أشعل قرار رفع أسعار المحروقات في سوريا احتجاجات وسط أسئلة ملحة حول أسبابه والتأثيرات التي ستنتج عنه على معيشة المواطن السوري، وسط شكاوى من تدني مستوى الدخل وارتفاع أسعار المنتجات بشكل عام قبل القرار الأخير.
ولم تتأخر ارتدادات القرار على مستوى الشارع، فامتدت الاحتجاجات إلى عدد من البلدات والقرى في الحسكة ودير الزور والرقة وحلب وإدلب وحماة، وتخللها قطع طرق بالإطارات المشتعلة، ومنع مرور صهاريج النفط الخام، اعتراضًا على الزيادة الجديدة في أسعار المشتقات النفطية.
ورصدت عنب بلدي ارتفاع أجور النقل من قبل بعض السائقين في دمشق وريفها، قبل صدور قرار رسمي بذلك، كما امتنع سائقون آخرون عن العمل خشية تعرضهم للمخالفة في حال فرض تسعيرة جديدة.
تأهيل مصفاة بانياس أحد الأسباب
أرجعت وزارة الطاقة السورية أسباب القرار إلى أعمال “عمرة” (تأهيل) مصفاة بانياس.
ولفتت الوزارة إلى أن مصفاة بانياس دخلت في “عمرة” شاملة يتوقع استمرارها لنحو شهرين، ما يخفض قدرة التكرير المحلية خلال هذه الفترة ويزيد الحاجة إلى شراء المشتقات الجاهزة من الأسواق الخارجية.
الخبير الاقتصادي في قطاع الطاقة، الدكتور زياد عربش، قال في حديث إلى عنب بلدي، إن تأهيل المصفاة يمثل ضرورة فنية لا تحتمل التأجيل، مشيرًا إلى أن العمليات ستشمل استبدال المفاعلات، وإعادة تأهيل وحدات التقطير، ومحطات الكهرباء، والمنشآت المساعدة.
وأوضح عربش أن عمليات التأهيل التي من المتوقع أن تستغرق أربعة أشهر، ستوقف عمل المصفاة مؤقتًا، فينخفض التكرير المحلي، ويزيد الاستيراد، وترتفع التكاليف.
وأضاف أن العملية يتوقع منها تحسّن إمدادات البنزين والديزل والكيروسين والغاز المسال، وانخفاض الاعتماد على الاستيراد.
وأشار عربش إلى أن تأجيل عمليات التأهيل لم يعد ممكنًا، بعد مرور 40 عامًا دون خضوع المصفاة لإصلاح شامل، وتدهور المعدات بشكل خطير.
وبيّن أن تأهيل المصفاة كان مخططًا له في عام 2025، لكنه أُجّل بسبب نقص قطع الغيار والمواد الخام، منوهًا إلى أن التقييمات الفنية تحذّر من أن الاستمرار في التشغيل قد يؤدي إلى مخاطر أكبر، والتأجيل المستمر قد ينتهي بتوقف كامل.
الاضطرابات العالمية.. سبب آخر
لم تتوقف أسباب رفع أسعار المحروقات عند تأهيل مصفاة بانياس، بحسب وزارة الطاقة، مضيفة سببًا آخر، تمثل في الارتفاع “الاستثنائي” في تكلفة تأمين المشتقات النفطية عالميًا.
وبيّنت الوزارة أن السوق السورية تتأثر بارتفاع تكلفة تأمين البنزين والمازوت والفيول عالميًا.
وأضافت أن الارتفاع الحالي لا يرتبط بسعر النفط الخام وحده، منوهة إلى أن أسواق المشتقات المكررة، تشهد ضغوطًا نتيجة تراجع المعروض واضطراب طاقات التكرير وارتفاع تكاليف النقل والشحن والتأمين، ما يزيد تكلفة تأمين المشتقات للسوق السورية.
ولفتت الوزارة إلى أن سعر طن المازوت يقترب من 1400 دولار، والبنزين من 1350 دولارًا، في حين يدور سعر خام برنت حول مستويات تقارب 100 دولار للبرميل.
أوضح الخبير الاقتصادي زياد عربش أن السوق السورية تعتبر شديدة التأثر نتيجة الاضطرابات العالمية بأسعار الطاقة، بسبب اعتمادها على استيراد أكثر من 60% من الديزل و33% من البنزين.
وبيّن أن الحاجة اليومية للسوق السورية تبلغ نحو 300 ألف برميل، مقابل إنتاج محلي 100 ألف برميل فقط، مشيرًا إلى أن بعض الخام السوري ثقيل لا يناسب المصافي الحالية، ما يزيد الاعتماد على استيراد الخام الخفيف أو المنتجات الجاهزة.
وأشار عربش إلى أن تكلفة تأمين المنتجات المستوردة بلغت نحو 25.2 مليون دولار يوميًا، أي 755.6 مليون دولار شهريًا.
من جانبه لم يغفل الخبير الاقتصادي وعضو جمعية العلوم الاقتصادية، محمد بكر، تأثر أسعار حوامل الطاقة في سوريا بما يحدث من اضطرابات في كل أنحاء العالم، وخصوصًا مضيقي “هرمز” و”باب المندب”، منوهًا في الوقت ذاته إلى أن التأثير يجب ألا يكون كبيراً، بسبب أن سوريا تعتمد على إنتاجها من النفط مع كمية يمكن تأمينها من العراق بوسائط النقل البري.
الآثار المترتبة على القرار
أشار عضو جمعية العلوم الاقتصادية، محمد بكر، إلى أن ارتفاع جميع أسعار السلع والخدمات، يعتبرًا أمرًا بديهيًا بمجرد ارتفاع أسعار المحروقات، الأمر الذي سيشكل ضغطًا على الشريحة التي تشكل أكثر من 70% من عدد سكان سوريا، متوقعًا هبوط هذه الشريحة إلى مستويات كبيرة جدًا تحت مستوى خط الفقر لتصبح أكثر هشاشةً.
وأضاف بكر آثارًا اقتصادية متعددة للقرار، لخصها في البنود التالية:
- ارتفاع تكاليف الإنتاج الذي سيدفع الشركات التي تعاني من الركود بالأساس لرفع أسعار منتجاتها، مع عدم استبعاد أن يصل الأمر إلى إغلاق بعض المنشآت الصناعية.
- تراجع إيرادات الخزينة مما سيضغط على كتلة الرواتب والأجور.
- ارتفاع أسعار النقل وأجور المواصلات والاتصالات.
- ارتفاع إيجارات المنازل والمحلات التجارية والسيارات.
الخبير الاقتصادي زياد عربش، لفت إلى عدد من الآثار الاقتصادية المترتبة على قرار رفع أسعار المحروقات.
وأوضح أن رفع الأسعار سيؤدي إلى تضخم مدفوع بالتكاليف، سيشمل قطاعات متعددة، متوقعًا أن يشهد التشغيل الصناعي ارتفاعًا بنسبة 15 و25%، وأجور النقل الداخلي بين 20 و30%، والإنتاج الزراعي بين 10 و18%، وخدمات الأغذية بين 12 و20%.
وبيّن عربش أن الاقتصاد السوري يعاني من تضخم راكد وثبات في الأجور الاسمية، الأمر الذي سيدفع إلى انخفاض الدخل الحقيقي وتراجع الاستهلاك، الذي قد يدخل الاقتصاد في حلقة انكماشية.
الخيارات المطروحة للتخفيف من آثار القرار
الخبير الاقتصادي زياد عربش يرى أن خيارات التخفيف من الآثار المترتبة على رفع أسعار المحروقات، تتمثل في عدة خطوات شملت:
- الإسراع في تأهيل مصفاة بانياس لرفع الإنتاج المحلي وتقليل الاستيراد.
- تنويع مصادر التوريد وطرق النقل.
- بناء مخزون استراتيجي بالشراء في فترات انخفاض الأسعار.
- تحسين الإنتاج والتكرير المحلي، من خلال إعادة تأهيل الحقول وتوسيع المصافي وتحسين خطوط الأنابيب ومرافق التخزين.
- جذب الاستثمار والشراكات المحلية والأجنبية.
وحول الخطوات المطلوبة لضبط الأسعار في السوق، اقترح الخبير عربش عددًا من الخيارات، تضمنت:
- الرقابة على الأسعار ومكافحة الاحتكار، من خلال مقارنة الفواتير وهوامش الربح، وضبط مخالفات البيع بسعر مرتفع وعدم إصدار الفواتير.
- تفعيل قنوات الشكاوى، عبر الخطوط الساخنة والتحقق السريع.
- فرض عقوبات على المخالفين عن طريق مصادرة المكاسب غير المشروعة وإغلاق المتاجر والإحالة إلى القضاء.
ورغم أهمية الخطوات السابقة، أوضح عربش أنها لن تكبح إلا الارتفاعات المفرطة مؤقتًا، ولن تعكس اتجاه التضخم المدفوع بالتكاليف، مشيرًا إلى أن الحل الجذري، يتطلب استقرار الإمدادات ورفع الإنتاج المحلي وتعزيز إنتاجية الاقتصاد.
من جهته أشار الخبير الاقتصادي، محمد بكر، إلى أن سوريا كان من المفترض أن تستفيد من الاضطرابات العالمية بتحويل سوريا إلى ممر للنفط و الغاز المتجه من الخليج وباتجاه أوربا ودول الأمريكيتين، سواءً باستخدام أسطول نقل بري، أو إنشاء أو صيانة شبكة نقل النفط والغاز بواسطة الأنابيب.
وأضاف أن فتح باب الاستثمار في مجال إنشاء خطوط نقل النفط والغاز (أو تهيئة وتفعيل الخطوط القديمة إن كانت صالحة) من دول الخليج والعراق وإنشاء ميناء خاص بتصدير النفط، كان سيجلب لخزينة الدولة عائدات بمليارات الدولارات تفوق بكثير العائدات من الاستثمار( وأكثر استمرارية) في مجال التطوير العقاري، عدا عن الاستفادة من حصة سوريا من النفط والغاز بدلًا من استيرادهما.
ونوه إلى أن الفرصة ما زالت متاحة للخطوات السابقة، مقترحًا إعداد دراسة جدوى تفصيلية وطرحها بمؤتمر يحضره كبار المستثمرين.
وبخصوص ارتفاع الأسعار، ميّز بكر بين ضبط الأسعار ومعالجة زيادة التكلفة، لافتًا إلى أن ضبط الأسعار يحتاج إلى رقابة على الأسواق، فأية مخالفة تواجه بالعقوبة (إغلاق، حبس) مع الغرامة المناسبة.
وأوضح أن الموضوع يتجاوز ارتفاع الأسعار، لأن ارتفاع التكاليف ستدفع الصناعي أو التاجر أن يضمن نسبة ربح معقولة، ولكن ما يحصل أن تزيد الأسعار بنسبة زيادة أسعار المحروقات وليس بنسبة زيادة التكاليف، مبينًا أن التاجر والصناعي يضيفان عامل أمان لأرباحهما، فيبقى “المواطن التعيس” لا أمان له.
فاتورة عقود من الفساد والعقوبات
قال الخبير الاقتصادي زياد عربش، إن سوريا تدفع ثمن عقود من الفساد والعقوبات، بعد دفن عدة مشاريع كانت مطروحة في سنوات سابقة، مشيرًا إلى مذكرات تفاهم طرحت فعلًا، لإنشاء مصفاة في دير الزور بطاقة 50 ألف برميل من النفط السوري، ومصفاة على الحدود العراقية بطاقة 50 ألف برميل من الخام العراقي، وأخرى على الحدود الأردنية بخام سعودي- عراقي، ومصفاة تصديرية على المتوسط بطاقة 500 ألف برميل، لكن شيئًا منها لم يطبق.
وأرجع عربش غياب التنفيذ إلى الفساد المستشري في المؤسسات السورية خلال الحقبة السابقة، والاعتماد على إدارة الأزمة يومًا بيوم بدلًا من التخطيط الاستراتيجي، مضيفًا أن العقوبات خنقت أي استثمار حقيقي، بدلًا من أن تكون سوريا مصفاة العرب وممر الطاقة الأول من الخليج إلى المتوسط.
وأشار عربش إلى أن الأساليب السابقة في الإدارة التي ما زال المواطن السوري يدفع ثمنها إلى الآن، جعلت سوريا تدفع الثمن مرتين، مرة حين لم تبنِ مصافي كافية للنفط، ومرة حين لم يخزن الوقود، منوهًا إلى أن السوريين ما زالوا يسمعون ذات الوعود، معربًا عن خشيته من أن يدفعوا الثمن للمرة الثالثة.
