انعكس أيضًا في خطوات اتخذتها واشنطن، مثل رفع العقوبات الأمريكية، والعمل على إزالة اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، لافتًا إلى أن هذه الإجراءات جاءت ضمن رؤية أمريكية أوسع تقوم على دعم استقرار سوريا وإعادة دمجها اقتصاديًا، رغم الضغوط التي مارستها جهات مؤيدة لإسرائيل داخل الولايات المتحدة لعرقلة هذا المسار.
وقال إن نفوذ اللوبي الإسرائيلي في واشنطن لا يزال حاضرًا، لكنه لم يعد بالقوة نفسها التي كان يتمتع بها في السابق، وإلا لما شهدت السياسة الأمريكية هذا الانفتاح تجاه سوريا، مضيفًا أن ترامب ينظر إلى استقرار سوريا باعتباره عنصرًا أساسيًا في استقرار الشرق الأوسط، وفي إنجاح مشاريع اقتصادية إقليمية كبرى، مثل خطوط نقل النفط والسكك الحديدية التي تربط الخليج بالبحر المتوسط عبر الأراضي السورية.
اجتماع ثلاثي في العاصمة الأردنية عمّان بين كل من وزير الخارجية الأردني ووزير الخارجية السوري والمبعوث الأمريكي إلى سوريا – 12 آب 2025 (وزارة الخارجية السورية)
الاتفاق الأمني والجولان
الاتفاق الأمني الذي تسعى إليه واشنطن، بحسب لبابيدي، لا يرتبط بموقفها من الجولان، بل يهدف إلى خلق بيئة مستقرة تسمح بإطلاق مشاريع اقتصادية إقليمية، وتعزز حضور الولايات المتحدة في المنطقة، وتحد من النفوذ الروسي والصيني، خاصة بعد تقليص الدور العسكري الروسي في سوريا.
وأضاف أن أي تسوية بين سوريا وإسرائيل تمثل، من وجهة نظر واشنطن، شرطًا أساسيًا لإنجاح هذه المشاريع، موضحًا أن الاعتراف الأمريكي بسيادة إسرائيل على الجولان كان قرارًا اتخذه ترامب خلال ولايته الأولى تنفيذًا لوعد انتخابي، في حين لا يزال هناك داخل الولايات المتحدة مسؤولون يعتبرون الجولان أرضًا سورية محتلة، ويرون أن القرار لم يكن موفقًا.
وسبق أن قال المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، براك، إن تصريحه حول احتلال إسرائيل للجولان السوري كان وصفًا للوضع التاريخي للمسألة.
وأضاف براك في تصريح لوكالة “أسوشيتد برس” الأمريكية، نشرته في 24 من آب الماضي، أن الرئيس الأمريكي، ترامب، حدد سياسة الولايات المتحدة بشأن الجولان في 2019.
تصريحات براك هذه جاءت تعقيبًا على حديث سابق له حول احتلال إسرائيل للجولان، في مخالفة لاعتراف ترامب بالسيادة الإسرائيلية على المنطقة.
وذكر لبابيدي أن الولايات المتحدة تمارس ضغوطًا كبيرة لمنع أي مواجهة بين إسرائيل وتركيا، لأن مثل هذا السيناريو لا يخدم مصالح أي من الطرفين، كما أن التطور الكبير في الصناعات الدفاعية والقدرات العسكرية التركية يجعل تكلفة أي مواجهة مرتفعة، ما يجعل خطر التصعيد العسكري المباشر محدودًا في المرحلة الحالية.
الولايات المتحدة تمارس ضغوطًا كبيرة لمنع أي مواجهة بين إسرائيل وتركيا، لأن مثل هذا السيناريو لا يخدم مصالح أي من الطرفين، كما أن التطور الكبير في الصناعات الدفاعية والقدرات العسكرية التركية يجعل تكلفة أي مواجهة مرتفعة، ما يجعل خطر التصعيد العسكري المباشر محدودًا في المرحلة الحالية.
د. زكي لبابيدي
عضو مجلس إدارة المجلس السوري- الأمريكي
