قبل نحو عامين، رزق محمود العلي، من سكان مدينة الحسكة، بابنته “ليان”. ولدت الطفلة قبل سقوط النظام السابق بنحو ثلاثة أشهر، لكن والدها لم يتمكن حتى اليوم من استكمال تسجيلها رسميًا، في ظل تعطل الدائرة التي يفترض أن تنجز معاملتها.
كبرت ليان، بينما بقيت معاملتها عالقة، بحسب والدها، الذي يقول إنه حاول خلال الفترة الماضية معرفة الجهة التي يمكنه مراجعتها لتثبيت واقعة الولادة، لكنه لم يتمكن من الوصول إلى حل نهائي.
يقول العلي، لعنب بلدي، إن المشكلة بدأت مع الظروف التي شهدتها المحافظة خلال المرحلة الماضية، واستمرت مع عدم عودة عدد من الدوائر الحكومية إلى العمل بصورة طبيعية.
لم يتوقع أن تسجيل ابنته سيحتاج إلى كل هذا الوقت. ويضيف العلي: “كل ما أريده هو أن تكون لديها أوراق رسمية تثبت ولادتها، لكنني حتى الآن لا أعرف أين يمكنني إنهاء المعاملة. يقول لي بعض الأصدقاء سافِر إلى دمشق. إنه أمر مكلف”.
ولا يرى العلي أن مشكلته تتعلق بمعاملة شخصية فقط، إذ يخشى من أن يؤدي استمرار عدم تسجيل ابنته إلى تعقيد معاملات أخرى مرتبطة بها مستقبلًا، خصوصًا مع تقدمها في العمر وحاجتها إلى وثائق رسمية لإتمام إجراءات الدراسة وغيرها.
قصة محمود وليان تختصر جانبًا من مشكلة يعيشها سكان في محافظة الحسكة، حيث لا تزال دوائر حكومية خدمية في مدن الحسكة والقامشلي وعامودا والدرباسية والمالكية مغلقة بصورة كاملة، بينها الأحوال المدنية “النفوس”، والمحاكم المركزية، والسجلات العقارية، إلى جانب مؤسسات ودوائر أخرى.
وتأتي هذه الحالة رغم بدء مسار دمج المؤسسات الحكومية مع المؤسسات التي كانت تديرها “قسد” في المحافظة، بعد اتفاق 29 من كانون الثاني 2026، الذي نص على دمج المؤسسات العسكرية والأمنية والخدمية ضمن هياكل الدولة.
وبعد أشهر من بدء خطوات الدمج، ما تزال معاملات مواطنين معلقة، بينما يواجه أصحابها مشكلة إضافية تتمثل في عدم وضوح الجهة التي يمكن مراجعتها لإنجاز معاملاتهم.
معاملات عالقة خلف أبواب مغلقة
لا تتوقف انعكاسات عدم تفعيل الدوائر عند تأخير استخراج وثيقة أو إنجاز معاملة، إذ ترتبط بعض الإجراءات الحكومية بسلسلة من المعاملات التي تعتمد كل واحدة منها على الأخرى.
ويقول خالد إبراهيم، وهو مواطن من ريف الحسكة، إنه حاول إنجاز معاملة مرتبطة بوضع عائلي، لكنه لم يتمكن من استكمالها بسبب توقف الجهة المختصة بعد سقوط النظام السابق.
ويضيف أن أكثر ما يربك المواطنين هو عدم وجود مسار واضح لإنجاز بعض المعاملات، موضحًا: “عندما تذهب إلى الدائرة تجدها مغلقة، وعندما تسأل عن البديل لا تحصل على جواب واضح. أحيانًا يقال لك انتظر، وأحيانًا يقال لك راجع دمشق”.
ويقول إبراهيم إن المشكلة دفعت بعض المواطنين إلى تأجيل معاملاتهم إلى حين عودة المؤسسات إلى العمل، لكنه يرى أن التأجيل يصبح أكثر صعوبة عندما تكون المعاملة مرتبطة بموعد أو بإجراء آخر.
ويتابع: “المواطن يستطيع أن ينتظر أيامًا أو أسابيع، لكنه لا يستطيع أن يبقى لأشهر من دون أن يعرف متى ستفتح الدائرة أو أين يمكن أن ينهي معاملته”.
المواطنة سمر أحمد، قالت لعنب بلدي، إن تعطل المؤسسات جعل بعض الأهالي يعتمدون على المعلومات المتداولة بين السكان لمعرفة مصير معاملاتهم.
وتوضح أن المشكلة لا تقتصر على إغلاق الباب أمام المراجعين، وإنما تمتد إلى غياب المعلومات المتعلقة بالإجراءات البديلة.
وتقول أحمد: “حتى عندما تسأل عن موعد عودة الدائرة، لا تحصل على موعد محدد. وهذا يجعل الناس في حالة انتظار مستمرة”.
السجل العقاري.. معاملات مرتبطة بالملكية
في السجلات العقارية، تأخذ المشكلة بعدًا مختلفًا، إذ ترتبط المعاملات بحقوق الملكية والبيع والشراء والإرث ونقل الملكية، وهي إجراءات تحتاج إلى سجلات ووثائق ومرجعيات رسمية واضحة.
ويقول فؤاد حسن، من مدينة الحسكة، إن لديه معاملة مرتبطة بعقار عائلي لم يتمكن من استكمالها بسبب عدم تفعيل الجهة المعنية.
ويضيف أن تأجيل المعاملة وضع العائلة أمام مشكلة في ترتيب إجراءات أخرى مرتبطة بالعقار.
“إذا كانت هناك مرحلة انتقالية في عمل المؤسسات فنحن نتفهم ذلك، لكن يجب أن يكون هناك بديل أو آلية مؤقتة حتى لا تبقى حقوق الناس معلقة”، يقول حسن.
ويرى أن استمرار تعطيل السجل العقاري يختلف عن تأخير خدمة يمكن الاستغناء عنها مؤقتًا، لأن معاملات الملكية قد ترتبط بأشخاص آخرين وبإجراءات قانونية ومالية.
ويضيف أن غياب المؤسسة المختصة يترك المواطن أمام خيارات مكلفة، كالسفر إلى العاصمة، خصوصًا عندما يحتاج إلى وثيقة أو قيد رسمي لإتمام معاملة أخرى.
المحاكم.. تعطيل يتجاوز المعاملة الإدارية
ولا تقتصر المؤسسات غير المفعلة على الدوائر المدنية والعقارية، إذ تشمل المشكلة المحاكم.
يقول المواطن ناصر عبد الله إن بعض الإجراءات القضائية تحتاج إلى جهة رسمية واضحة يمكن للمواطن أو محاميه مراجعتها.
ويضيف أن القضايا القضائية لا يستطيع الشخص أن يعتمد على الكلام المتداول بشأنها. “هناك ملفات وحقوق ومواعيد، ولذلك يجب أن تكون الجهة التي تنظر في القضية معروفة وتعمل بصورة واضحة”.
ويرى عبد الله أن غياب المؤسسة يترك المواطنين أمام حالة من عدم اليقين، خصوصًا بالنسبة إلى الأشخاص الذين لا يملكون القدرة على متابعة الإجراءات أو مراجعة أكثر من جهة.
المشكلة تصبح أكبر عندما يكون المواطن غير قادر على معرفة ما إذا كانت معاملته يمكن استكمالها في مكان آخر، أو ما إذا كان عليه الانتظار حتى إعادة تشغيل المؤسسة الأصلية، بحسب عبد الله.
من الانقسام الإداري إلى مرحلة الدمج
ترتبط حالة المؤسسات الحكومية في الحسكة بالتطورات السياسية والأمنية والإدارية التي شهدتها المحافظة خلال السنوات الماضية.
فبعد سقوط النظام السابق في 8 من كانون الأول 2024، بسطت “قسد” سيطرتها على ما كان يعرف بالمربعات الأمنية في مدينتي الحسكة والقامشلي، كما سيطرت على عدد من المنشآت والمؤسسات.
وترافق ذلك مع خروج عدد من المؤسسات الرسمية التابعة للحكومة المركزية عن العمل في مناطق سيطرة “قسد”، ما أدى إلى نشوء واقع إداري متعدد المرجعيات داخل المحافظة.
وفي مطلع عام 2026، شهدت الحسكة تغيرات ميدانية تمثلت بسيطرة الجيش السوري على الأرياف الجنوبية والشرقية وقسم من الأرياف الغربية، بينما بقيت “قسد” في المدن الكبرى، بينها الحسكة والقامشلي.
وفي 29 من كانون الثاني، اتفقت الحكومة السورية و”قسد” على البدء بدمج المؤسسات العسكرية والأمنية والخدمية في المحافظة ضمن الهياكل الوزارية الحكومية.
وبدأت خطوات الدمج بصورة تدريجية في شباط، إلا أن عودة المؤسسات إلى العمل لم تتم في جميع القطاعات بالوتيرة نفسها، وفق المعطيات التي يعكسها واقع الدوائر في المدن.
لماذا تأخر تفعيل الدوائر؟
يرتبط استمرار تعطل المؤسسات بطبيعة المرحلة الانتقالية التي تمر بها المحافظة، بعد سنوات من تعدد المرجعيات الإدارية، وفق يرى الناشط المدني عبد الرحمن الحسن.
ويقول الحسن، لعنب بلدي، إن المشكلة لا يمكن اختصارها بإغلاق مبنى حكومي، لأن المؤسسات التي تعطلت خلال السنوات الماضية كانت تعمل ضمن واقع إداري مختلف، وإعادتها إلى منظومة الدولة تحتاج إلى إعادة ترتيب المرجعيات والكوادر والسجلات وآليات العمل.
ويضيف أن الدمج بين المؤسسات لا يعني بالضرورة أن المؤسسة تعود إلى العمل في اليوم التالي، لأن هناك ملفات ووثائق وموظفين وإجراءات.
لكن الحسن يرى أن استمرار هذه المرحلة من دون آليات واضحة ينعكس مباشرة على المواطنين.
يتابع الحسن: “المواطن ليس طرفًا في الخلافات الإدارية أو السياسية، ولا يفترض أن يبقى هو من يدفع ثمنها من خلال تعطيل معاملاته”.
ويعتقد أن من أسباب الإشكالية أيضًا تراكم المشكلات الإدارية خلال سنوات الانقسام، وعدم وجود انتقال متزامن في جميع المؤسسات، إضافة إلى الحاجة إلى إعادة تنظيم الكوادر والملفات والسجلات وتحديد الصلاحيات.
وفق رأيه، الحل يبدأ من تحديد الدوائر التي لم تعد إلى العمل، ومعرفة سبب توقف كل دائرة على حدة، وتحديد الجهة المسؤولة عنها، ثم وضع جدول واضح لإعادة تشغيلها.
ويرى الحسن أن وجود بدائل مؤقتة يمكن أن يخفف من أثر المشكلة إلى حين اكتمال عملية الدمج، خصوصًا في الخدمات التي لا تحتمل معاملات مواطنيها الانتظار لفترات طويلة.
المواطن ينتظر المؤسسة لا التغيير الإداري
بالنسبة إلى المواطنين، لا ترتبط أهمية عودة الدوائر بالشكل الإداري الذي ستتخذه المؤسسات بقدر ارتباطها بقدرتها على تقديم الخدمة.
محمود العلي، والد الطفلة ليان، يقول إن السنوات الماضية شهدت تغييرات كبيرة في المؤسسات والجهات التي تديرها، لكن ما يعنيه اليوم هو إنهاء معاملة ابنته.
ويضيف: “لا أريد الدخول في تفاصيل من كان يدير المؤسسة ومن سيديرها. أريد فقط أن أعرف أين أذهب لتسجيل ابنتي، وما الأوراق التي أحتاج إليها، ومتى يمكن أن تنتهي المعاملة”.
وتتكرر الفكرة ذاتها لدى مواطنين لديهم معاملات عقارية أو قضائية أو مدنية عالقة، إذ يطالبون بمرجعية واضحة يمكن مراجعتها، بدل الانتقال بين المؤسسات والاستفسار عن مصير الدوائر.
