يتحدث الروبوت “بكري” بلهجة حلبية ليرحب بالمستخدمين ويعرف عن محتويات متحف “حلب الوطني” وعن المدينة وتاريخها وعاداتها وطعامها، وكل ما يهم السائح أو المقيم، ليتأهل هذا الروبوت للمشاركة في مسابقة عالمية متخصصة في علوم الروبوتات، ستقام في جزيرة بورتوريكو، التابعة للولايات المتحدة الأمريكية، خلال كانون الأول المقبل.
ليست اللهجة الحلبية وحدها، بل يتحدث “بكري” بعدة لهجات سورية وعربية، منها المصرية والخليجية، إضافة إلى 11 لغة أخرى، إلى جانب اللغة العربية، ليعطي بيانات عن المتحف والمدينة، بالطريقة التي تناسب الزائر، إذ تم تصميمه ليخدّم زائري متحف “حلب الوطني”، ويساعد إدارة المتحف على تنظيم وأرشفة مقتنياته.
ومن المفترض أن يتجول “بكري” داخل المتحف ويتعرف على الزوار، من خلال كميرا وشاشة تفاعلية مثبتة عليه بحجم 32 إنشًا، كما يفترض أن يحفظ بيانات زائري المتحف، وينظم المواعيد وحجزها وإتاحة إمكانية الدفع عن بعد، بحسب المدير التنفيذي لشركة “روبوتريك” (RoboTrick) ومدرب فريق “روبونفو” (ROBONVO) صاحب المشروع، نور الدين الحوت.
الحوت قال لعنب بلدي، إن “بكري” ليس مجرد روبوت، بل عبارة عن نظام متكامل، حيث يتضمن أيضًا تطبيقًا إلكترونيًا يعمل على الهواتف المحمولة، لمساعدة الزوار في حجز المواعيد ومعرفة أماكن الزيارة المتاحة، وحجز التذاكر والدفع إلكترونيًا، فضلًا عن لوحة التحكم الخاصة بإدارة المتحف، التي تمكنهم من معرفة عدد الزوار والجنسيات الأكثر زيارة، وتحديد المواعيد المتاحة وعدد التذاكر اليومية، وإدارة المحتوى الرقمي للروبوت والتطبيق.
للمشاركة في “WRO”
بدأت فكرة “بكري” انطلاقًا من ثيمة مسابقة البطولة الوطنية السورية للروبوت للعام الحالي، حيث طلبت اللجنة المنظمة للبطولة أن تكون المشاركات متعلقة بالثقافة السورية ونقل التراث المادي واللامادي عبر الطرق الإلكترونية والروبوتات، إذ كان عنوان المسابقة هو: “الروبوتات تلتقي بالثقافة”.
وأراد مبتكرو “بكري” حل مشكلة تتعلق بالتراث الحلبي، إذ وجدوا غيابًا لأرشيف رقمي موحد، ونقصًا حادًا في المرشدين السياحيين، وحواجز لغوية مع الزوار الأجانب، وذلك بعد زيارة ميدانية لفريق “روبوتريك” لمتحف “حلب الوطني”، ومقابلة خبراء التراث وإدارة الآثار والمتاحف بحلب لتحديد الاحتياجات الفعلية، بحسب الحوت.
واختار فريق “روبونفو” اسم “بكري” لأنها كلمة حلبية عريقة تعني “قديمًا” أو “من زمان”، وهي الكلمة التي يبدأ بها الأجداد قصصهم وحكاياهم، وفق ما لفت إليه حوت.
ويعتبر اسم بكري أحد أكثر الأسماء استخدامًا في مدينة حلب، ويشير هذا الاسم إلى البكورة أو المبكر.
خطوات عملية.. عقبات على الطريق
بنى مبتكرو “بكري” بيئة برمجية شاملة تضم خمس منتجات متصلة وبأكثر من 20 ألف سطر برمجي، لمنع تقديم معلومات تاريخية خاطئة.
أما من حيث التصميم الميكانيكي والكهربائي والتنفيذ، فقد رسم الفريق الهيكل ونمذجه على برامج “SolidWorks” و”CorelDraw”، إلى جانب بناء دارة كهربائية تفصل خطوط المحركات (42V) عن خطوط التحكم الحساسة لضمان الأمان والحد من الضجيج.
واختبر الفريق الروبوت ميدانيًا في متحف “حلب الوطني” لمدة ثلاث ساعات متواصلة مع الزوار والمسؤولين.
لكن في المقابل، واجه المبرمجون عدة عقبات في أثناء مراحل التصنيع والاختبار، وخلال المسابقة، وصولًا إلى المرحلة التي تلتها، إلا أنهم تجاوزوا هذه العقبات للفوز بالبطولة.
أبرز العقبات كانت تتعلق بإبرام مشروع مشترك أو شراء المنظومة رسميًا، فبالرغم من الدعم المعنوي الذي تلقته شركة “روبوتريك” من إدارة المتاحف والآثار، وتشجيع مديرها منير القسقاس، تمر المديرية حاليًا بمرحلة وصفها الحوت بـ”الحساسة”، تتمثل في إعادة تأهيل وبناء المتحف وترميمه، فضلًا عن نقص الموارد المادية، التي تتجه الآن نحو الترميم البنيوي والأولويات الإنشائية الأساسية.
وتعمل إدارة متحف “حلب الوطني” على إعادة تأهيله، وضبط وأرشفة محتوياته، تمهيدًا لافتتاحه أمام الزوار، وفق تصريحات سابقة حصلت عليها عنب بلدي من إدارة المتحف.
من جانبها، راعت “روبوتريك” هذه التحديات عبر خيارات مرنة مثل التشغيل عبر نظام الرعاية (Sponsorship)، أو الاستئجار الموسمي، أو التعاون بين القطاعين العام والخاص بشراكة مع منظمات مهتمة بالتراث، وذلك لتمكين المتحف من تبنّي منظومة “بكري” والاستفادة منها دون تحميل ميزانية إعادة الإعمار أعباءً مالية إضافية.
وتطمح الشركة في أن يكون هذا المشروع نواة لشراكة مستدامة تُعمم على بقية المتاحف السورية مستقبلًا، وفق الحوت.
على صعيد الجانب التقني، اعترض خطة التصنيع عقبات تتمثل بتذبذب شبكة الإنترنت، من انقطاع الشبكة في مواقع العمل والمتحف، ما دفعهم لتصميم معمارية “أوفلاين” معالجة محليًا بالكامل على وحدة (GPU) داخل الروبوت لضمان استمرار الجولة والتفاعل دون انقطاع.
واستطاع فريق “روبونفو” معالجة اهتزاز الشاشة في أثناء الحركة على أرضية المتحف الرخامية من خلال تصميم وصلة ممتصة للاهتزاز (Anti-vibration link) وتصنيعها خصيصًا لتجاوز المشكلة.
كما واجه فريق “روبونفو” صعوبات في تأمين القطع اللازمة، مثل متحكمات القيادة الدقيقة لهذه المحركات، وحساسات الليزر، والمتحكمات الحساسة.
وأوضح الحوت أن هذه القطع البرمجية الدقيقة غير متوفرة في سوريا، ولا يمكن تصنيعها محليًا، مما اضطرهم لاستيرادها وشحنها عبر موردين خارجيين بتكاليف مرتفعة وفترات انتظار طويلة، مشيرًا إلى أنهم اضطروا للتوقف عن العمل لأسابيع بعد تعرض أحد متحكمات المحركات للتلف.
لكن في المقابل، ساعدت الشراكة بين “روبوتريك” وشركة “ONVO” المتخصصة في تقديم منتجات تقنية والكترونية مثل الشاشات والسكوترات الكهربائية، بتجهيز الهيكل الأساسي للروبوت مثل الشاشة التفاعلية الرئيسية ونظام الدفع والمحركات.
ليست المشاركة الأولى
شاركت “روبوتريك” في الأولمبياد الوطني لعلوم الروبوت لعدة سنوات، وضمن فئات متعددة، حيث حصدت الشركة في مشاركاتها السابقة جوائز ومراكز متقدمة متتالية، تضمنت المراكز الثانية والثالثة والميداليات الفضية والبرونزية، وخاصة فئة المهمات الروبوتية (RoboMission).
ويمتلك الفريق سجلًا حافلًا بالجوائز، على مستوى المدرب وأعضاء الفريق المشاركين، حيث سبق وأن حصلوا على جوائز وميداليات ذهبية وفضية وبرونزية، وتأهلوا للمشاركة في بطولات عالمية، وفق الحوت.
وفي هذا العام، فازت الشركة بالميدالية الذهبية، ضمن فئة “المبتكرين الكبار” (Future Innovators – Senior) لتنال بطاقة التأهل الرسمية لتمثيل سوريا في نهائيات البطولة العالمية.
وحصل فريق “روبونفو” على 153.5 نقاط، بنسبة مئوية بلغت 76.75%، ضمن مسابقة “مبدعي المستقبل” للفئة العليا.
وأعلنت هيئة التميز والإبداع عن صدور نتائج التصفيات النهائية للبطولة الوطنية لعلوم الروبوت، في 25 آب الماضي، والتي اختُتمت منافساتها بمشاركة 61 فريقًا تأهلوا إلى المرحلة النهائية بعد اجتياز مرحلة التجمعات.
نحو البطولة العالمية
ويأتي ختام البطولة الوطنية محطةً لتحديد الفرق المتقدمة التي ستواصل مسيرتها في المنافسات المؤهلة إلى أولمبياد الروبوت العالمي، وتمثيل سوريا في هذا المحفل العالمي، وفق ما ذكرته الهيئة.
وقال المنسق الوطني للأولمبياد، الدكتور مهيب النقري، لعنب بلدي في وقت سابق، إن المسابقة محليًا تجري على مستوى ثلاثة تجمعات، دمشق والمنطقة الوسطى والمنطقة الساحلية، قبل أن تنطلق النهائيات على المستوى الوطني في شهر آب، ليشارك المتأهلون في المسابقة عالميًا خلال شهر كانون الأول القادم.
وعادةً يشارك عدد يتراوح بين 150و 160 فريقًا في سوريا بالمسابقة، بحسب النقري، بثلاث فئات: الابتدائية، المتوسطة، والعليا، بأعمار تتراوح بين ثمانية أعوام و22 عامًا.
وبدأت سوريا أولى مشاركتها في أولمبياد الروبوت العالمي عام 2015، وفق النقري، مبينًا أن أفضل النتائج حققت الدورة الماضية عندما حققت الميدالية الذهبية.
ويشارك في مسابقة الروبوت نحو 30 ألف فريق من 100 دولة حول العالم، بحسب المنسق، إذ يتأهل إلى النهائيات حوالي 500 فريق منهم.
وتستضيف بورتوريكو البطولة في 8 وحتى 10 من كانون الأول المقبل.
التحضيرات: ثلاثة محاور
من جانبها، تطمح شركة “روبوتريك” إلى تقديم تمثيل “استثنائي ومشرف” يُرفع فيه علم سوريا عاليًا في النهائيات، لإثبات أن “الشباب السوري يمتلك العزيمة والكفاءة الهندسية لبناء تكنولوجيا متقدمة تحمي التراث الإنساني وتنافس ندًا لند مع أكبر الدول” بحسب تعبير الحوت.
ويعمل فريق “روبونفو” حاليًا وفق خطة عمل “مكثفة ومدروسة” بالتعاون مع المنظم الوطني واستنادًا إلى توجيهات وملاحظات لجنة التحكيم في البطولة الوطنية، للوصول بمشروع “بكري” إلى أعلى مستويات الجاهزية والتميز للتمثيل الدولي.
وتتركز تحضيرات الفريق ضمن ثلاثة محاور رئيسية هي:
- العمل على تطوير الهيكل الخارجي للروبوت وتطعيمه بلمسات وتصاميم مستوحاة من التراث والفلكلور السوري والعمران الحلبي، ليعكس “بكري” الهوية الثقافية لسوريا بصريًا فور النظر إليه، مع المحافظة على طابعه الهندسي العصري والمتقن.
- تحسين تجربة المستخدم (UX)، عبر رفد واجهات التفاعل على الشاشة وتطبيق الهاتف بتحديثات تجعل تجربة الزائر أكثر سلاسة ومتعة، وتبسيط رحلة التفاعل الصوتي والحوار الذكي ليكون أكثر طبيعية وجاذبية لمختلف الفئات العمرية والجنسيات.
- رفع الكفاءة والأداء الهندسي، من خلال استكمال التجارب العملية الميدانية لنظام الملاحة الذاتية التامة داخل أروقة المتحف، وتحسين انسيابية وسلاسة حركة الروبوت، مع توسيع قاعدة البيانات والمكتبة الصوتية لتغطي كافة المواضيع باللغات الـ 12 بالكامل بدون إنترنت.
الذهبية لأول مرة
حققت الفرق السورية المشاركة في الأولمبياد العالمي للروبوت، في عام 2025، إنجازًا غير مسبوق، تمثّل بحصادها ميداليات متنوعة.
وقالت هيئة التميز والإبداع عبر معرفاتها الرسمية، آنذاك، إن فريق “Marsalis” نال أول ميدالية ذهبية في تاريخ المشاركات السورية على مستوى جميع اختصاصات الأولمبياد، فيما تأهل فريق “SQ-391” إلى المركز الثامن على المستوى الدولي.
وأشارت إلى حصول فريقي “Monsters, Inc” و”Open Mind Latakia” على ميداليتين فضيتين، كما نال فريق “VLNs” ميدالية برونزية.
وأكّدت “الهيئة” حينها، أن هذه النتائج تعكس تطور مجال الروبوتيك في سوريا، وتعد تتويجًا لسنوات من التدريب والعمل الدؤوب والالتزام.
وأولمبياد الروبوتات العالمي (WRO) هو منافسة عالمية للشباب تستخدم روبوتات ليغو مايندستورمز، إذ انطلقت في سنغافورة عام 2004.
