في 8 من أيلول من كل عام، تتجه أنظار مسيحيي سوريا وبلاد المشرق إلى صيدنايا، حيث يحتفلون بعيد “سيدة صيدنايا”، المرتبط بعيد ميلاد السيدة العذراء، في وقت تستمر فيه صيدنايا باستقبال الزوار والحجاج الذين ارتبطت ذاكرتهم الدينية بالمكان على مدى قرون.
واكتسب العيد اسمه من ارتباطه التاريخي بالدير الذي يحمل اسم السيدة، والذي تحوّل على مدى قرون إلى مقصد للحجاج القادمين من سوريا ولبنان والأردن، ومن مناطق أبعد.
في التقويم الأرثوذكسي، يحتل 8 من أيلول مكانة خاصة، فهو عيد ميلاد السيدة مريم، ويأتي في بداية السنة الطقسية للكنيسة الأرثوذكسية، بينما يأتي عيد رقادها في 15 من آب، في ختام دورة الأعياد السيدية، وتربط الكنيسة بين ولادة مريم وبين بداية بشائر الخلاص، باعتبارها والدة المسيح.
لكن خصوصية 8 من أيلول في سوريا ترتبط بصورة أكبر بصيدنايا وديرها، ويعود تاريخ الدير إلى قرون بعيدة، بينما تنسب الرواية التقليدية تأسيسه إلى الإمبراطور البيزنطي يوستينيانوس في القرن السادس، بعد ظهور العذراء له في أثناء رحلة صيد.
إلا أن بطريركية أنطاكية نفسها تشير إلى أن هذا الجزء من تاريخ الدير يقوم على التقليد والرواية، ولا توجد وثائق حاسمة تثبت أن يوستينيانوس هو مؤسس الدير.
وفي الدير توجد الأيقونة الشهيرة المعروفة باسم “الشاغورة”، التي ينسب التقليد الكنسي رسمها إلى القديس لوقا، وترتبط بها روايات كثيرة عن العجائب والشفاء، وهو ما أسهم في تكريس مكانة صيدنايا كموقع للحج والصلاة.
طقوس تسبق العيد
لا يبدأ عيد صيدنايا صباح 8 من أيلول، بل في 7 من الشهر نفسه، أي عشية العيد، إذ تقام في صيدنايا مراسم زياح أيقونة السيدة، في تقليد يحظى بحضور شعبي كبير. ففي عام 2024، وثقت بطريركية أنطاكية إقامة زياح بأيقونة سيدة صيدنايا قبل صلاة الغروب الاحتفالية، بحضور عدد كبير من المؤمنين والزوار.
وتروي بطريركية أنطاكية أن تقليد استقبال الحجاج يبدأ عند العمود الموجود في وسط البلدة، حيث تُستقبل الجموع براية الصليب، ثم يبدأ الزياح باتجاه الدير، وسط التراتيل والأناشيد، فيما كانت الألعاب النارية جزءًا من المشهد الاحتفالي التقليدي.
وفي اليوم التالي، يقام القداس الإلهي في الدير احتفالًا بعيد ميلاد السيدة، بمشاركة رجال الدين والمؤمنين القادمين من مناطق مختلفة.
وفي السنوات السابقة، كانت المناسبة تجمع بين الطقس الديني والمشهد الاجتماعي الأوسع: الحجاج في الدير، الأهالي الذين يستقبلون الضيوف، والعائلات التي تتوافد إلى البلدة لقضاء المناسبة.
من دمشق وحلب وحمص.. إلى صيدنايا
أهمية عيد السيدة لا تتوقف عند أبناء صيدنايا، فعلى مدى عقود، تحولت المناسبة إلى موعد سنوي يقصد فيه مسيحيون من مناطق سورية مختلفة دير السيدة.
ويأتي زوار العيد من أنحاء سوريا ولبنان، فيما وثقت مناسبات سابقة حضور مؤمنين من سوريا ولبنان والأردن.
في قداس عيد ميلاد السيدة عام 2023، ذكرت بطريركية أنطاكية أن المحتفلين قدموا من مناطق متعددة من سوريا ولبنان والأردن.
وهذا الحضور ليس ظاهرة حديثة، فالمصادر التاريخية المرتبطة بالدير تشير إلى أن صيدنايا كانت محطة للحجاج المتجهين إلى الأراضي المقدسة منذ العصور الوسطى، وكان الحجاج يتوقفون فيها للصلاة أمام أيقونة العذراء وطلب البركة.
ومع مرور الوقت، تحولت البلدة نفسها إلى أحد أبرز مراكز الحج المسيحي في المنطقة، إذ شهدت سابقًا قدوم حجاج من لبنان والأردن، إضافة إلى زوار من بلدان غربية، كما أن هناك تقليدًا لدى عائلات مسيحية عربية بتعميد أطفالها في صيدنايا، وقدوم قبائل مسيحية أردنية إلى الدير خلال أيلول لتعميد الأطفال الذين ولدوا خلال العام السابق.
عندما كانت صيدنايا تستقبل الحجاج من خارج سوريا سابقًا، كانت جزءًا من فضاء ديني واجتماعي أوسع في المشرق، فالحجاج القادمون إلى الأراضي المقدسة كانوا يمرون بصيدنايا، فيما ازداد عدد الحجاج الغربيين إلى الدير منذ القرن الـ13، بعدما ذاعت شهرة الموقع وأيقونته.
وفي الذاكرة المحلية، لم يكن عيد “سيدة صيدنايا” مناسبة دينية فحسب، بل موسمًا اجتماعيًا واسعًا، إذ كانت الجموع تأتي من دمشق وحلب وحمص ومدن وقرى سورية ولبنانية وفلسطينية، حتى إن المناسبة كانت تستقطب مسيحيين من مناطق مختلفة، إلى جانب مسلمين أيضًا، ما منح العيد طابعًا شعبيًا تجاوز حدوده الطائفية في المنطقة.
وكانت صيدنايا، في تلك الأيام، تتحول إلى مدينة للضيوف: تمتلئ ساحات الدير والبلدة بالحجاج، وتفتح بعض العائلات منازلها لاستقبال القادمين، بينما تنتشر حلقات الدبكة والأطعمة والمظاهر الشعبية في محيط الدير، وفق الوصف الذي تركته مصادر تاريخية عن احتفالات العيد.
وهكذا، لم يكن الحج إلى صيدنايا مجرد رحلة دينية، بل مناسبة تعيد وصل العائلات والمناطق والبلدان التي يجمعها الإرث الأنطاكي والمسيحي المشرقي.
عيدان مختلفان
يمثل 8 من أيلول عيد ميلاد السيدة العذراء مريم، أما 15 من آب فهو عيد رقاد السيدة مريم (انتقالها للسماء)، ويرتبط بنهاية حياتها الأرضية وانتقالها إلى المجد السماوي، وفقًا للدين المسيحي.
وقد يبدو الأمر متشابهًا عند أغلبية الناس من خارج الديانة المسيحية، لأن العيدين مرتبطان بالسيدة العذراء، لكنهما مناسبتان مختلفتان تمامًا.
لكن هناك مفارقة لافتة في التقويم الأرثوذكسي، فالعيدان يحيطان تقريبًا بالدورة السنوية كلها، إذ يأتي عيد ميلاد السيدة العذراء في 8 من أيلول في بداية السنة الطقسية، بينما يأتي عيد رقادها في 15 من آب في نهايتها، ولهذا تصف بطريركية أنطاكية العذراء بأنها تحمل في مسيرتها دورة الأعياد الليتورجية من بدايتها إلى نهايتها.
ومن هنا يمكن فهم خصوصية “عيد سيدة صيدنايا”، فهو في جوهره عيد ميلاد العذراء الذي تحتفل به الكنيسة في 8 من أيلول، لكنه في سوريا اكتسب اسمًا وذاكرة خاصة لأن صيدنايا وديرها تحولا، عبر قرون طويلة، إلى المكان الذي يجتمع فيه المؤمنون حول هذا العيد.
واليوم، حين يُقال “عيد صيدنايا”، فإن المقصود ليس عيدًا خاصًا بأبناء البلدة وحدهم، بل مناسبة دينية أوسع ارتبط اسمها بالمكان الذي أصبح واحدًا من أبرز رموز الحج المسيحي في سوريا والمشرق.
الفرح داخل أسوار الكنائس.. صيدنايا ومرمريتا تتحفظان على الاحتفالات
