تشكل تحويلات السوريين في الخارج مصدرًا لدعم العديد من الأسر في سوريا، في ظل تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة وضعف مصادر الدخل المحلية.
ومع استمرار تدفق هذه الأموال، يبرز دورها في تحريك الاستهلاك وتوفير العملة الأجنبية، مقابل تساؤلات حول إمكانية تجاوز دورها المعيشي، وتوجيه جزء منها نحو الادخار والاستثمار والمساهمة في تمويل التعافي الاقتصادي.
إخراج التحويلات من إطار الإعالة إلى الاستثمار، يتطلب زيادة ثقة المغتربين بالاقتصاد المحلي، وتوفير بيئة اقتصادية ومصرفية مناسبة، إلى جانب مشاريع استثمارية تحقق عوائد واضحة، وتوفر ضمانات للمغتربين الراغبين في توجيه جزء من أموالهم نحو الاستثمار.
أربعة مليارات دولار في 2025
بلغت قيمة التحويلات المالية إلى سوريا، عام 2025، نحو أربعة مليارات دولار، وهو رقم يفوق موازنة الدولة لعام 2024، التي بلغت عند إقرارها 3.1 مليار دولار.
ووفق تقرير البنك الدولي عن “تقييم الاقتصاد الكلي والمالية العامة في سوريا” الصادر في حزيران 2025، شكلت التحويلات المالية من المقيمين في الخارج شريان حياة للعديد من السوريين، وقدّر التقرير، استنادًا إلى بيانات مصرف سوريا المركزي، إجمالي التحويلات التي تلقتها الأسر السورية بنحو ثمانية مليارات دولار في عام 2023.
وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن 37% من الأسر السورية تلقت تحويلات مالية خلال عام 2022، بمتوسط بلغ نحو 57 دولارًا شهريًا، وهو ما شكّل أكثر من ثلث إجمالي دخل هذه الأسر.
وبالمقارنة مع المساعدات التي بلغت 2.8 مليار دولار خلال عام 2023، اعتبر البنك الدولي أن التحويلات المالية تمثل أداة أكثر فاعلية في الحد من خطر الفقر المدقع.
شريان أساسي للاقتصاد المعيشي
الخبير الاقتصادي علاء بلدية، قال لعنب بلدي، إن تحويلات السوريين في الخارج تشكل اليوم شريان الحياة الأساسي للاقتصاد المعيشي لفئة كبيرة من الأسر في ظل ضعف الأجور وتراجع القوة الشرائية، موضحًا أنها تسهم في منع تدهور أكبر في الظروف المعيشية، لكنها لا تكفي بمفردها لدفع عجلة التعافي الاقتصادي المستدام.
وأوضح بلدية أن تحويلات المغتربين تُصنف اقتصاديًا كتدفقات مالية خارجية خاصة وغير تعويضية، أي أنها تدخل إلى البلاد من دون أن يقابلها التزام أو تبادل تجاري أو خدمي.
ورغم وصولها مباشرة إلى الأسر، فإن أثرها الاقتصادي يظهر بصورة أساسية عند إنفاقها في السوق، إذ تنشط قطاعات التجزئة والرعاية الصحية والتعليم والإيجارات، وتساهم في الحد من الركود.
وأشار إلى أن التحويلات تمثل حاليًا مصدرًا مهمًا للعملة الأجنبية، في ظل محدودية الصادرات والاستثمارات، إلا أن المشكلة تكمن في توجه الجزء الأكبر منها نحو الاستهلاك اليومي، في حين يتطلب التعافي الاقتصادي بناء أصول إنتاجية مستدامة، مثل المعامل والبنية التحتية، وهو ما يصعب تحقيقه من خلال تحويلات مفتتة.
أخطار الاعتماد على التحويلات
مع أهمية تحويلات المغتربين في دعم الأسر وتحريك الأسواق، فإن الاعتماد المتزايد عليها في ظل ضعف الإنتاج المحلي قد يؤدي إلى آثار سلبية متعددة على الاقتصاد.
وحذر الخبير بلدية من أن تدفق السيولة في سوق يعاني ضعف الإنتاج، قد يؤدي إلى زيادة الطلب على السلع والخدمات وارتفاع الأسعار، بدلًا من تحفيز الإنتاج، كما أن اعتماد بعض الأسر على الحوالات، التي قد تتجاوز قيمتها الأجور المحلية بفارق كبير، يمكن أن يعزز حالة الاتكال ويضعف الحافز على العمل.
بناء عليه، وبحسب بلدية، فإن أي تراجع أو انقطاع لهذه الأموال سينعكس فورًا على الأسر والأسواق، وقد يؤدي إلى تراجع ملحوظ في النشاط التجاري وزيادة الضغوط، خصوصًا في ظل غياب مصادر بديلة كافية للعملة الأجنبية.
وفي المحصلة، يرى الخبير أن تحويلات المغتربين تؤدي دورًا بالغ الأهمية على المستوى المعيشي، لكنها لا تحقق الأثر الاقتصادي نفسه على المستوى الكلي، بسبب توجه النسبة الأكبر منها إلى الاستهلاك، وتصريف جزء كبير منها عبر قنوات غير رسمية نتيجة ضعف الثقة بالمنظومة المصرفية وقيود السحب.
وأشار إلى أن عدم تنظيم هذه التحويلات ضمن قنوات مجتمعية ومنظمات أهلية منظمة للخدمة العامة والتنمية المحلية، يبقيها مشتتة وموجهة للاستهلاك الفردي الفوري، بدلًا من حشدها ككتل مالية قادرة على تمويل مشاريع بنية تحتية أو خدمات مستدامة تعود بالنفع على الاقتصاد ككل.
قنوات غير رسمية تعوق رصد التحويلات
تطرح تحويلات المغتربين تحديات تتعلق بآليات وصولها إلى سوريا، ومدى إمكانية رصد حجم التدفقات المالية، والاستفادة منها ضمن القنوات الاقتصادية الرسمية.
وأكد الخبير الاقتصادي فراس شعبو، أن عدم وجود إحصاءات دقيقة يحد من إمكانية تحديد حجم التدفقات المالية القادمة من المغتربين، لافتًا إلى أن نسبة كبيرة منها تمر عبر قنوات وشبكات تحويل غير رسمية موجودة في دول الجوار وبلدان الاغتراب، ما يجعل تقدير حجمها الحقيقي وضبطها أمرًا صعبًا.
معظم هذه التحويلات لا تتجاوز 100 دولار، فيما يبلغ متوسطها نحو 70 دولارًا، بحسب شعبو، وتذهب بشكل أساسي إلى تأمين الغذاء والصحة والتعليم والسكن، ورغم مساهمتها في توفير العملة الأجنبية، فإن جزءًا كبيرًا منها لا يمر عبر القنوات الرسمية، ما يحد من استفادة الحكومة منها.
وأضاف أن تحويل التحويلات من الاستهلاك إلى الاستثمار يحتاج إلى توفير بيئة اقتصادية مناسبة، تشمل استقرار الأسعار، وتأمين الدولة للاحتياجات الأساسية، وتقديم حوافز للمستثمرين والمغتربين، إلى جانب توفير مشاريع استثمارية مربحة بعوائد وضمانات واضحة.
ولفت شعبو إلى إمكانية إنشاء صناديق استثمار مخصصة للمغتربين، وهو نموذج معمول به في دول مختلفة، بحيث ينتقل المغترب من دور ممول للأسرة إلى شريك في الاقتصاد.
ويمكن توجيه هذه الصناديق إلى قطاعات الصناعة والطاقة والزراعة والإسكان، مع إمكانية استفادة المغترب من عوائد استثماره.
دور متكامل بين التحويلات والاستثمار الأجنبي
مع استمرار تدفق تحويلات المغتربين السوريين، تبرز تساؤلات حول دورها في الاقتصاد وإمكانية مقارنتها بمصادر أخرى لتمويل التعافي، ولا سيما الاستثمار الأجنبي.
وبحسب الخبير الاقتصادي فراس شعبو، تتميز تحويلات المغتربين بسهولة وصولها إلى الأسر واستمرارها في ظروف مختلفة، إلا أنها لا يمكن أن تكون بديلًا عن الاستثمار الأجنبي، فالاستثمار الأجنبي لا يقتصر على رأس المال، وإنما قد يجلب التكنولوجيا والخبرات الإدارية والأسواق الخارجية، ويسهم في خلق فرص العمل وزيادة الصادرات وتوليد الضرائب.
وأكد أن تحويلات المغتربين والاستثمار الأجنبي يمكن أن يكمل أحدهما الآخر، بينما تبقى الصادرات المصدر الأكثر استدامة للعملة الأجنبية وتنشيط الاقتصاد، إذ إن بيع المنتجات السورية في الأسواق الخارجية يدر العملة الأجنبية ويدعم الإنتاج المحلي، معتبرًا أن التحويلات تساعد الاقتصاد على البقاء والتعافي بشكل محدود، في حين تساهم الصادرات في تحقيق النمو.
وأشار إلى أن توجيه التحويلات نحو الاستهلاك ليس أمرًا سلبيًا بحد ذاته، إذ إن الاستهلاك النشط يحرك الأسواق ويزيد الطلب على السلع والخدمات، ما ينعكس على عمل المعامل والشركات.
تمتلك سوريا رأس مال بشريًا يمكن الاستفادة منه بصورة كبيرة، إلى جانب إمكانية جذب رأس المال المادي، لكن ذلك يحتاج إلى بناء الثقة من خلال مؤسسات موثوقة، واستقرار سعر الصرف، ونظام مصرفي قوي للتحويلات، ومشاريع استثمارية تحقق عوائد واضحة، فضلًا عن حماية الملكية وتوفير أدوات استثمارية فعالة، وفق شعبو.
وختم بأن المطلوب ليس الحد من الاستهلاك الناتج عن تحويلات المغتربين، وإنما خلق قنوات إضافية تسمح بتوجيه جزء منها نحو الادخار والاستثمار، بما يحولها تدريجيًا من وسيلة لدعم استهلاك الأسر إلى مصدر للمساهمة في الإنتاج والنمو الاقتصادي.
وبينما تواصل تحويلات المغتربين أداء دور أساسي في دعم الأسر والحفاظ على النشاط الاقتصادي، يبقى أثرها في التعافي محدودًا ما دامت تتجه بمعظمها إلى الاستهلاك وتصل عبر قنوات غير رسمية.
ويبدو تحويل جزء منها إلى الادخار والاستثمار مرتبطًا بقدرة الاقتصاد السوري على توفير بيئة أكثر استقرارًا وثقة، إلى جانب أدوات استثمارية واضحة تتيح للمغتربين المشاركة في تمويل القطاعات الإنتاجية، بما يجعل هذه الأموال مصدرًا للتعافي والنمو، لا مجرد وسيلة لتغطية الاحتياجات المعيشية.
