المدن الصناعية الكبرى ترسم ملامح الاقتصاد السوري

  • 2026/09/13
  • 1:43 م
لقطة جوية لمعامل في مدينة حسياء الصناعية بمحافظة حمص - 10 حزيران 2026 (وزارة الاقتصاد والصناعة السورية/فيسبوك)

لقطة جوية لمعامل في مدينة حسياء الصناعية بمحافظة حمص - 10 حزيران 2026 (وزارة الاقتصاد والصناعة السورية/فيسبوك)

enab_get_authors_shortcode

عنب بلدي – وسيم العدوي

في الوقت الذي تبحث فيه سوريا عن مخارج مستدامة لتنمية الإنتاج المحلي وزيادة الإيرادات، تتجه الأنظار نحو المدن الصناعية الكبرى، وهي عدرا وحسياء والشيخ نجار، بوصفها ساحة الاختبار الميداني الحقيقية لفرص التعافي.

ولم تعد تقتصر تحركات وزارة الاقتصاد والصناعة على معالجة تداعيات الأضرار التي لحقت بهذه المدن خلال سنوات الحرب، بل تجاوزتها نحو إطلاق خطة جديدة ترتكز على توسيع المقاسم، وجذب الاستثمارات المترددة من خارج البلاد وداخلها، وتهيئة بيئة مشجعة تمكّن الصناعيين من العودة إلى الإنتاج.

وتظهر البيانات المتاحة، وفقًا لما قاله الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور إبراهيم نافع قوشجي، في حديث إلى عنب بلدي، أن المدن الصناعية الثلاث رفعت مساهمتها في الناتج المحلي بين عامي 2024 و2026 بنسبة تتراوح بين 50 و80%، مع تفوق عدرا في الحجم المطلق للنشاط الصناعي، وتفوق الشيخ نجار في معدل النمو النسبي.

ويعكس هذا الانتعاش النسبي دخول عشرات المنشآت الجديدة خطوط الإنتاج، بالتوازي مع تحسن تدريجي في خدمات البنية التحتية، وعودة جزء من الصناعات التقليدية إلى العمل.

ومع ذلك، فإن هذه المؤشرات الإيجابية تبقى رهينة قدرة السلطات على توفير حلول مستدامة لأزمات الطاقة وسلاسل الإمداد، لضمان تحويل هذه الطفرة من مجرد استجابة مؤقتة إلى محرك دائم للنمو الاقتصادي، بحسب قوشجي.

الخطط الحكومية لتوسعة المدن الصناعية

تكشف بيانات صادرة عن وزارة الاقتصاد والصناعة السورية مؤخرًا عن خريطة توزيع الاستثمارات العربية والأجنبية في بعض المدن الصناعية، حيث يُسجل المستثمرون الأتراك حضورًا لافتًا بنسبة تتجاوز 50% في مدينة الراعي الصناعية، وأكثر من 30% في باب الهوى.

واستعاد المستثمرون الأتراك وجودهم بنسبة تتجاوز 5% في مدينة الشيخ نجار بحلب، وفي المقابل، يستحوذ المستثمرون العرب، ولا سيما من السعودية ومصر والأردن، على نحو 5% من إجمالي الاستثمارات في مدينة عدرا بريف دمشق، وسط تركز واضح للإقبال الاستثماري العام في مثلث المدن الكبرى (عدرا وحسياء والشيخ نجار).

وبالتزامن مع هذا الإقبال، تتجه الوزارة نحو توسيع الرقعة الجغرافية للمدن الثلاث لمواكبة الطلب المتزايد إذ تخطط لـ:

  • توسيع مدينة عدرا التي تعد الأكبر في سوريا بمساحتها الحالية البالغة نحو 7000 هكتار قابلة للزيادة.
  • إضافة نحو 10,000 هكتار على مراحل لمدينة حسياء بحمص، التي تمتد حاليًا على 2500 هكتار، وتوفر أكثر من 20,000 فرصة عمل في قطاعات نوعية كالبتروكيميائيات والطاقة المتجددة.
  • أما في الشيخ نجار بحلب، العاصمة النسيجية التي كانت تضم سابقًا أكثر من 50,000 فرصة عمل على مساحة 4500 هكتار، فقد بدأ تنفيذ المخطط التنظيمي الجديد عبر التعاقد مع شركة تطوير عقاري لتجهيز مساحة 1.5 مليون متر مربع، مع التحضير لإبرام عقد مماثل لتجهيز مساحة إضافية بذات الحجم، في خطوة تعكس المساعي الحثيثة لاستعادة الزخم الصناعي للبلاد.

تحولات المدن الصناعية

شهدت المدن الصناعية في حسياء وعدرا والشيخ نجار، بين عامي 2024 و2026، تحولات ملموسة، يمكن رصدها من خلال:

  • مؤشرات الإنتاج.
  • توسع المقاسم الصناعية.
  • قياسات السطوع الليلي الصناعي التي تعكس النشاط الفعلي على الأرض.

ورغم أن المدن الثلاث تخضع لإدارة مركزية واحدة، قال الخبير قوشجي، في حديثه لعنب بلدي، إن بيئاتها التشغيلية تختلف جذريًا:

  • عدرا الصناعية: تستفيد من قربها من دمشق، ومن شبكة طرق مركزية، ومن توفر الخدمات اللوجستية والمصرفية نسبيًا، ما يجعل تكاليف التشغيل فيها أقل مقارنة ببقية المدن.
  • حسياء الصناعية: تتمتع بميزة الموقع على محور دولي، بوجود صناعات نوعية (هندسية وكيميائية وغذائية)، إضافة إلى توسع سريع في المقاسم خلال 2025–2026.
  • الشيخ نجار بحلب: رغم توسعها الكبير ودخول منشآت عديدة مرحلة الإنتاج، فإنها لا تزال تواجه تحديات أكبر في الطاقة والنقل وسلاسل التوريد، نتيجة الأضرار السابقة، وبعدها عن المرافئ، وغياب الخدمات المصرفية داخل المدينة الصناعية.

العوائق المؤثرة في التكلفة التشغيلية والتنافس

قال الدكتور قوشجي، إن المدن الصناعية تتشارك في مجموعة من العوائق التي ترفع التكلفة التشغيلية وتحد من القدرة التنافسية، وتتمثل في:

  • الطاقة: انقطاع الكهرباء والاعتماد على المولدات يرفع التكلفة بنسبة قد تصل إلى 40%.
  • النقل: غياب الربط السككي وارتفاع تكلفة الشحن الداخلي والخارجي.
  • التمويل: غياب فروع مصرفية داخل المدن الصناعية يعوق حركة رأس المال ويؤخر الإنتاج.
  • التحويلات الخارجية: صعوبة تحويل الأرباح بالقطع الأجنبي تحد من توسع المستثمرين المحليين والأجانب.
  • المواد الأولية: ارتفاع تكلفة التوريد بسبب ضعف سلاسل الإمداد.

وتجعل هذه العوامل، وفقًا للخبير السوري، القدرة التنافسية للمنتجات السورية متفاوتة، فهي قوية في بعض القطاعات (النسيج والصناعات الهندسية)، وضعيفة في أخرى تتطلب طاقة مستقرة أو مواد أولية مستوردة.

تقييم نظام الاستثمار والتسهيلات الأخيرة

قدمت الحكومة السورية خلال 2025–2026 مجموعة من التسهيلات، أبرزها:

  • تخفيض الدفعة الأولى لشراء المقاسم إلى 5%.
  • تقسيط على خمس سنوات.
  • إعفاءات جمركية وضريبية.
  • تخفيض رسوم نقل الملكية.

وحسّنت هذه الإجراءات جاذبية الاستثمار المحلي، ورفعت عدد المنشآت المكتتبة، لكنها لا تزال غير كافية لجذب المستثمر الأجنبي بسبب القيود المالية وغياب الضمانات القانونية وصعوبة تحويل الأرباح للخارج، بحسب المحلل المصرفي.

ورغم وجود مقاسم غير مستغلة، فإن مشاريع التوسعة تحمل جدوى اقتصادية في المدن الثلاث، لأنها تستهدف:

  • تجهيز مقاسم ببنية تحتية حديثة.
  • خلق مناطق صناعية متخصصة.
  • استيعاب الطلب المتزايد على الصناعات الهندسية والكيميائية.

ويرى الدكتور قوشجي أن نجاح التوسعة مشروط بربطها بخطط تشغيل فعلية، وليس مجرد توسع عمراني أو زيادة في المساحات.

فرص المنافسة الإقليمية والدولية ومقترحات

تملك المدن الصناعية فرصًا حقيقية في قطاعات محددة، يتحدث عنها الخبير الاقتصادي السوري، لعنب بلدي، وهي:

  • قطاع النسيج في الشيخ نجار: يمتلك سمعة تاريخية وأسواقًا واسعة في العراق ولبنان.
  • الصناعات الهندسية والكيميائية في عدرا وحسياء: قادرة على المنافسة في أسواق الخليج إذا تم تأمين الطاقة وخفض التكلفة.
  • الصناعات الغذائية: تمتلك قدرة جيدة على دخول الأسواق الإقليمية بسبب انخفاض تكلفة العمالة.

وبهدف تحويل المدن الصناعية إلى محركات نمو حقيقية، يتقدم الدكتور إبراهيم قوشجي بمجموعة مقترحات، مؤكدًا أنه لا بد من تبني حزمة إصلاحات متكاملة هي:

  • تأمين خدمات مصرفية داخل المدن الصناعية: فتح فروع للبنوك وكوات للحسابات الجارية والحوالات الداخلية والخارجية.
  • السماح بتحويل الأرباح بالقطع الأجنبي للمستثمرين المحليين والأجانب إلى الخارج، بما يطمئن رأس المال المهاجر.
  • ربط المدن الصناعية بالسكة الحديدية لخفض تكلفة النقل بنسبة 20–30%.
  • تأمين الطاقة المستقرة عبر محطات تحويل خاصة أو مشاريع طاقة متجددة.
  • تخفيض تكلفة المقاسم وربطها بإعفاءات ضريبية للمشاريع المنتجة.
  • إنشاء مناطق لوجستية مشتركة بين المدن الصناعية لتقليل تكلفة التخزين والنقل.
  • تطوير منصات رقمية للترخيص والمتابعة، بما يرفع كفاءة الإدارة ويقلل الزمن اللازم للترخيص.
  • توفير المياه الصناعية بأسعار مدعومة لضمان استدامة الصناعات الكيميائية والهندسية.

التوزع الجغرافي والابتعاد عن المركزية

يرى الخبير الاقتصادي وعضو مجلس إدارة غرفة تجارة دمشق سابقًا محمد الحلاق، أن الخطط الحالية لتوسيع المدن والمناطق الصناعية تعد “خطوة صحية وتلبي متطلبات المرحلة”، مشيرًا إلى أن دخول استثمارات وصناعات جديدة يجعل الطاقة الاستيعابية القائمة غير كافية لامتصاص الزخم الإنتاجي المرتقب.

واعتبر الحلاق، في حديث إلى عنب بلدي، أن تنظيم الحركة الصناعية يتطلب الفصل بين نوعين من النشاط الاستثماري:

  • الصناعات الزراعية: ينبغي السماح بتراخيصها خارج نطاق المدن الصناعية، لضمان القرب الجغرافي من الأراضي والمناطق الريفية والمواد الأولية.
  • الصناعات التحويلية والتقليدية (الكيميائية والهندسية): يُفضل حصرها داخل المدن الصناعية للاستفادة من مفهوم “التكامل الصناعي”، وما تتيحه هذه المدن من خدمات لوجستية كالقرب من الطرق الدولية والمراكز الجمركية وسلاسل التوريد.

وشدد الحلاق على ضرورة تجاوز فكرة مجرد “توسيع” المدن الصناعية الحالية والتفكير بإنشاء مدن صناعية جديدة في مختلف المحافظات، محذرًا من مبدأ “وضع البيض كله في سلة واحدة” وتجميع الصناعات الاستراتيجية في بؤرة جغرافية واحدة.

ويحمي تجنب المباشرة في التجميع المكثف القطاع الإنتاجي من ظروف “القوة القاهرة”، كالأزمات والكوارث الطبيعية، أو السيول التي قد تؤدي في حال حدوثها إلى شلل قطاعات صناعية كاملة دفعة واحدة.

ودعا الخبير الحلاق إلى مراعاة المزايا النسبية لكل محافظة عند التخطيط للمدن الجديدة عبر عدة عوامل:

  • اللوجستيات وقربها من المنافذ: القرب من الطرق الرئيسة والمواني (كاللاذقية وطرطوس)، ومصادر المواد الخام.
  • العمالة وسلاسل التصريف: توفر أيدٍ عاملة ماهرة، والقرب من أسواق التوزيع الاستهلاكية وتأمين نقل البضائع.
  • الخصوصية الجغرافية: مراعاة القدرة على التوسع في محافظات مثل حماة وإدلب وحمص لإنشاء تجمعات صناعية متوازنة بين مختلف المناطق السورية.

وبين طموحات التوسع الجغرافي وواقع البنية التحتية المنهكة، تقف المدن الصناعية السورية عند مفترق طرق حاسم، إذ لم يعد الاستثمار في المقاسم كافيًا ما لم يرافقه توزيع عادل للتنمية، وتأمين لشرايين الإنتاج من طاقة ولوجستيات، ولا تعني حماية مستقبل الصناعة الوطنية فقط توسيع الأسوار القائمة، بل ضمان ألا توضع كل موارد البلاد في “سلة واحدة”، لتبقى المحركات تدور مهما اختلفت الظروف.

مقالات متعلقة

  1. عدرا الصناعية.. رئة اقتصاد دمشق المتعبة
  2. مهلة لتسوية أوضاع المستثمرين المتعثرين في المدن الصناعية
  3. 780 منشأة عاملة في "عدرا الصناعية"
  4. مجلس إدارة مدينة عدرا الصناعية يقر موازنتها لعام 2021

أخبار وتقارير اقتصادية

المزيد من أخبار وتقارير اقتصادية