الأشجار المثمرة تزاحم المحاصيل التقليدية في الكسرات

  • 2026/09/13
  • 10:48 ص
عمال يقطفون العنب بأرض في بلدة الكسرات بريف الرقة الجنوبي - 6 أب 2026 (عنب بلدي/ أحمد الحمدي)

عمال يقطفون العنب بأرض في بلدة الكسرات بريف الرقة الجنوبي - 6 أب 2026 (عنب بلدي/ أحمد الحمدي)

enab_get_authors_shortcode

الرقة – أحمد الحمدي

تشهد بلدة الكسرات في ريف الرقة الجنوبي تحولًا زراعيًا لافتًا خلال السنوات الأخيرة، بعدما اتجه معظم الفلاحين إلى زراعة الأشجار المثمرة بدلًا من المحاصيل الحقلية التقليدية.

ومع اتساع رقعة البساتين وانتشار أشجار العنب والخوخ والدراق والمشمش، باتت المنطقة تُعرف بين الأهالي باسم “غوطة الرقة”، نظرًا إلى ما تتمتع به من غطاء أخضر وكثافة زراعية مميزة.

ويؤكد مزارعون وأهالٍ في المنطقة أن هذا التحول جاء استجابة لارتفاع تكاليف الإنتاج الزراعي، وتراجع جدوى بعض المحاصيل الاستراتيجية، مقابل مردود اقتصادي أفضل توفره الأشجار المثمرة، رغم استمرار التحديات المرتبطة بالأمراض الزراعية والتسويق وضعف الدعم الزراعي.

وتضم الكسرات أصنافًا متعددة من الأشجار المثمرة، أبرزها الدراق والخوخ والمشمش والعنب، حيث تحتل زراعة الأخيرة ما يقارب 40% من إجمالي مساحة البساتين في الكسرات.

قيود منعت زراعة الأشجار

كانت وزارة الزراعة في النظام السوري السابق تفرض قيودًا على التوسع في زراعة الأشجار المثمرة ببعض المناطق الزراعية بمحافظة الرقة، ولا سيما ضمن الأراضي المخصصة للمحاصيل الاستراتيجية، مثل القمح والقطن والشمندر السكري.

وبعد عام 2011، شهدت زراعة الأشجار المثمرة انتشارًا واسعًا في منطقة الكسرات وعموم ريف الرقة، مع تزايد قناعة المزارعين بنجاح هذه الزراعات واستقرار إنتاجها وارتفاع مردودها الاقتصادي مقارنة بالمحاصيل الحقلية التقليدية.

وأسهمت ملاءمة المناخ والتربة في تحقيق نتائج مشجعة، ما دفع أعدادًا متزايدة من المزارعين إلى التوسع في زراعة العنب والخوخ والدراق والمشمش وغيرها من الأشجار المثمرة.

وبحسب ما أفاد به مزارعون التقتهم عنب بلدي، فإن هذه الزراعات باتت تمثل مصدر دخل رئيسًا للعديد من الأسر الزراعية في المنطقة.

التحول إلى “الغوطة”

فيصل الدرويش صاحب أرض مزروعة بالعنب في الكسرات، قال لعنب بلدي، إن البلدة تحولت إلى “غوطة الرقة” بفضل بساتينها والأشجار المثمرة.

وأضاف المزارع أن الأشجار المثمرة أصبحت تشغل نحو 70% من الأراضي الزراعية في المنطقة، بعد أن اتجه المزارعون خلال السنوات الأخيرة إلى استبدال المحاصيل الحقلية بالبساتين المثمرة.

وكانت منطقة الكسرات تعتمد قبل نحو عقد من الزمن على زراعة القطن والذرة والقمح والفول والخضراوات الصيفية، بحسب فيصل، إلا أن ارتفاع تكاليف الإنتاج، ونقص الأيدي العاملة، إضافة إلى مشكلات التسويق واحتكار الأسواق، دفعت كثيرًا من المزارعين إلى التحول نحو زراعة الأشجار المثمرة لما توفره من مردود اقتصادي أفضل.

وتتنوع أصناف العنب في الرقة منها “الحلواني والشامي والياقوت وأصابع الساحرة”، ويتراوح إنتاج الدونم الواحد بين خمسة وثمانية أطنان سنويًا، بحسب العناية الزراعية والظروف المناخية خلال الموسم.

التسويق أبرز المشكلات

عن أبرز الصعوبات التي تواجه مزارعي العنب، قال المزارع فيصل الدرويش، إن الأمراض الزراعية تشكل تحديًا كبيرًا، ولا سيما الإصابة بالعناكب والبياض الزغبي، ما يستدعي الالتزام ببرنامج رش دوري كل عشرة أيام تقريبًا، وفق مواعيد محددة، إلى جانب عمليات التسميد التي تبدأ منذ مرحلة إنبات الأوراق لضمان إنتاج جيد.

وأضاف أن التسويق يمثل إحدى أبرز المشكلات التي يواجهها المزارعون، موضحًا أن بعض التجار يفرضون أسعارًا منخفضة على المنتج، ما ينعكس سلبًا على أرباح المزارعين، كما أشار إلى غياب الدعم من الجهات الحكومية المختصة والهيئات المعنية بالقطاع الزراعي.

ويسوق محصول العنب وثمار الأشجار الأخرى إلى سوق “الهال” في الرقة أو يتم نقله عن طريق تجار إلى المحافظات الأخرى، ويباع الكيلو منه ما بين 50 و80 ليرة سورية جديدة.

قيس الحمود أحد أهالي بلدة الكسرات قال لعنب بلدي، إن المنطقة كانت تعتمد قبل عام 2011 على محاصيل استراتيجية مثل القمح والقطن والشمندر السكري، إلا أن ارتفاع تكاليف الإنتاج وتراجع جدوى هذه الزراعات دفع الأهالي إلى البحث عن بدائل أكثر ربحية.

وأضاف أن نجاح التجارب الأولى لزراعة الأشجار المثمرة، بفضل ملاءمة المناخ والتربة، شجع المزارعين على التوسع في البساتين، لترتفع نسبة الأراضي المزروعة بالأشجار من نحو 5% إلى ما بين 70 و80% من إجمالي الأراضي الزراعية.

عوامل انتشار زراعة الأشجار.. التحديات التي تواجهها

الفني الزراعي والمهتم بزراعة الأشجار عبد الله حسن جنيد، أوضح أن موقع الكسرات على نهر “الفرات” شكّل عاملًا أساسيًا في نجاح زراعة الأشجار المثمرة، إلى جانب خصوبة الأراضي الزراعية وملاءمة الظروف المناخية لعدد كبير من الأصناف.

وأشار جنيد إلى أن الأشجار المثمرة أصبحت خيارًا اقتصاديًا مهمًا، خصوصًا لأصحاب المساحات الزراعية الصغيرة، نظرًا إلى قدرتها على تحقيق إنتاج متكرر ومردود مالي جيد مقارنة ببعض الزراعات الموسمية.

ورغم العوامل التي ساعدت على انتشار البساتين، يرى جنيد أن القطاع الزراعي يواجه تحديات متزايدة، في مقدمتها التقلبات المناخية.

وأوضح أن موجات البرد المفاجئة وانخفاض درجات الحرارة إلى ما دون الصفر تسببت خلال بعض المواسم بأضرار كبيرة للأشجار المثمرة، ولا سيما أشجار الدراق التي تعد من أكثر الأصناف تأثرًا بالصقيع.

وأضاف أن الجفاف وتراجع الهطولات المطرية خلال السنوات الأخيرة باتا من أبرز التحديات التي تواجه المزارعين في الرقة، إلى جانب ارتفاع تكاليف الإنتاج وتكاليف الري والطاقة، فضلًا عن تذبذب الأسعار ومشكلات التسويق ونقص الدعم الزراعي.

مصدر دخل لآلاف الأسر

أصبحت الأشجار المثمرة ركيزة اقتصادية لكثير من الأسر في منطقة الكسرات، وأسهمت في تحويل مساحات واسعة من الأراضي الزراعية إلى بساتين منتجة، ومع اتساع هذا النشاط الزراعي، ارتفعت الحاجة إلى الأيدي العاملة في مختلف مراحل الإنتاج، بدءًا من العناية بالأشجار وصولًا إلى قطاف الثمار وتسويقها.

وأضاف جنيد أن تقديرات محلية أشارت في فترات سابقة إلى أن الأشجار المثمرة كانت تغطي نحو 75% من أراضي المنطقة، نتيجة انخفاض تكاليفها نسبيًا مقارنة ببعض المحاصيل الأخرى، إضافة إلى قدرتها على تحقيق عوائد اقتصادية جيدة للمزارعين.

ولا يقتصر أثر هذه الزراعة على الاستهلاك المحلي، إذ يُسوق قسم من الإنتاج في أسواق الرقة، وخاصة سوق “الهال”، قبل انتقال الفائض إلى مناطق أخرى، ما ينعكس على الحركة الاقتصادية المرتبطة بالقطاف والنقل والفرز والتوضيب والتجارة.

نحو إدارة علمية للبساتين

يرى جنيد أن تطوير قطاع الأشجار المثمرة في الكسرات يتطلب الانتقال من أساليب الزراعة التقليدية إلى إدارة أكثر علمية للبساتين، تبدأ من ترشيد استهلاك المياه عبر الاعتماد على أنظمة الري بالتنقيط.

وشدد على أهمية التقليم السنوي، معتبرًا أنه من العمليات الأساسية للحفاظ على صحة الأشجار وتحسين التهوية وزيادة الإنتاجية ورفع جودة الثمار، إلى جانب تطبيق برامج المكافحة المتكاملة للآفات بدل الاستخدام العشوائي للمبيدات.

وأشار إلى ضرورة تطوير عمليات الفرز والتوضيب والتخزين، وإنشاء غرف تبريد تساعد المزارعين على الاحتفاظ بمحاصيلهم وعدم بيعها خلال فترات انخفاض الأسعار.

إحصائية مرتقبة لعدد أشجار المحافظة

لا توجد حتى الآن إحصائية دقيقة أو رقم رسمي يحدد العدد الإجمالي للأشجار المثمرة في محافظة الرقة.

وفي هذا الإطار، أطلقت مديرية الزراعة في المحافظة قبل عدة أيام عملية إحصاء شاملة للبساتين والأشجار المثمرة، بما في ذلك أشجار الزيتون، بهدف جمع بيانات دقيقة حول المساحات المزروعة وأعداد الأشجار وتوزعها الجغرافي، بحسب ما أفادت مديرية الزراعة في محافظة الرقة عنب بلدي.

مقالات متعلقة

أخبار وتقارير اقتصادية

المزيد من أخبار وتقارير اقتصادية