“نبّاشو القمامة” بالحسكة.. أطفال ينهشهم الفقر

  • 2026/09/13
  • 2:10 م
طفل ينبش القمامة من إحدى الحاويات في مدينة الحسكة - 31 آب 2026 (عنب بلدي)

طفل ينبش القمامة من إحدى الحاويات في مدينة الحسكة - 31 آب 2026 (عنب بلدي)

enab_get_authors_shortcode

الحسكة – محمد جفال

قبل أن تبدأ حركة المدينة في الحسكة، يكون أحمد، البالغ من العمر 13 عامًا، قد بدأ جولته بين حاويات القمامة.

يحمل أحمد كيسًا كبيرًا من “الخيش”، ويتنقل من حاوية إلى أخرى، يفتح الأكياس ويقلب محتوياتها بحثًا عن عبوات بلاستيكية أو قطع معدنية أو كرتون يمكن بيعها في نهاية اليوم. لا يملك الطفل جدولًا ثابتًا لعمله، لكنه يعرف أن كمية ما يجمعه خلال الساعات التي يقضيها في الشوارع تحدد المبلغ الذي سيعود به إلى منزله.

لا يعمل أحمد وحده، ففي بعض الأيام يرافقه محمود (11 عامًا) ويزن (عشرة أعوام)، بينما يتوزع أطفال آخرون على أحياء مختلفة من المدينة ومكب النفايات الواقع في غرب الحسكة.

لم تعد مشاهدة الأطفال وهم يجمعون النفايات مشهدًا عابرًا في المدينة، إذ باتت مجموعات منهم تتنقل بين الحاويات والأسواق، فيما يستخدم بعضهم الحمير لنقل ما يجمعونه إلى أماكن التجميع والبيع.

وراء هذا المشهد تقف ظروف معيشية تدفع أطفالًا إلى العمل في سن مبكرة، في مهنة ترتبط بمخاطر صحية وبيئية، فضلًا عن انعكاساتها على التعليم والحياة الاجتماعية.

ساعات طويلة بين الحاويات

يبدأ الأطفال عملهم في ساعات الصباح، عندما تكون حاويات النفايات ممتلئة بمخلفات اليوم السابق.

يبحث أحمد عن المواد التي يعرف أنها قابلة للبيع، ويتجنب قدر الإمكان بعض المخلّفات التي قد تسبب له إصابة، لكنه لا يستطيع دائمًا معرفة ما يوجد داخل الأكياس قبل فتحها.

وقال إنه اعتاد العمل تدريجيًا، وأصبح يعرف المواد التي تستحق الجمع والمواد التي لا قيمة لها بالنسبة إلى التجار.

وبالقرب منه، يقضي محمود ساعات مماثلة في جمع البلاستيك والكرتون. لا يحمل كمية كبيرة في كل مرة، لذلك يعود إلى الحاويات أكثر من مرة خلال اليوم.

أما يزن، الأصغر بين المجموعة، فيساعد في جمع المواد ونقلها إلى نقطة قريبة، قبل أن يفرز الأطفال ما جمعوه.

وتختلف كمية المواد التي يستطيع كل طفل جمعها من يوم إلى آخر، وبالتالي تختلف قيمة ما يحصل عليه في نهاية العمل.

وبحسب المعطيات المتداولة عن هذه المهنة في الحسكة، تتراوح الأجور اليومية للعاملين في جمع وفرز المواد بين 25 ألفًا و100 ألف ليرة سورية، تبعًا لكمية المواد وطبيعتها.

لكن الأطفال لا يتعاملون مع هذه المبالغ بوصفها أجرًا مقابل ساعات العمل فقط، بل باعتبارها دخلًا يساعد أسرهم على تأمين احتياجاتهم اليومية.

المكب.. الوجه الأصعب للمهنة

في غرب الحسكة، تتجمع كميات كبيرة من النفايات في المكب الرئيس، حيث يعمل أطفال ويافعون إلى جانب بالغين في البحث عن المواد القابلة للبيع.

ويختلف العمل في المكب عن جمع النفايات من الشوارع، إذ يجد الأطفال أنفسهم أمام أكوام مختلطة من المخلفات، ويضطرون إلى البحث داخلها عن المعادن والبلاستيك والكرتون وغيرها.

سامر (14 عامًا) سبق أن عمل في المكب لفترة، قبل أن يترك المكان بسبب صعوبة ظروفه.

وقال سامر، إن الروائح المنبعثة من النفايات كانت من أكثر الأمور التي أرهقته، إلى جانب الخوف من التعرض للجروح بسبب الزجاج والقطع المعدنية والأدوات الحادة المختلطة بالنفايات.

ويحاول بعض الأطفال تجنب العمل داخل المكب والاكتفاء بجمع المواد من الحاويات والشوارع، بينما يرى آخرون أن المكب يوفر كميات أكبر من المواد التي يمكن بيعها.

وتشير المتابعة وشهادات بعض الأطفال إلى وجود أكثر من 50 طفلًا ويافعًا في المكب، تتراوح أعمار العاملين فيه بين 10 و20 عامًا، وبينهم ذكور وإناث، ويعيش بعضهم في ظروف صعبة.

الحمار وسيلة للنقل

إلى جانب الأكياس التي يحملها الأطفال على ظهورهم، تظهر في شوارع الحسكة الحمير، تحمل ما جمعه الأطفال من النفايات.

محمد (12 عامًا)، يستخدم حمارًا في عمله، ويجمع خلال جولته أكياس البلاستيك والكرتون والمواد المعدنية، ثم يضعها على ظهر الحيوان وينقلها إلى بيته، قبل بيعها لاحقًا.

قال محمد، إن استخدام الحمار يسمح له بنقل كمية أكبر مما يستطيع حمله بيديه، ويختصر عليه الوقت والمسافة بين الحاويات والبيت.

ويتنقل بعض الأطفال بهذه الطريقة بين الأحياء، في مشهد يجمع بين الفقر والعمل المبكر وجمع النفايات.

عندما تصبح القمامة سوقًا للعمل

تصل المواد التي يجمعها الأطفال في نهاية المطاف إلى نقاط تجميع أو تجار يشترون المواد القابلة لإعادة التدوير، وهناك تُفرز المواد بحسب نوعها ووزنها، ثم تحدد قيمتها.

لكن هذه المرحلة قد تكون مصدرًا آخر للمشكلات بالنسبة إلى الأطفال، خصوصًا عندما لا يملكون القدرة على التحقق من الأوزان أو الاعتراض على قيمة ما يحصلون عليه.

ويرى الباحث الاجتماعي عبد الباسط المحاوي أن ضعف الأطفال وغياب الحماية عنهم يجعلانهم أكثر عرضة للاستغلال.

وقال المحاوي لعنب بلدي، “هؤلاء التجار يستغلون ضعف الأطفال وعدم وجود أي حماية لهم. إنهم يحولون ألم هؤلاء الأطفال إلى أرباح لجيوبهم”.

وبحسب الروايات الواردة عن العاملين في هذا المجال، قد تحدث خصومات أو خلافات حول الوزن وقيمة المواد، فيما يبقى الطفل بحاجة إلى بيع ما جمعه في نهاية اليوم، ما يحد من قدرته على التفاوض.

ولا يتوقف العمل عند بيع المواد، إذ يعيد التجار فرزها وتجميعها تمهيدًا لبيعها في مراحل لاحقة.

إصابات ومخاطر صحية

يضع العمل بين النفايات الأطفال أمام أخطار لا تظهر دائمًا للوهلة الأولى، فأكياس القمامة قد تحتوي على زجاج مكسور أو قطع معدنية حادة أو إبر ومخلفات أخرى، بينما يمكن أن يؤدي الاحتكاك المباشر بالنفايات إلى إصابات أو مشكلات صحية.

كما يقضي الأطفال وقتًا طويلًا في بيئة تنتشر فيها الروائح والحشرات والمخلفات المتحللة.

وقال أحمد، إنه تعرض لجروح في أثناء عمله، لكنه واصل جمع النفايات لأنه لا يستطيع ترك العمل دون الحصول على المال الذي يجنيه منه.

الباحث الاجتماعي عبد الباسط المحاوي قال إن المشكلة لا تتعلق فقط بالأطفال الذين يعملون في جمع النفايات، بل تمتد إلى البيئة المحيطة.

وأضاف أن “النبش في القمامة يؤدي إلى تشتت النفايات في الشوارع، مما يفاقم التلوث البيئي ويزيد من انتشار الأمراض بين السكان”، فعندما تُفتح أكياس القمامة وتُرمى محتوياتها خارج الحاويات، تبقى أجزاء من النفايات في الشوارع، ما يزيد من انتشار المخلفات في المناطق المحيطة.

المدرسة في مكان آخر

بالنسبة إلى أحمد، لا تبدو المدرسة جزءًا من يومه الحالي، وقال إنه يرى الأطفال، خلال الشتاء، في طريقهم إلى المدارس بملابس نظيفة وحقائب على ظهورهم، بينما يخرج هو في الوقت نفسه بحثًا عن مواد يمكن بيعها.

ويعيش محمود ويزن الظروف نفسها، إذ يذهب جزء كبير من يومهما إلى العمل بدلًا من الدراسة.

ليس جميع الأطفال الذين يجمعون النفايات تركوا المدرسة للسبب نفسه، لكن ظروف الأسرة والحاجة إلى الدخل اليومي يمكن أن تجعل العمل أكثر إلحاحًا من الانتظام في التعليم.

ويرى المحاوي أن معالجة الظاهرة تحتاج إلى إعادة الأطفال المتسربين إلى التعليم، بالتوازي مع معالجة الظروف التي دفعتهم إلى العمل.

الفقر وراء المشهد

يربط المحاوي انتشار ظاهرة النبش في النفايات بجملة من العوامل، في مقدمتها الفقر والبطالة وغياب المعيل في بعض الأسر.

ويشير إلى أن الطفل قد يجد نفسه أمام مسؤولية المساهمة في تأمين احتياجات أسرته، خصوصًا عندما لا يتوفر مصدر دخل مستقر.

ولا يتعامل الأطفال مع جمع النفايات بوصفه مهنة اختاروها، بحسب أحاديثهم، بل كوسيلة متاحة للحصول على المال.

فبالنسبة إلى محمد، يمثل الحمار وسيلة لنقل ما يجمعه، بينما يرى أحمد في الأكياس التي يحملها مصدرًا للدخل، ويجد محمود ويزن في ساعات العمل طريقًا للمساهمة في احتياجات أسرهما.

لكن استمرار هذا الوضع يعني بقاء الأطفال في بيئة عمل غير آمنة، بعيدًا عن المدرسة وفي مواجهة نظرة اجتماعية قد تزيد من شعورهم بالاختلاف عن أقرانهم.

حماية الأطفال تبدأ من البدائل

يرى المحاوي أن الحد من الظاهرة لا يمكن أن يعتمد على منع الأطفال من جمع النفايات فقط، بل يحتاج إلى توفير بدائل لهم ولأسرهم.

ويقترح حملات توعية تتعلق بحماية الأطفال والبيئة، وإنشاء مراكز لحماية الطفل تقدم الدعم النفسي والاجتماعي، إلى جانب برامج تعليمية تساعد الأطفال المتسربين على العودة إلى الدراسة.

كما يرى أهمية توفير مشاريع اقتصادية وفرص عمل تساعد الأسر والشباب على تأمين دخل بعيدًا عن اعتماد الأطفال على العمل.

ويشير كذلك إلى ضرورة تعزيز دور الجهات المحلية في جمع النفايات من خلال توفير الحاويات والآليات اللازمة، وتنظيم عملية التخلص من المخلفات، بما يحد من انتشارها في الشوارع.

في الحسكة، يبدأ يوم أحمد ومحمود ويزن وسامر ومحمد من المكان الذي ينتهي فيه يوم كثير من سكان المدينة: حاويات القمامة.

أكياس تُفتح بحثًا عن قطعة بلاستيك أو معدن، وحمار لنقل ما جُمع، ومكب تتكدس فيه النفايات ويعمل داخله أطفال ويافعون.

وبين الحاجة إلى المال والخوف من الإصابة، يجد الأطفال أنفسهم أمام عمل يستهلك ساعات طفولتهم ويبعد بعضهم عن التعليم.

وتبقى معالجة هذه الظاهرة مرتبطة، بحسب الباحث الاجتماعي عبد الباسط المحاوي، بحماية الأطفال وتوفير بدائل اقتصادية وتعليمية لهم، إلى جانب تحسين إدارة النفايات في المدينة، فما يبحث عنه هؤلاء الأطفال داخل أكياس القمامة ليس سوى وسيلة لتأمين يوم جديد، بينما تبقى العودة إلى المدرسة والحصول على حياة أكثر استقرارًا مؤجلة إلى حين توفر الظروف التي تسمح لهم بترك هذا العمل.

 

مقالات متعلقة

  1. أطفال "نباشون" عرضة للأمراض ومخلفات الحرب بالحسكة
  2. في الحسكة.. أطفال يعيشون على نبش القمامة 
  3. حرق النفايات وترحيلها بتكلفة مجتمعية.. ريف حمص الشمالي ينقصه الدعم الحكومي
  4. أطفال ينبشون النفايات بإدلب.. مصدر عيش وأمراض

مجتمع

المزيد من مجتمع