تحتفل الكنائس المسيحية في سوريا بعيد “رفع الصليب”، والذي يصادف 14 من أيلول من كل عام،، وهو عيد يرتبط في التقليد المسيحي بذكرى اكتشاف الصليب الذي صُلب عليه السيد المسيح، وبالاحتفال برفعه أمام المؤمنين.
ويأخذ العيد في سوريا أشكالًا مختلفة بين المناطق والطوائف، لكن معلولا، المدينة القابعة في جبال القلمون بريف دمشق، تحتفظ بطقس شعبي خاص جعل المناسبة جزءًا من هوية البلدة وذاكرتها الاجتماعية.
وهذا العام، استعدت معلولا للعيد قبل موعده بأيام، إذ شهدت البلدة تجمعات وفعاليات دينية وشعبية، فيما نصب المشاركون الصلبان على قمم الجبال وجمعوا الحطب لإشعال النيران.
هذا التقليد يعتبر أحد أبرز مظاهر العيد في البلدة، إلى جانب الصلوات والتراتيل والتطواف في أحيائها القديمة، بمشاركة مسيحيين من مناطق سورية مختلفة، إضافة إلى زوار من خارج سوريا.
كيف بدأت طقوس الاحتفال؟
انطلقت تحضيرات طقوس عيد الصليب في معلولا قبل عدة أيام، وبدأت الاحتفالات مساء الأمس الأحد 13 من أيلول (عشية العيد)، بإشعال ما يعرف محليًا بـ”القبولة”، وهي شعلة كبيرة تُقام على قمم الجبال المحيطة بالبلدة، بعد جمع الأخشاب ونقلها إلى القمتين الشرقية والغربية.
وشارك في تجهيزها أبناء البلدة والزوار، في تقليد يرتبط في الذاكرة المسيحية بإشارات النار التي كانت تستخدم للإعلان عن العثور على خشبة الصليب، ويرتبط استخدام المشاعل والنيران في احتفالات عيد الصليب بهذا الموروث في مناطق مسيحية أخرى أيضًا.
وترافقت الشعلة مع رفع صلبان كبيرة فوق المرتفعات المحيطة بالبلدة، لتكون جزءًا أساسيًا من المشهد الاحتفالي خلال ليلة العيد.
ميشيل وهبة، أحد أبناء المدينة، قال إن إشعال النار ورفع الصليب على القمم من أكثر الطقوس التي يحرص أبناء معلولا على الحفاظ عليها، لأنها توارثتها العائلات جيلًا بعد جيل وأصبحت مرتبطة بالعيد في ذاكرة أبناء البلدة.
وأشار ميشيل، لعنب بلدي، إلى أن الاحتفال الذي يقام ليلة 14 من أيلول، لا يقتصر على إشعال النار، بل ترافقه الصلوات والتطواف في البلدة القديمة، بمشاركة الأهالي ورجال الدين، إلى جانب التراتيل والأناشيد التي تُردد بالعربية والآرامية.
كما تتجمع العائلات والزوار في البلدة خلال ساعات الاحتفال، وتُضاء الصلبان فوق الجبال وتُطلق الألعاب النارية، ما يجعل المناسبة تجمع بين الطقس الديني والمشاركة الاجتماعية.
مشاركة أبناء البلدة في تجهيز الشعلة والصلبان والاحتفال بها ليست مجرد جانب تنظيمي، وإنما جزء من الحفاظ على تقليد محلي ارتبط بعيد الصليب في معلولا، وبقي حاضرًا رغم تغير الظروف التي مرت بها البلدة خلال السنوات الماضية.
حضور عربي.. وجهة مرتبطة بالتراث المسيحي
ولم يقتصر حضور عيد الصليب في معلولا هذا العام على مسيحيين من المحافظات السورية، إذ شارك في الاحتفالات زوار ومصلّون قدموا من لبنان والأردن ودول أخرى، ما منح المناسبة بعدًا يتجاوز نطاقها المحلي.
ميراي حداد، إحدى أبناء الديانة المسيحية، والتي شاركت في عيد “الصليب” بمعلولا، قالت لعنب بلدي، إن حضور مسيحيين من لبنان والأردن في معلولا الأمس، يعكس مكانة المدينة بوصفها موقعًا دينيًا وتاريخيًا يتصل بذاكرة المسيحية في الشرق الأوسط، ولا سيما مع احتفاظ البلدة بمعالمها الدينية القديمة واستمرار حضور اللغة الآرامية فيها.
كما يرسخ توافد المشاركين من دول المنطقة إلى العيد موقع معلولا كإحدى الوجهات المرتبطة بالتراث المسيحي في العالم العربي، ويجعل الاحتفال مناسبة سنوية لاستعادة هذا الإرث من خلال الطقوس التي حافظ عليها سكان البلدة وتوارثوها عبر أجيال، أضافت ميراي.
عيد ديني بطابع اجتماعي
تربط الكنيسة الأرثوذكسية الأنطاكية عيد “رفع الصليب”، بذكرى رفع الصليب المقدس، فيما ارتبطت به في مناطق مسيحية عدة عادات شعبية، أبرزها إشعال النيران على قمم الجبال أو في الساحات.
وتفسر التقاليد الكنسية هذه النيران باعتبارها وسيلة لإيصال خبر العثور على الصليب في زمن لم تكن فيه وسائل الاتصال الحديثة موجودة.
في معلولا، لم يبق هذا التقليد محصورًا في الجانب الكنسي، بل أصبح مناسبة يشارك فيها سكان البلدة بمختلف أعمارهم، وتتحول خلالها الساحات والطرقات والجبال إلى أماكن للاجتماع والاحتفال.
وتترافق المناسبة مع الصلوات والتراتيل، فيما يردد المشاركون أناشيد وأشعارًا بالعربية والآرامية، في طقس يجمع بين البعد الديني والموروث المحلي للبلدة، وتشهد المدينة تطواف المشاركين، قبل توجههم إلى قمم الجبال لإضاءة الصلبان وإشعال النيران.
لماذا معلولا تحديدًا؟
يرتبط حضور عيد الصليب في معلولا بمكانة البلدة الدينية والتاريخية، إلى جانب خصوصيتها الثقافية بوصفها من آخر المناطق التي ما تزال فيها الآرامية مستخدمة بين السكان. وتقع البلدة في جبال القلمون بريف دمشق، وتضم عددًا من الأديرة والكنائس والمواقع الدينية التي جعلتها مقصدًا للزوار والحجاج المسيحيين.
وتربط الرواية المحلية بين معلولا والقديسة هيلانة، والدة الإمبراطور قسطنطين، التي يُعتقد بحسب الموروث المحلي أنها مرت بالبلدة خلال رحلتها المرتبطة باكتشاف الصليب المقدس، وأنها أوصت ببناء كنيسة فيها.
ومع مرور الزمن، أصبح هذا الارتباط جزءًا من تفسير خصوصية عيد الصليب في معلولا، وإن كان من المهم التمييز بين الرواية المتوارثة وبين ما يمكن إثباته تاريخيًا بصورة مستقلة.
وتكتسب البلدة أهمية إضافية من وجود دير القديسة تقلا ودير مار سركيس وباخوس، وهما من أبرز معالمها الدينية، إلى جانب كنائس ومزارات أخرى.
كما ارتبطت معلولا تاريخيًا بالاحتفالات الدينية الكبرى، إذ يأتي عيد الصليب في مقدمة المناسبات التي تحظى بحضور شعبي واسع فيها.
من الكنيسة إلى ساحة البلدة
تتجاوز المناسبة حدود الكنائس، إذ تنتقل مظاهر العيد إلى المجال العام، ويشارك السكان والزوار في التطواف داخل البلدة القديمة، ثم الصعود إلى الجبال، فيما تتردد التراتيل والأشعار باللغتين العربية والآرامية.
وهذا الجانب هو ما يمنح العيد طابعه الاجتماعي، فالمناسبة لا تعتمد على حضور القداس أو الصلاة وحدهما، وإنما تجمع العائلات والشباب والزوار في مساحة مشتركة، وتعيد استخدام أماكن البلدة العامة والجبال المحيطة بها كجزء من طقوس الاحتفال.
طقوس مرتبطة عليها الأجيال
إلى جانب النيران والصلبان والأناشيد والتراتيل الدينية والتطواف والصعود إلى قمم الجبال، تظهر تقاليد محلية مرتبطة بالطعام أيضًا خاصة بعيد “الصليب”، بينها إعداد القمح المسلوق وتوزيعه، إضافة إلى استخدام الريحان ضمن الموروث الشعبي المرتبط بالمناسبة.
كما حافظت معلولا على حضور اللغة الآرامية في طقوسها وأهازيجها، وهو عنصر يضيف إلى المناسبة بعدًا ثقافيًا إلى جانب بعدها الديني، خصوصًا أن البلدة تُعرف بكونها إحدى آخر البيئات التي لا تزال تستخدم الآرامية في الحياة اليومية.
وبذلك، لا يختصر عيد الصليب في معلولا بطقس إشعال النار على الجبل، رغم أن هذا الطقس هو الأكثر شهرة، بل يشكل مناسبة تلتقي فيها عناصر دينية وثقافية واجتماعية: الصلاة والتراتيل، التطواف، الأناشيد بالعربية والآرامية، مشاركة الشباب، اجتماع العائلات، واستقبال الزوار.
خصوصية معلولا في هذا العيد لا تأتي من اختلاف المناسبة الدينية نفسها، التي يحتفل بها المسيحيون في 14 أيلول، وإنما من الطريقة التي احتفظت بها البلدة بطقوس شعبية مرتبطة بالمكان، وحولتها إلى تقليد سنوي يشارك فيه المجتمع المحلي، لتصبح المناسبة جزءًا من الذاكرة الاجتماعية لمعلولا، إلى جانب مكانتها الدينية والتاريخية.
“الصليب” يوقد نار الذاكرة في سوريا.. عيد يتجاوز الطوائف ويجذب الزوار
