الزي الشعبي لنساء الحسكة.. موروث يقاوم التغيير

  • 2026/09/10
  • 1:15 م
امرأة من ريف الحسكة الجنوبي ترتدي الزي التقليدي – 8 أيلول 2026 (عنب بلدي)

امرأة من ريف الحسكة الجنوبي ترتدي الزي التقليدي – 8 أيلول 2026 (عنب بلدي)

enab_get_authors_shortcode

لا يزال الزي الشعبي حاضرًا في حياة نساء في محافظة الحسكة، رغم التغيرات التي طرأت على أنماط الحياة والملابس خلال العقود الماضية، إذ تحرص نساء مسنات على ارتدائه بصورة يومية أو في مناسبات مختلفة، بينما تعود فتيات إلى ارتدائه في الأفراح والمناسبات الاجتماعية، في محاولة للحفاظ على موروث تعتبره نساء من المنطقة جزءًا من هويتهن الثقافية.

وتسمي نساء في ريف الحسكة الجنوبي هذا اللباس “الزي العربي” أو “لباس العرب”، ويتكون من مجموعة قطع متكاملة تختلف تفاصيل استخدامها بين النساء بحسب العمر والمناسبة.

فضة الصالح (70 عامًا)، من سكان ريف الحسكة الجنوبي، لا تزال حريصة على ارتداء زيها التقليدي، وترى فيه امتدادًا لعادات وتقاليد نشأت عليها أجيال متعاقبة من نساء المنطقة.

وقالت فضة لعنب بلدي، “ما زلنا نرتدي الزي الشعبي”، مشيرة إلى أن تمسكها به يرتبط بعادات المنطقة وما ورثته النساء عن أمهاتهن وجداتهن.

واعتبرت أن ارتداء هذا اللباس لا يقتصر على كونه اختيارًا للملابس، بل يمثل بالنسبة إليها جزءًا من الحياة اليومية والذاكرة الاجتماعية، إذ تربط بين القطع التي يتكون منها الزي وبين صورة النساء في الأجيال السابقة.

وأضافت أن “اللباس الشعبي جزء أساسي من ثقافتنا”، مشيرة إلى وجود اهتمام بهذا الزي لدى نسبة كبيرة من النساء، ولا سيما النساء الأكبر سنًا، إلى جانب عودة الفتيات إلى ارتدائه في مناسبات مختلفة.

أربع قطع للزي

يتكون الزي الشعبي الذي تحدثت عنه فضة من أربع قطع أساسية، هي الثوب، و”الزبون” الذي يشبه العباءة، وعصبة الرأس المعروفة باسم “الهبرية”، إضافة إلى الحزام الذي يسمى “الشويحي”.

وذكرت فضة أن “الهبرية” تصنع من الحرير، بينما يصنع “الشويحي” من القطن أو الصوف الملون، ويتميز بألوان زاهية.

ويبلغ طول الحزام نحو ثلاثة أمتار، بينما يصل عرضه إلى أربعة سنتمترات، ويُلف حول الخصر، ليكون جزءًا من الهيئة العامة للزي.

وأشارت فضة إلى أن طريقة ارتداء هذه القطع وتنسيقها ترتبط بالعادات التي توارثتها النساء، معتبرة أن معرفة تفاصيل اللباس جزء من المعرفة الاجتماعية التي تنتقل بين الأجيال.

وبالنسبة إليها، فإن استمرار ارتداء الزي، رغم انتشار الملابس الحديثة، يمثل نوعًا من المحافظة على عادة قديمة لا تزال تجد مكانًا لها في المجتمع المحلي.

وقالت إن النساء لم يتخلين بصورة كاملة عن هذا اللباس مع تغير الظروف الاجتماعية وأنماط الحياة، إذ بقي حاضرًا خصوصًا لدى النساء المسنات، فيما تستخدمه الفتيات بصورة أكبر في المناسبات والأفراح.

“حشمة وأصالة“

رفعة الخالد (55 عامًا) تنظر إلى الزي الشعبي من زاوية أخرى، إذ تربط ارتداءه بالحشمة والأصالة، وقالت إن “ارتداء الزي الشعبي حشمة وأصالة”.

وترى رفعة أن الملابس التقليدية لا تؤدي وظيفة واحدة، بل تحمل في شكلها وطريقة ارتدائها مجموعة من الدلالات التي ترتبط بالعادات الاجتماعية.

وأشارت إلى وجود اختلاف بسيط بين لباس الفتيات ولباس النساء المسنات، موضحة أن لباس الفتيات يتكون من الثوب والعباءة والعصبة، إلى جانب “الهبرية”، وغالبًا ما يظهر في المناسبات والأفراح.

أما النساء الأكبر سنًا فقالت إن لباسهن يتكون من الثوب و”الزبون” و”الهباري” المصنوعة من الحرير، إلى جانب العصبة والحزام.

وأوضحت أن الاختلاف في تفاصيل اللباس لا يعني اختلافًا في أصل الزي، وإنما يرتبط بطريقة استخدامه وبالفئة العمرية والمناسبة التي ترتديه فيها المرأة.

وتحضر المناسبات الاجتماعية بوصفها مساحة لإظهار الزي الشعبي بصورة أوضح، خصوصًا لدى الفتيات اللواتي يرتدينه في الأفراح، في وقت تحافظ فيه النساء المسنات على أجزاء أكبر من اللباس التقليدي.

وقالت رفعة إن هذا الحضور يمنح الزي فرصة للاستمرار، إذ تنتقل بعض تفاصيله من الأمهات والجدات إلى الفتيات، حتى وإن تغيرت طريقة استخدامه أو اقتصرت على المناسبات.

مستمر مع اختلاف الغايات

يظهر استمرار الزي الشعبي في الحسكة بوصفه واحدًا من أشكال التداخل بين الموروث الاجتماعي والحياة الحديثة، فالنساء المسنات يحافظن على طريقة ارتدائه التي عرفنها منذ سنوات، بينما تستخدمه فتيات في مناسبات محددة، وهو ما يسمح ببقاء بعض عناصره حاضرة رغم تغير أنماط الملابس.

وقالت رفعة الخالد، إن ارتداء الفتيات للزي في الأفراح والمناسبات يمثل استمرارًا لهذه العادة، بينما يرتبط ارتداء النساء الأكبر سنًا بالتمسك بصورة أوسع باللباس التقليدي.

واعتبرت أن هذا الاستمرار مهم للحفاظ على ما تصفه بتراث المنطقة، خصوصًا أن الزي يحمل في تفاصيله قطعًا وأسماء وطرق ارتداء توارثتها النساء.

وأضافت أن “الزي الشعبي” لا يزال يحظى باهتمام كبير لدى أغلبية النساء، معتبرة أن بقاءه دليل على ارتباط النساء بعاداتهن القديمة.

حفظ الذاكرة

يرى الباحث الاجتماعي أحمد الحسن أن استمرار الزي الشعبي يمكن فهمه باعتباره شكلًا من أشكال الحفاظ على الذاكرة الاجتماعية، خصوصًا عندما ينتقل استخدامه من جيل إلى آخر.

وبحسب رأيه، فإن الملابس التقليدية لا تحمل قيمتها من شكلها فقط، وإنما من القصص والعادات المرتبطة بها، ومن الأشخاص الذين ارتدوها وطريقة حضورها في المناسبات الاجتماعية.

وأشار الحسن إلى أن انتقال الزي من الاستخدام اليومي لدى بعض النساء إلى الاستخدام المرتبط بالمناسبات لدى فتيات قد يعكس تغيرًا في أنماط الحياة، لكنه لا يعني بالضرورة اختفاء الموروث.

ويرى أن بقاء أسماء القطع، مثل “الهبرية” و”الشويحي”، ومعرفة طريقة استخدامها، يمثل جانبًا من استمرار الذاكرة المرتبطة بالزي، حتى عندما تتغير الملابس التي تستخدمها الأجيال الجديدة في حياتها اليومية.

وأضاف أن المناسبات الاجتماعية تؤدي دورًا في إبقاء هذا الموروث حاضرًا، لأنها توفر مساحة لإعادة استخدام الملابس التقليدية وإظهارها أمام الأجيال الأصغر، ما يجعلها جزءًا من الذاكرة البصرية والاجتماعية للمجتمع.

ولا يقتصر الأمر على النساء اللواتي يرتدين الزي، بل يشمل أيضًا نقل المعرفة المتعلقة به، من طريقة تنسيق القطع إلى أسماء مكوناته والزينة التي ترافقه.

لباس يتجاوز وظيفته اليومية

بالنسبة إلى فضة الصالح ورفعة الخالد، يبدو الزي الشعبي أكبر من مجرد ملابس تقليدية، فهو مرتبط بالنسبة إليهما بالبيئة التي نشأتا فيها وبصورة المرأة في مجتمعهما وبالعادات التي انتقلت بين الأجيال.

وتحتفظ فضة بزيها بوصفه جزءًا من حياتها وعاداتها، بينما ترى الخالد فيه “حشمة وأصالة”، وتربط حضوره باستمرار بعض مظاهر التراث في المجتمع.

وبينما تتجه الملابس اليومية نحو أنماط أكثر تنوعًا بفعل التغير الاجتماعي، تظل قطع الزي التقليدي حاضرة في خزائن بعض النساء وفي المناسبات الاجتماعية، لتظهر من جديد في الأفراح والتجمعات العائلية.

وبين الجيل الذي حافظ عليه بوصفه لباسًا اعتاد عليه، والجيل الذي يعيد ارتداءه في المناسبات، يستمر الزي الشعبي في أداء دور يتجاوز الملابس نفسها، ليبقى أحد المظاهر التي تستحضر من خلالها نساء في الحسكة جانبًا من ذاكرة اجتماعية توارثنها عن الأجيال السابقة.

مقالات متعلقة

مجتمع

المزيد من مجتمع