أصدرت وزارة التنمية الإدارية، قرارًا يقضي بإحداث “إدارة تنمية الثقافة المؤسسية”، تهدف لترسيخ ثقافة مؤسسية حديثة في الجهات العامة.
واعتبرت الوزارة في بيان نشرته في 5 من أيلول، أن أهمية القرار من كونه ينقل ملف الثقافة المؤسسية من مستوى الشعارات العامة إلى مستوى العمل المنظم، عبر أدوات قياس، وبرامج تنفيذ، ومتابعة أثر، وتوثيق للممارسات الناجحة ونشرها، بما يدعم بناء بيئة حكومية “أكثر كفاءة والتزامًا” وقدرة على خدمة المواطن.
ومنذ وصول الإدارة السورية الجديدة إلى السلطة، اتجهت نحو إعادة تشكيل مؤسسات الدولة عبر موجة واسعة من الإعفاءات والتعيينات شملت عددًا كبيرًا من الوزارات والإدارات العامة، وبررت الحكومة هذه الخطوات بضرورات إعادة هيكلة المؤسسات بعد سنوات الحرب وإزالة آثار النظام السابق.
وبحسب الوزارة، تأتي الخطوة الجديدة ضمن التوجه لتعزيز التحول المؤسسي الشامل، وربط الإصلاح الإداري ليس فقط بالهياكل والتشريعات والأنظمة، بل أيضاً بثقافة العمل داخل المؤسسات، باعتبارها أحد العناصر الحاسمة في استدامة التطوير وتحسين الأداء الحكومي.
وتشهد المؤسسات والثقافة المؤسسية في سوريا مرحلة مفصلية من إعادة البناء والتحول بعد سقوط نظام الأسد، في كانون الأول 2024، حيث تسعى الجهات الحكومية والإدارية إلى الانتقال من عقود الاستبداد والهشاشة إلى مفهوم “المؤسساتية لدوى الدوائر” وترسيخ ثقافة عمل حديثة قائمة على الكفاءة والشفافية.
إطار مسار وطني للتحول المؤسسي
مدير إدارة تنمية الثقافة المؤسسية، أنس حشيشو، قال إن إحداث الإدارة المركزية يأتي في إطار مسار وطني للتحول المؤسسي في الجهاز الإداري للدولة.
ويهدف إلى تطوير الثقافة المؤسسية، وترسيخ منظومة القيم والسلوكيات المهنية التي تحكم بيئة العمل الحكومي، بما يشمل: المسؤولية، والنزاهة، والتعاون، والمبادرة، والقيادة، وجودة الخدمة.
وأكد حشيشو في حديث لقناة “الإخبارية السورية“، مساء الثلاثاء 8 من أيلول، أن قرار الوزير بإحداث إدارة متخصصة تتولى، بصورة منهجية، دعم انتقال القيم والمبادئ المؤسسية من مستوى النصوص والتوجهات إلى ممارسات وسلوكيات يومية قابلة للرصد والتطوير والقياس، يسهم في بناء بيئة عمل حكومية أكثر مهنية وفاعلية وقدرة على التغيير.
وبحسب شرح حشيشو، تعمل الإدارة عبر 4 وظائف متكاملة، وهي:
- تطوير المعايير والمؤشرات التي تترجم القيم المؤسسية إلى سلوكيات وممارسات قابلة للرصد والقياس.
- تشخيص واقع الثقافة المؤسسية في الجهات العامة.
- تمكين الجهات وكوادرها من قيادة عمليات التطوير والتغيير.
- تقديم التوصيات والتدخلات التطويرية المناسبة إلى متخذ القرار.
وكشف مدير إدارة تنمية الثقافة المؤسسية أن الإدارة تعتمد منهجية موحدة لتشخيص واقع الثقافة المؤسسية، وتطبّق قبل تصميم التدخلات التطويرية، وتقوم على مجموعة متكاملة من الأدوات تشمل:
- مراجعة الأنظمة والوثائق والبيانات المؤسسية ذات الصلة.
- قياس تصورات الموظفين والقيادات من خلال الاستبانات والمقابلات والمجموعات المركّزة.
- قياس تجربة متلقي الخدمة في الجهات التي تتعامل مباشرة مع الجمهور.
- وضع تقرير تشخيصي متكامل يحدد أنماط الثقافة السائدة، ومواطن القوة، والفجوات السلوكية والتنظيمية، ومخاطر النزاهة حيثما وجدت، ويضع خط أساس واضحًا.
- اعتماد نموذج لقياس النضج الثقافي والمؤسسي، يتيح تحديد مستوى تطور الثقافة في كل جهة، ومتابعة انتقالها بين مستويات النضج بصورة دورية.
وتبدأ المعالجة بتشخيص دقيق لكل جهة، لتحديد مواطن القوة، والفجوات، والتحديات الثقافية والسلوكية والتنظيمية الفعلية، بدلًا من التعامل مع الجهات بناءً على افتراضات عامة.
وأضاف أن الإدارة تعمل تدريجيًا على دمج القيم والسلوكيات المؤسسية في منظومات إدارة الموارد البشرية، ولا سيما في مجالات: التهيئة الوظيفية، والتدريب، وإدارة الأداء، والتطوير المهني، وفق الأطر التنظيمية المعتمدة بدلًا عن الاكتفاء بحملات التوعية الموسمية.
كما تطوّر الإدارة آليات آمنة ومحددة تتيح للموظفين تقديم المشورة والاستفسار حول المواقف والسلوكيات المهنية، واستقبال الملاحظات المتصلة بالثقافة المؤسسية، وتحيل الحالات التي تستوجب معالجة رقابية أو تأديبية إلى الجهات المختصة وفق الأصول.
أداء الموظف وجودة الخدمة
وأوضح حشيشو أن عمل الإدارة يتحقق عبر مسارين مترابطين، وهما: مسار داخلي يتعلق بأداء الموظف، ومسار خارجي يتعلق بجودة الخدمة، شارحًا:
المسار الأول: يسهم في جعل السلوك المتوقع من الموظف أكثر وضوحاً، وتعزيز المسؤولية والمبادرة والتعاون والعمل الجماعي، وتحسين أنماط القيادة والتواصل الداخلي، وبناء بيئة عمل أكثر عدالة ومهنية.
المسار الثاني: يقيس الإدارة من خلاله مباشرة العناصر السلوكية المرتبطة بتجربة متلقي الخدمة، وتشمل: حسن التعامل، ووضوح المعلومة، والعدالة في الدور، وعدم الحاجة إلى وساطة، وسرعة الاستجابة، إضافة إلى مستوى الثقة بالخدمة والمؤسسة العامة.
الخطط الزمنية والمراحل الأولية
نوّه حشيشو بأن الإدارة تعتمد تدرّجًا مؤسسيًا في التنفيذ،تتكون من مراحل متتابعة، وهي:
- مرحلة تأسيس مركزي لبناء الأدوات والمعايير والقوالب الوطنية.
- مرحلة تطبيق تجريبي في عدد محدود من الجهات العامة، تختار بعناية بحيث تمثل أنماطاً وبيئات مؤسسية مختلفة.
- مرحلة تقييم صريح.لأداء الأدوات نفسها وفاعلية التدخلات قبل تعميمها، وتعميم وطني تدريجي على بقية الجهات.
وأكد أن الوزارة تعطي الأولوية لجودة التطبيق وعمقه قبل التوسع العددي، بحيث تنجز دورة تطبيق متكاملة وموثقة في عدد محدود من الجهات، وتُستخلص منها الدروس، وتُطوّر الأدوات قبل الانتقال إلى نطاق أوسع.
أما الجدول الزمني التفصيلي، فهو مرتبط بتحقق شروط موضوعية موثّقة، لا بمدد جامدة، وبمدى جاهزية الأدوات والجهات المستهدفة، ونتائج مراحل التطبيق، حرصًا على سلامة القياس وجودة التنفيذ قبل التوسع.
وبيّن أن الإدارة تعتمد على قنوات رسمية متعددة لإدارة المعرفة ونشر التجارب الناجحة، وفيما يلي أبرزها: التقارير الدورية وتعد تقارير ربعية وسنوية، ترفع للوزير، وتوثق ما تحقق من تقدم في كل جهة، إلى جانب الدروس المستفادة من مراحل التنفيذ، بما يضمن شفافية المتابعة والتقييم، وقاعدة المعرفة المؤسسية توثق الأطر المنهجية، والممارسات المهنية، والتجارب الناجحة، والدروس المستفادة، وتشكل هذه القاعدة مرجعاً متاحاً للجهات العامة، بما يتيح تبادل الخبرات والاستفادة المتبادلة.
واعتبر أن مدونة السلوك الوظيفي التي أصدرتها الوزارة وعممتها على الجهات العامة، أوجبت في نصها ترجمة قيمها إلى مؤشرات سلوكية قابلة للقياس في كل جهة.
وبين أن تحويل تلك القيم إلى ممارسات مؤسسية راسخة لا يمكن أن يتم دون إطار مركزي ومنهجي يوحّد الأدوات والمعايير، ويدعم الجهات العامة في التطبيق، ويقيس مستوى التقدم والأثر بانتظام.
مطالب سابقة بالتشاركية داخل المؤسسات
ترتبط كفاءة المؤسسات العامة بالمؤهلات الفردية للعاملين فيها، وتمتد أيضًا إلى الكيفية التي تُصنع بها القرارات داخلها، ومدى مشاركة أصحاب الاختصاص والخبرة في رسم السياسات وتقييم الخيارات قبل اعتمادها.
ومع التغييرات الإدارية التي شهدتها مؤسسات الدولة السورية خلال مرحلة ما بعد سقوط نظام الأسد، برزت تساؤلات حول آليات اتخاذ القرار داخل المؤسسات الحكومية، وما إذا كانت تقوم على نهج تشاركي يتيح الاستفادة من الخبرات المتنوعة، أم أنها تتسم بالمركزية وما يترتب على ذلك من آثار في أداء المؤسسات وجودة الخدمات العامة.
ورأى الاستشاري والخبير الاقتصادي والإداري الدكتور رازي محيي الدين في حديث سابق مع عنب بلدي، أن إشراك أصحاب الاختصاص والخبراء والتكنوقراط هو أحد المبادئ الأساسية للإدارة الحديثة والحوكمة الرشيدة، موضحًا أن غياب هذه المشاركة يجعل القرارات أقل دقة وأكثر عرضة للأخطاء، ويزيد احتمالات هدر الوقت والموارد.
وقال محيي الدين، إن سوريا بحاجة إلى توسيع دائرة المشاركة والاستفادة من جميع الكفاءات الوطنية داخل البلاد وخارجها، بعيدًا عن أي اعتبارات غير مهنية، لأن تحديات إعادة بناء مؤسسات الدولة تتطلب تكامل الخبرات، لا الاعتماد على دائرة محدودة من الأشخاص.
واعتبر أن الفريق الإداري الجديد القادم من إدلب يمتلك خبرات ناجحة في بعض الجوانب، إلا أن إدارة مؤسسات الدولة السورية بحجمها وتعقيدها تتطلب خبرات أوسع في إدارة المؤسسات المركزية والقطاعات الاقتصادية والخدمية الكبرى، وهو ما يستدعي، بحسب الخبير، الاستفادة من مختلف الكفاءات السورية دون استثناء، ضمن بند التشاركية.
وأكد أن تركز القرار بيد عدد محدود من المسؤولين، مع غياب المشاورات المؤسسية، يرفع احتمالات اتخاذ قرارات لا تستند إلى معلومات كافية أو تقييم موضوعي للبدائل، وهو ما ينعكس في تأخر تنفيذ المشاريع، وهدر المال العام، وضعف استثمار الموارد وتكرار الأخطاء، إلى جانب خلق بيئة عمل لا تشجع أصحاب الكفاءات على المبادرة أو تحمل المسؤولية.
