“الموجة الجديدة؟”.. من يصوغ سياسة الثقافة السورية

  • 2026/09/16
  • 7:25 م
إحدى جلسات فعالية "الموجة الجديدة؟"- 15 أيلول 2026 (عنب بلدي)

إحدى جلسات فعالية "الموجة الجديدة؟"- 15 أيلول 2026 (عنب بلدي)

enab_get_authors_shortcode

في مرحلة تحاول فيها سوريا إعادة بناء مؤسساتها وقطاعاتها بعد سنوات طويلة من الحرب والحكم المركزي، لا يبدو القطاع الثقافي منفصلًا عن الأسئلة التي تطال شكل الدولة الجديدة وطريقة إدارة المجال العام.

فإلى جانب إعادة تأهيل المؤسسات والمنشآت، يبرز سؤال آخر يتعلق بما تنتجه الدولة والمجتمع من سياسات تحدد موقع الثقافة في الحياة العامة، ومن يشارك في وضعها، وكيف يمكن تمويلها، وما المساحة التي تتركها للمبادرات المستقلة.

في هذا السياق، جاءت فعالية “الموجة الجديدة؟”، التي نظمتها مؤسسة “خزّان، معمل، ثقافة”، التي تعنى بالقطاع الثقافي، في دمشق مساء الثلاثاء 15 من أيلول، لتفتح نقاشًا حول التحولات التي يشهدها العمل الثقافي السوري، لا من زاوية الإنتاج الفني وحده، وإنما من زاوية البنية التي يعمل ضمنها الفنانون والمبادرات والمؤسسات الثقافية.

عنوان “الموجة الجديدة؟” يحمل سؤالًا أكثر مما يقدم إجابة، فبحسب الشريك المؤسس في “خزّان” أنس يونس، لم يكن المقصود من تسمية الفعالية بـ”الموجة الجديدة؟”، الإعلان عن قطيعة مع ما سبقها، ولا القول إن هناك جيلًا جديدًا ألغى التجارب السابقة، بل محاولة لرصد كيانات ومبادرات ظهرت أو تطورت خلال السنوات الأخيرة، وتتعامل مع العمل الثقافي بطرق مختلفة على مستوى الحوكمة والاقتصاد وأساليب العمل.

وتقول الفكرة التي قامت عليها الفعالية إن هذه التجارب لا تبدأ من الصفر، وإنما تنطلق من تراكم سابق وتحاول بناء جسور معه، لكنها في الوقت نفسه تطرح مقاربات جديدة للعمل الثقافي.

ولم تقتصر “الموجة الجديدة؟” على النقاشات المتعلقة بالسياسات والمشهد الثقافي، بل جمعت بين النقاش الفكري والممارسة الفنية، ضمن برنامج تضمن جلسات حول الثقافة والاقتصاد والسياسات، إلى جانب ممارسات فنية وأدائية وموسيقية.

وتناول برنامج الفعالية، التي حضرتها عنب بلدي، واستمرت أكثر من ست ساعات، جلسات حوارية ونقاشية حول واقع الثقافة السورية والسياسات الثقافية والاقتصاد الثقافي، إلى جانب محاضرة أدائية بعنوان “كأنما شيء ما سيحدث”، والتي تناولت الحقل الثقافي السوري، إلى جانب فقرة موسيقية بعنوان “أصوات من قامشلو” تتقاطع فيها الموسيقى الكردية والعربية والسريانية.

لكن النقاشات التي رافقت الفعالية ذهبت أبعد من البرنامج الفني، ووضعت مجموعة من الأسئلة أمام المشهد الثقافي السوري: هل توجد اليوم سياسة ثقافية واضحة؟ من يملك حق صياغتها؟ ما دور وزارة الثقافة؟ أين تقف المبادرات المستقلة؟ وكيف يمكن بناء اقتصاد يسمح باستمرار الثقافة في ظل تراجع القدرة المعيشية وغياب البنية التحتية الثقافية؟

السياسة الثقافية.. ماذا تعني ومن يضعها؟

كان نقاش السياسات الثقافية أحد المحاور الأساسية في الفعالية، وانطلق من سؤال يتعلق بماهية السياسة الثقافية أصلًا، وما الذي يجعلها سياسة عامة وليست مجرد مجموعة أنشطة أو فعاليات تنظمها مؤسسة ما.

وعرّفت روان تكريتي، الشريكة المؤسسة ومديرة البرامج في “خزّان”، السياسة الثقافية بأنها مجموعة الآليات والإجراءات والتدابير التي تضعها الدولة لتنظيم العمل الثقافي، على أن تكون في صورة وثيقة واضحة تمتد لثلاث إلى خمس سنوات، وتتضمن أهدافًا محددة.

وبحسب هذا التصور، يفترض أن تجيب السياسة الثقافية عن أسئلة أساسية: كيف ترى الدولة الثقافة؟ وما أهدافها؟ وكيف ستُموّل الثقافة؟ وما مسار التمويل؟ وكيف ستنفذ الأهداف التي تضعها؟

ولا تقتصر المسألة على صياغة الوثيقة، إذ ترى تكريتي في حديثها مع عنب بلدي، أن وضع السياسة نفسها ينبغي أن يكون تشاركيًا، عبر التعاون مع المجتمع المدني والفاعلين الثقافيين والجهات المستقلة العاملة في القطاع.

السياسة الثقافية: مجموعة الآليات والإجراءات والتدابير التي تضعها الدولة لتنظيم العمل الثقافي، على أن تكون في صورة وثيقة واضحة، محددة بفترة زمنية، وتتضمن أهدافًا محددة، ويفترض أن تجيب السياسة الثقافية عن أسئلة أساسية: كيف ترى الدولة الثقافة؟ وما أهدافها؟ وكيف ستُموّل الثقافة؟ وما مسار التمويل؟ وكيف ستنفذ الأهداف التي تضعها؟

 

روان تكريتي
مديرة البرامج في مؤسسة “خزّان، معمل، ثقافة”

 

 

 

 

 

وتطرقت النقاشات إلى أن غياب السياسة الثقافية المعلنة يترك الفاعلين أمام أسئلة أساسية حول طريقة نظر الدولة إلى الثقافة، والفنون التي تدعمها، وحجم التمويل المخصص لها، وآليات الوصول إلى هذا التمويل، وهو ما يجعل المجال مفتوحًا لتفسيرات وممارسات متعددة.

وفي المقابل، طرحت شيرين سعيد، مديرة البرامج في المركز السوري للبحوث والسياسات، قراءة مختلفة لمسألة الغياب، إذ لا ترى في حديثها مع عنب بلدي، أن المشهد يخلو بالضرورة من سياسات، وإنما يمكن أن تكون هناك سياسات غير معلنة أو غير مباشرة تؤثر في المجال الثقافي.

ومن وجهة نظر سعيد، فإن وجود سياسة ثقافية لا يتعلق فقط بتنظيم الفنون، وإنما بتحديد الإطار الذي يتحرك ضمنه المجتمع، وبطريقة رؤية الناس لبعضهم، وبقضايا الانتماء والتماسك الاجتماعي. ولذلك فإن السياسة الثقافية، في تصورها، جزء من السياسة العامة وليست ملفًا منفصلًا عنها.

أربعة نماذج.. كيف يمكن أن تُدار الثقافة؟

توسّع النقاش في الفعالية إلى النماذج التي يمكن من خلالها للدولة أن تتعامل مع الثقافة، في محاولة لفهم الخيارات المتاحة أمام أي سياسة ثقافية.

ووفق الطرح الذي قدم خلال الجلسة، يمكن تمييز أربعة نماذج رئيسية:

  1. النموذج الأول حيث تكون الدولة هي الجهة التي تنتج الفنون وتتحمل المسؤولية الأساسية عنها، وتحدد بصورة مركزية ما الذي ينبغي إنتاجه ودعمه، واعتُبر هذا النموذج قريبًا من الشكل الذي كان قائمًا في سوريا قبل سقوط نظام الأسد.
  2. أما النموذج الثاني، فيقوم أيضًا على دور مركزي للدولة، لكن مع مساحة أكبر للامركزية، بحيث يكون للمدن أو المحافظات دور في تحديد بعض توجهاتها الثقافية، بدل أن تظل جميع القرارات محصورة في المركز.
  3. وفي النموذج الثالث، تتحول الدولة إلى “راعٍ” للفنون، بينما تترك مساحة أكبر للمنصات والفنانين والجهات المستقلة في تحديد النشاط الثقافي وتنفيذه، وتتمثل وظيفتها بصورة أكبر في الدعم والرعاية وتوفير البيئة المناسبة للعمل الثقافي.
  4. أما النموذج الرابع، فيعتمد بدرجة أكبر على الدعم الخاص والمجتمعي والتبرعات من أشخاص أو جهات ترغب في دعم القطاع الثقافي، بدل الاعتماد بصورة أساسية على الدولة في تمويل النشاط الثقافي.

ولم يكن طرح هذه النماذج بهدف اختيار نموذج بعينه لسوريا، وإنما لتحديد السؤال الأوسع: إذا كانت هناك سياسة ثقافية واضحة، فأي شكل للعلاقة بين الدولة والمجتمع الثقافي يمكن أن تتبناه؟

ومن دون سياسة معلنة، يبقى من الصعب تحديد النموذج الذي تتحرك ضمنه الدولة، أو معرفة الحدود الفاصلة بين دور المؤسسات الرسمية ودور الفاعلين المستقلين.

السياسة ليست تمويلًا فقط

أظهر النقاش الذي دار بين معنيين وخبراء وباحثين بالشأن الثقافي، أن السياسة الثقافية لا تتعلق بالميزانية وحدها، وإن كان التمويل جزءًا أساسيًا منها. فالسياسة تحدد أيضًا الأهداف، والفترة الزمنية، وآليات التنفيذ، والجهات المشاركة، وطبيعة العلاقة بين الدولة والفاعلين الثقافيين.

وتطرقت المداخلات إلى أثر الاقتصاد في الثقافة، وإلى تراجع الطبقة الوسطى التي وُصفت خلال النقاش بأنها كانت تشكل سندًا للثقافة، إضافة إلى مسألة البنية التحتية الثقافية التي تؤثر مباشرة في قدرة الفاعلين على إنتاج النشاط الثقافي واستمراره.

كما طُرح سؤال الاستثمار في الثقافة ضمن سياق إعادة الإعمار، مع الإشارة إلى أن الحديث عن الاستثمار وإعادة البناء لا يعني بالضرورة حضور الثقافة ضمن أولويات الاستثمار، وهو ما يفتح سؤالًا حول موقع الثقافة في الاقتصاد السوري المقبل.

وفي هذا السياق، ظهرت أيضًا مسألة البيئة الرقمية السورية وما يواجهه العمل الثقافي داخل الفضاء الرقمي، باعتباره مجالًا آخر يتطلب النظر إليه ضمن أي تصور مستقبلي للعمل الثقافي.

هل تستطيع الثقافة أن تكون جزءًا من الشأن العام؟

لم تتعامل الفعالية مع الثقافة باعتبارها مجالًا منفصلًا عن بقية القضايا العامة. فأنس يونس، الشريك المؤسس في “خزّان”، يرى أن الفن والثقافة لا ينبغي التعامل معهما بوصفهما ترفًا أو نشاطًا هامشيًا، وإنما باعتبارهما جزءًا من المجال العام، ويمكن أن يتقاطعا مع العمل السياسي والمدني والاجتماعي، ومع قضايا العدالة الاجتماعية والعدالة الانتقالية.

ومن هذه الزاوية، لا تصبح الثقافة مجرد مساحة لإنتاج الأعمال الفنية، وإنما وسيلة لفتح النقاش العام وإنتاج مساحات للتواصل والعمل المشترك، أضاف يونس لعنب بلدي.

ويأتي هذا التصور ضمن الفكرة التي تحملها “خزّان” حول الثقافة، والتي تسعى إلى وضع العمل الثقافي في صلب الحياة العامة، بدل إبقائه محصورًا في المؤسسات والفعاليات المتخصصة.

بين الدولة والفاعلين الثقافيين

أعاد النقاش في الفعالية طرح العلاقة بين المؤسسات الرسمية والجهات الثقافية المستقلة، ليس فقط من زاوية الدعم، وإنما من زاوية المشاركة في صناعة القرار الثقافي.

وترى تكريتي أن السياسة الثقافية، إذا أُريد لها أن تكون قابلة للتطبيق، تحتاج إلى مشاركة الفاعلين الموجودين في المجال، بينما تؤكد سعيد أهمية التشاور مع المجتمع والفاعلين قبل وضع السياسات.

وفي المقابل، يشير يونس إلى حاجة المؤسسات والجهات الثقافية إلى معرفة آليات عمل وزارة الثقافة وخططها، بحيث تستطيع تحديد الطريقة التي يمكن أن تتعاون بها معها.

وتتقاطع هذه الأفكار عند مسألة أساسية طرحت في الفعالية: لا يكفي أن توجد مؤسسات ثقافية أو مبادرات أو جهات رسمية تعمل في المجال نفسه، إذا كانت كل جهة تتحرك وفق تصور منفصل من دون أهداف مشتركة أو آليات واضحة للتعاون.

المؤسسات والجهات الثقافية بحاجة إلى معرفة آليات عمل وزارة الثقافة وخططها، بحيث تستطيع تحديد الطريقة التي يمكن أن تتعاون بها معها

أنس يونس

شريك مؤسس في “خزّان”

 

الثقافة بين المركز واللامركزية

ارتبط النقاش أيضًا بمسألة المركزية، خصوصًا في طرح “خزّان” الذي يدعو إلى العمل من مناطق مختلفة، وإنشاء دوائر للنقاش الثقافي خارج المركز وربطها ضمن شبكات لا تقوم على مركز واحد.

ويطرح يونس إمكانية العمل من القاعدة إلى الأعلى، بحيث لا تبقى صياغة التصورات الثقافية حكرًا على المؤسسات المركزية، وإنما يمكن إنتاج النقاش حول السياسات والخطط في أماكن مختلفة من سوريا، ثم ربط هذه النقاشات ببعضها.

وبذلك تصبح اللامركزية المقترحة في العمل الثقافي مرتبطة أيضًا بطريقة إنتاج السياسة الثقافية نفسها، لا بمجرد توزيع الفعاليات جغرافيًا.

“الموجة الجديدة؟”.. سؤال لا إجابة جاهزة

في النهاية، لم تقدم الفعالية إجابة نهائية عن سؤالها الأساسي، ولم يكن ذلك هدفها أصلًا. فـ”الموجة الجديدة؟”، جاءت لتضع مجموعة من الأسئلة في مساحة واحدة: ما شكل السياسة الثقافية المطلوبة؟ من يشارك في وضعها؟ ما طبيعة علاقة الدولة بالقطاع الثقافي المستقل؟ وما النموذج الذي يمكن أن يحكم هذه العلاقة؟

وبينما تستند التجارب الجديدة إلى تراكم ثقافي سابق، تحاول في الوقت نفسه اختبار طرق مختلفة في العمل والحوكمة والتعاون، لتبقى علامة الاستفهام في عنوان الفعالية مفتوحة على احتمالات متعددة.

ووضع النقاش الأسئلة المتعلقة بالثقافة والسياسة والعمل الثقافي في مساحة واحدة، وتركت الإجابة عن شكل المرحلة المقبلة معلقة على ما يمكن أن تنتجه هذه النقاشات والتجارب لاحقًا.

 

مفارقات في المشهد الثقافي السوري

مقالات متعلقة

فن وثقافة

المزيد من فن وثقافة