خطيب بدلة
إذا أحببت أن ترهق نفسك، وتمتلئ بالألم، ابحث عن الوطنية السورية، في تاريخ بلادك الحديث، والقديم. قد تقرأ، أو تسمع، أو تشاهد رجلًا يتحدث في الشأن العام، ويرد في حديثه كلمة “سوريا”، فتهتم، وتتمعن، وترهف السمع، لتكتشف، بعد لحظات، أن ما قاله لا يعدو كونه زلة لسان عابرة.
البارحة، أخبرني أحد الأصدقاء، أن رئيس سوريا الأسبق، محمد أمين الحافظ، قال، في مقابلة مع أحمد منصور، بقناة “الجزيرة”، إن تعداد العرب، في زمانه، كان 300 مليون، وأضاف: يا سيدي وبلا مليون، المهم تتحرر فلسطين! كم كان عدد سكان فلسطين، في الستينات؟ مليون إنسان؟ يعني، بحسبة بسيطة، رئيس “سوريا”، يهدر أرواح 100 مليون إنسان، من العرب، ليعيد هذا المليون إلى أرضه. طيب. وأين سوريا، التي يفترض أنه رئيسها، ضمن هذه المعادلة؟
دفعتني المعلومة التي أعطاني إياها ذلك الصديق، إلى “اليوتيوب”، لأشاهد المقابلة المذكورة، ولكنني، مع الأسف، لم أشاهد منها سوى بضع دقائق، دقائق كانت كافية لأن أحزن. مصدر الحزن، أنك، المواطن السوري، ترى رجلًا وقورًا، ذا شعر شائب، وببدلة رسمية، وتعرف أنه كان رئيس بلدك، ويتفوه بكل هذه الكمية من الكلام الفارغ. كلما سمعت منه جملة، أقول: يا ليت المقابلة لم تُجْرَ، ليتهم تركوه يعيش في داره إلى أن توافيه المنية.
كان الحديث، في المقطع، يتناول حرب 1948، والحافظ كان يحكي عن أسباب الهزيمة، ويشيد ببطولات “الإخوان المسلمين” المصريين، وتضحياتهم، وبالجيوش “العربية” التي قدمت تضحيات أكثر من غيرها، وهنا، وصل إلى منطقة مدهشة. قال: نحن البعثية منردد شعار، أمة عربية واحدة، ذات رسالة خالدة.. الرسالة الخالدة هي الإسلام!
لست بصدد مناقشة هذه الفكرة بالذات، فهي تنسف المبرر السياسي والمنطقي والأخلاقي لوجود حزب “البعث” نفسه، إذ طالما أن رسالته الخالدة هي الإسلام، لماذا لم ينخرط أعضاؤه في صفوف جماعة “الإخوان المسلمين”؟ الأمر المدهش أن البعثيين، الذين يفتخر بهم أمين الحافظ، حاصروا منزله، في 23 من شباط 1966، وأطلقوا عليه، وعلى عائلته، النار، ثم ألقوه في سجن المزة، ثم نفوه إلى لبنان، ثم توجه إلى العراق، وعاش فيها ردحًا من الزمن، وفي سنة 2003 أعفاه بشار الأسد من حكم الإعدام الغيابي الذي كان صادرًا بحقه، وسمح له بأن يمضي بقية حياته في مسقط رأسه، حلب.
عاش هذا الرجل، أمين الحافظ، 88 سنة، وكل هذه البهدلة، والشنططة، ولم يخطر بباله أن يراجع نفسه، وأفكاره، ووطنيته، وبقي، في مقطع المقابلة الذي شاهدته، يتحدث عن بطولات الأمة “العربية”، وتضحياتها، ولا يأتي على ذكر سوريا التي خبَّص فيها حتى داخ، وخرج منها مهزومًا.
استغرقت في الحديث عن أمين الحافظ، ربما، أكثر مما ينبغي، ولكنني لم أنسَ موضوعنا الأساسي، وهو الوطنية السورية. كل الأنظمة التي حكمتنا، بعد أمين الحافظ، أهملتها، وأضاعتها، فجماعة صلاح جديد كانوا يريدون تحرير فلسطين، وحافظ الأسد أراد أن يكون قائد الأمة العربية من المحيط إلى الخليج، وشوفة عينك، اليوم، جماعة أحمد الشرع أمويون.. وسوريا؟ أين سوريا؟
