قال الرئيس السوري أحمد الشرع، في 15 من أيلول، إن حجم الاقتصاد السوري كان ضعيفًا ومتواضعًا جدًا رغم غنى سوريا، حيث وصل إلى ما يقارب الـ60 مليارًا في 2010 في أحسن أحواله.
وأضاف الشرع، خلال مشاركته في قمة الإعلام العربي بدبي: “أيضًا في 2024 عندما وصلنا إلى دمشق كان حجم الاقتصاد في سوريا قد وصل إلى 20 مليارًا تقريبًا، وهو أيضًا رقم متواضع، وذلك وفقًا لما نقلته صحيفة محلية سورية.
كما بين أنه في عام 2025 نما إلى ما يقارب الـ32 مليارًا، متوقعًا أن يصل في عام 2026 إلى 50 مليارًا، مؤكدًا أن الطموح هو الوصول إلى 200 مليار خلال السنوات الخمس أو العشر التالية في حال الاستقرار العالمي.
وبالتزامن مع تصريحات الرئيس الشرع، قال رئيس اتحاد غرف الصناعة السورية مازن ديروان، في اجتماع عقد الثلاثاء، 15 من أيلول، مع وفد اقتصادي أمريكي بالعاصمة السورية دمشق، إن الناتج المحلي في سوريا يمكن أن يصل إلى ما بين 200 و300 مليار دولار، قياسًا بعدد السكان والموارد الطبيعية والإمكانات المتاحة، حسبما نقلته الوكالة السورية للأنباء (سانا).
مباحثات اقتصادية سورية أمريكية رفيعة المستوى في دمشق بمشاركة 50 شركة أمريكية لعقد استثمارات أمريكية في سوريا – 15 ايلول 2026 (سانا/لقطة شاشة)
خبير اقتصادي: طموح الـ300 مليار يحتاج 25 سنة
الأرقام التي أدلى بها ديروان أمام الأمريكيين، فاجأت خبراء ومتابعين للشأن الاقتصادي السوري، لاسيما وأن الناتج المحلي الإجمالي في دولة جارة لسوريا مثل العراق (دولة نفطية مهمة)، لم تخرج من حرب مدمرة كالتي مرت بها سوريا، بلغ في عام 2025 نحو 254.37 مليار دولار، وفقا لبيانات البنك الدولي المفتوحة.
وفي الأردن الجارة لسوريا، بلغ الناتج المحلي الاجمالي 61.61 مليار دولار في 2025.
ولتحليل هذه الأرقام سألت عنب بلدي الخبير الاقتصادي والمصرفي السوري، الدكتور محمود عبد الكريم، عن رأيه حول مدى قدرة سوريا على الوصول إلى ناتج محلي إجمالي، سواء كان يقدر بـ 50 مليار دولار، أو يتراوح ما بين 200 إلى 300 مليار دولار، مع ما تمتلكه من موارد طبيعية وإمكانات متاحة.
يقول عبد الكريم، إن حجم الاقتصاد السوري اليوم يقدر رسميًا بنحو 32 مليار دولار، ولذلك فإن الوصول إلى 200 مليار خلال عشر سنوات يحتاج نموًا سنويًا بنسبة 20%، وللوصول إلى 300 مليار نحتاج 25 %، ولم تحقق أي دولة في التاريخ نموًا بـ20 % لعشر سنوات متصلة، حتى أن الصين، المعجزة الأشهر، نمت بمتوسط 10% على مدى ثلاثة عقود.
لكن الصورة تتغير إذا وسعنا المدة إلى عشرين سنة، يوضح عبد الكريم، وعندها يصبح المطلوب نحو 10% سنويًا للوصول إلى 200 مليار، ونحو 12% للوصول إلى 300 مليار، وهذا حدث فعلًا في التاريخ، فكوريا الجنوبية انتقلت من 65 مليار دولار عام 1980 إلى 576 مليارًا عام 2000.
أي أن الطموح السوري ممكن، لكنه طموح يستغرق ما بين 20 إلى 25 سنة، وطريقه “الصناعة والتصدير لا النفط والموقع الجغرافي”، حسبما أفاد الخبير الاقتصادي السوري لعنب بلدي.
هل تصنع الثروات الباطنية ناتجًا بـ 300 مليار
نبدأ من الموارد، يقول عبد الكريم، إذ تملك سوريا احتياطيًا نفطيًا مؤكدًا قدره 2.5 مليار برميل، وبقسمته على عدد السكان يصبح نصيب كل سوري 98 برميلًا فقط، بينما يبلغ نصيب المواطن العراقي من احتياطي بلاده يبلغ نحو 3100 برميل، أما الجزائر فنصيب مواطنها نحو 260 برميلًا، أي أكثر من ضعفي نصيب السوري، وهذه المقارنة وحدها تكفي لبيان أن سوريا ليست بلدًا نفطيًا.
وهناك مقارنة أوضح، فلو استخرجنا كل النفط السوري الموجود تحت الأرض وبعناه دفعة واحدة بسعر 70 دولارًا للبرميل، لبلغت الحصيلة 175 مليار دولار، أي أن ثروة سوريا النفطية كلها أقل من ناتج إجمالي لسنة واحدة من الرقم المستهدف، أما الغاز المؤكد فهو نحو 300 مليار متر مكعب، وقيمته الإجمالية لا تتجاوز 85 مليار دولار موزعة على عشرات السنين.
ويضيف الخبير الاقتصادي: تبقى الفوسفات، وهي ثروة حقيقية، والاحتياطي بين 1.8 و2.1 مليار طن، وهذا يضع سوريا بين الدول الخمس الأولى في العالم، لكن الثروة تحت الأرض شيء والدخل السنوي شيء آخر، فالهدف الحكومي هو إنتاج 10 ملايين طن سنويًا في 2027، وهذا يعني عائدًا قدره مليار ونصف المليار دولار في السنة، أي أقل من واحد بالمئة من اقتصاد بحجم 300 مليار.
ولو جمعنا كل قطاع الاستخراج في أفضل أحواله، أي نفط يعود إلى مستوى ما قبل الحرب، البالغ 385 ألف برميل يوميًا، مع الغاز والفوسفات، فالحصيلة بين 12 و18 مليار دولار سنويًا، وهذا يعادل 5% فقط من الاقتصاد المنشود، يوضح عبد الكريم، والوضع اليوم أبعد من ذلك، فالإنتاج الحالي 82 ألف برميل يوميًا فقط، أي نحو 2.1 مليار دولار في السنة.
ما حجم الاستثمارات المطلوبة ؟
يؤكد الدكتور عبد الكريم أن هذا الطريق له فاتورة، فالقاعدة الاقتصادية المعروفة أن كل دولار إضافي من الإنتاج السنوي يحتاج إلى استثمار نحو ثلاثة دولارات في المصانع والطرق والكهرباء، وبهذا الحساب يحتاج بلوغ 200 مليار خلال 20 عامًا استثمارًا مجموعه 504 مليارات دولار، أي 25 مليارًا كل سنة، وبلوغ 300 مليار يحتاج 804 مليارات، أي 40 مليارًا كل سنة.
ويتابع بأن المتاح اليوم أقل من ذلك بكثير، فالعقود الاستثمارية الموقعة فعليًا مع سوريا تبلغ نحو 14 مليار دولار مجتمعة لا سنويًا، من أصل تعهدات بثمانية وعشرين مليارًا، وكذلك فإن موازنة 2026 تقدر الإيرادات بنحو 8.7 مليار دولار مقابل إنفاق 10.5 مليار، وإذا جمعنا كل مصادر التمويل الممكنة من استثمار ومنح وتحويلات مغتربين وقروض ميسرة، فالسقف الواقعي بين 10 و15 مليار دولار في السنة، أي أن المطلوب ضعف المتاح إلى ثلاثة أضعافه، ولعشرين سنة متواصلة.
عقبات إضافية
تبقى هناك عقبتان لا يمكن تجاوزهما مهما كان التفاؤل، يوضحهما الدكتور محمود عبد الكريم:
الأولى الكهرباء، فسوريا تولد اليوم نحو 20 مليار كيلوواط ساعي في السنة، بعد أن كانت تولد 46 مليارًا عام 2010، واقتصاد بحجم 300 مليار يحتاج ما بين 90 و120 مليار كيلوواط ساعي، أي خمسة أضعاف الإنتاج الحالي، وقدرة توليد تتراوح بين 20 و25 ألف ميغاواط، بينما الهدف الحكومي المعلن هو 12 ألف ميغاواط بحلول 2030، وكلفة ذلك تتجاوز 40 مليار دولار، وببساطة، بلا كهرباء لا يوجد مصنع، وبلا مصانع لا يوجد اقتصاد كبير.
الثانية هي التصدير، وهي أصعب رقم في المعادلة كلها، أي اقتصاد بحجم 300 مليار دولار يستورد سنويًا ما بين 75 و90 مليارًا، ولكي يدفع ثمن هذه الواردات عليه أن يصدر ما بين 60 و75 مليار دولار، وصادرات سوريا في 2024 لم تتجاوز مليارًا ومئة مليون دولار، مقابل واردات بلغت 3.87 مليار، أي أن المطلوب مضاعفة الصادرات عشرات المرات.
ويرى الدكتور محمود عبد الكريم أن الأجدى من الجدل حول رقم الناتج المحلي الاجمالي، هو متابعة أربعة مؤشرات لا تقبل التجميل:
- عدد ساعات الكهرباء في اليوم.
- حجم الصادرات في السنة.
- حجم الاستثمار المدفوع نقدًا لا الموقع على الورق.
- نسبة راتب الموظف إلى سلة إنفاقه الشهرية البالغة نحو 206 دولارات، أي ثلاثة أضعاف الحد الأدنى للأجور.
ويوضح: “متى تحسنت هذه الأربعة جاء الرقم الكبير في وقته، ومتى بقيت على حالها فلن ينفع أي رقم مهما كان ضخمًا”.
وخلص في النهاية إلى أن وصول الاقتصاد السوري إلى رقم ما بين 200 و 300 مليار دولار بسبب موارد البلاد وعدد سكانها، “ليس مستحيلًا”، ولكن الطريق إليه ليس الذي يتصوره الناس، والمدة ليست التي يتحدثون عنها.
