قال وزير الخارجية والمغتربين السوري، أسعد حسن الشيباني، إن العلاقات بين سوريا وتركيا تشهد “وتيرة متسارعة من الشراكة”، في وقت أعلن فيه وزير الخارجية التركي هاكان فيدان عن اتفاق لإنشاء لجنة مشتركة برئاسة وزراء البلدين بهدف تسريع العمل في مختلف القطاعات.
وأشار الوزير السوري إلى أن المرحلة المقبلة ترسم ملامح استراتيجية مشتركة بين البلدين.
وجاءت تصريحات الوزيرين خلال مؤتمر صحفي عقداه، اليوم الأحد 13 من أيلول، في قصر تشرين بدمشق، عقب لقاءات تناولت العلاقات الثنائية والتطورات الإقليمية والدولية والقضايا ذات الاهتمام المشترك.
ووصل فيدان إلى دمشق في وقت سابق الأحد، واستقبله الشيباني في مطار دمشق الدولي، في زيارة تستمر يومين بحسب وكالة “الأناضول” التركية، ويلتقي خلالها الرئيس السوري أحمد الشرع ووزير الخارجية والمغتربين.
وقال الشيباني إن لقاءه مع نظيره التركي “يترجم بوضوح وتيرة الشراكة المتسارعة ويرسم ملامح الوجه الاستراتيجية التي نمضي إليها معًا”.
وأضاف أن 8 كانون الأول 2024 شكّل “محطة فارقة” في مسار العلاقات السورية التركية، مشيرًا إلى أن تركيا كانت من أوائل الدول التي أعادت فتح سفارتها في دمشق، وشرعت معابرها وخطوط إمدادها مع سوريا.
وأوضح أن أنقرة تصدرت المنابر الدولية للدعوة إلى رفع العقوبات عن السوريين، معتبرًا أن البلدين حققا، استنادًا إلى ذلك، خطوات وصفها بـ”الاستثنائية” في العلاقات الثنائية.
وأشار الشيباني إلى عقد عشرات اللقاءات على المستويين الرئاسي والوزاري بين البلدين، وتوقيع نحو 40 اتفاقية ومذكرة تفاهم بين دمشق وأنقرة.
ولفت إلى أن اتفاقية الطاقة الموقعة في أيار من العام الماضي أسهمت في انسياب التيار الكهربائي عبر الحدود إلى شمالي سوريا.
كما أشار إلى مساهمة وكالة التعاون والتنسيق التركية في إعادة تأهيل البنى التحتية والقطاعات الخدمية في سوريا، معتبرًا أن عودة أكثر من 700 ألف سوري من تركيا إلى بلادهم منذ 8 كانون الأول 2024 تمثل “تتويجًا للجهود المشتركة بين البلدين”.
اللجنة العليا والتعاون الاقتصادي
وقال الشيباني إن مباحثات الأحد تركزت على تفعيل اللجنة العليا المشتركة بين سوريا وتركيا، لتكون إطارًا مؤسسيًا ينظم مسارات التعاون السياسي والدبلوماسي والاقتصادي والأمني، إلى جانب ملفات الطاقة والعودة والتعليم والثقافة.
وأضاف أن جدول أعمال اللجنة يتضمن ملفات وصفها بـ”الناضجة للعمل المشترك”، موضحًا أن سوريا وتركيا تتجهان في قطاع الطاقة نحو إعداد وثيقة استراتيجية شاملة تدمج مسارات الغاز والكهرباء والربط الشبكي.
وفي الجانب التجاري، قال الشيباني إن سوريا تتطلع إلى رفع حجم التبادل التجاري مع تركيا، الذي قال إنه قارب أربعة مليارات دولار خلال العام الماضي، إلى عشرة مليارات دولار.
وأوضح أن ذلك سيكون بالاعتماد على “مبدأ شراكة الإنتاج والمحتوى المحلي والتشغيل السوري”، إلى جانب إقامة مناطق صناعية حدودية مشتركة.
من جهته، قال فيدان إن بلاده تسعى إلى تلبية احتياجات رجال الأعمال في البلدين على أساس الاستثمار المتبادل والشراكة.
وأشار إلى أن ملفات التمويل والحركة والتأشيرات ورخص العمل والشهادات من بين المسائل التي تعمل تركيا على معالجتها، لافتًا إلى أن اهتمام بلاده بسوريا لا يقتصر على المناقصات وقطاع الطاقة، وإنما يشمل قطاعات أخرى، بينها الألبسة والصناعة.
وأضاف أن سوريا “تتجه وتنمو اقتصاديًا يومًا بعد يوم وتضمد جراحها أكثر فأكثر”، معتبرًا أن ذلك يصب في مصلحة السوريين.
وربط الوزير التركي بين التطورات الاقتصادية ورفع العقوبات عن سوريا، مشيرًا إلى أن إزالة أحد المعوقات أمام اندماج سوريا اقتصاديًا تفتح المجال أمام مزيد من التعاون.
عودة السوريين وبناء المؤسسات
وتطرق الشيباني إلى الوضع الداخلي في سوريا، معتبرًا أن قوة الشراكة مع تركيا تنبع من “تماسك الجبهة الداخلية”.
وقال إن الحكومة السورية قدمت خلال 20 شهرًا من العمل نتائج مرتبطة باستعادة مؤسسات الدولة ووحدة القرار السيادي، مضيفًا أن دمشق تمضي في بناء “جيش وطني واحد” وحصر السلاح بيد مؤسسات الدولة.
وفي حديثه عن السياسة الخارجية، قال الشيباني إن سوريا “طوت صفحة قانون قيصر”، وإن اسمها أزيل من قائمة الدول الراعية للإرهاب، معتبرًا أن ذلك يسمح لها باستعادة موقعها في المحافل العربية والدولية.
وأضاف أن هذه التطورات ترافقت مع عودة نحو مليون و600 ألف سوري من الخارج، وما يقارب مليوني نازح داخلي إلى مناطقهم، بحسب الأرقام التي عرضها خلال المؤتمر.
وفي ملف عودة السوريين من الخارج، قال الشيباني إن دمشق صاغت برنامجًا كاملًا لـ”العودة المنظمة”، يتضمن حزمة خدمات تتعلق بالسكن والعمل والنقل، وتديره مؤسسات سورية بالتكامل مع مشاريع إعادة الإعمار في مناطق المنشأ.
كما أعلن أن سوريا أصبحت على مشارف افتتاح سفارتها في العاصمة التركية أنقرة، واصفًا ذلك بأنه “استحقاق جوهري” تسعى دمشق إلى إنجازه خلال المرحلة الحالية.
زيارة مرتقبة لأردوغان
بدوره، أعلن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان عن زيارة مرتقبة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى سوريا، دون تحديد موعدها.
وقال فيدان إن اللقاءات بين البلدين خلال المرحلة المقبلة ستكون “مكثفة”، وستشمل المسائل السياسية والاقتصادية والعسكرية.
وأضاف أن البلدين اتفقا على إنشاء لجنة مشتركة برئاسة وزراء البلدين بهدف إحراز تقدم في جميع القطاعات “بأسرع شكل”.
وتحدث فيدان عن تطور التعاون بين البلدين في المجال الأمني، وقال إن العلاقات السورية التركية شهدت خلال العامين الماضيين تقدمًا في ملف مكافحة الإرهاب، مشيرًا إلى أن الدولة السورية تظهر مساعي جادة في هذا المجال.
واعتبر أن حل “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) نفسها واندماجها التام في الدولة السورية يمثل “خطوة مهمة وقيمة”.
التصعيد الإسرائيلي
وفيما يتعلق بالتطورات الإقليمية، قال فيدان إن إسرائيل تستهدف القدرات السورية بصورة مستمرة، معتبرًا أن ذلك “يدعم تنظيم الدولة الإسلامية بطريقة غير مباشرة”.
وأضاف أن الهجمات الإسرائيلية تضر بالسياسات التي تتجه نحو الاستقرار والتطورات الإيجابية في سوريا.
من جانبه، قال الشيباني إن موقف سوريا من التصعيد الإسرائيلي “ثابت وحازم”، ويتمثل في حتمية الانسحاب الإسرائيلي إلى خطوط ما قبل 8 كانون الأول 2024.
وربط الشيباني بين التصعيد الإسرائيلي ومسار بناء الدولة السورية، وقال إن استهداف مطار أبو الظهور في إدلب وجه “رسالة تخريبية تستهدف ضرب مسار بناء الدولة”.
وكانت وزارة الخارجية السورية أعلنت استقبال الشيباني لنظيره التركي في مطار دمشق الدولي، في إطار زيارة تهدف إلى تعزيز التعاون القائم بين البلدين في مختلف المجالات، ومناقشة القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.
وتأتي زيارة فيدان بعد سلسلة لقاءات بين المسؤولين السوريين والأتراك خلال الفترة الماضية. وكان الشيباني التقى فيدان في العاصمة التركية أنقرة في 8 أيلول الحالي، خلال زيارة رسمية بحث خلالها الجانبان سبل تعزيز العلاقات الثنائية وآخر مستجدات مجلس التنسيق الأعلى بين سوريا وتركيا، إلى جانب التطورات الأخيرة في المنطقة.
كما التقى الوزيران في أنقرة، في 6 آب الماضي، خلال زيارة رسمية أجراها الشيباني إلى تركيا.
وتشهد العلاقات السورية التركية منذ سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول 2024 تحركات متواصلة على المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية، وسط حديث رسمي من الجانبين عن توسيع مجالات التعاون وتطوير الأطر المؤسسية الناظمة للعلاقات الثنائية.
