أصالة في دمشق.. عودة تجمع الفرح والذاكرة والتراث السوري

  • 2026/09/18
  • 7:10 م
الفنانة أصالة نصري خلال حفلها في صالة الفيحاء بدمشق - 17 أيلول 2026 (عنب بلدي)

الفنانة أصالة نصري خلال حفلها في صالة الفيحاء بدمشق - 17 أيلول 2026 (عنب بلدي)

enab_get_authors_shortcode

بعد 16 عامًا من الغياب عن المسارح السورية، عادت الفنانة السورية أصالة نصري، لتقف أمام جمهورها في صالة “الفيحاء” وسط العاصمة دمشق، في حفل حمل اسم “عودة الأصالة”، مساء الخميس 17 من أيلول.

لم تكن العودة مجرد حفل لفنانة سورية كبيرة أمام جمهور اشتاق إلى صوتها، إذ جاءت بعد سنوات طويلة غابت خلالها أصالة عن المسرح السوري، وبعد أشهر من مرحلة سياسية جديدة في سوريا، كما سبقتها بأيام خطوة فنية لافتة تمثلت بإطلاقها “الألبوم السوري”، المؤلف من 14 أغنية من التراث السوري، خصصت كل واحدة منها لمحافظة.

وبين أغاني مسيرتها الطويلة، والأغاني السورية التي أعادت تقديمها، بدت ليلة “الفيحاء” وكأنها تجمع أكثر من ذاكرة في مكان واحد: ذاكرة أصالة الفنية، وذاكرة السوريين خلال سنوات الغياب، وذاكرة التراث الذي اختارته الفنانة ليكون مدخلًا جديدًا إلى بلدها.

أصالة تعود إلى جمهورها

منذ وصول أصالة إلى خشبة الصالة، حمل الحفل طابعًا مختلفًا عن الحفلات المعتادة، جمهور انتظر الفنانة التي غابت عن المسارح السورية منذ عام 2010، وفنانة تعود إلى بلدها بعد سنوات طويلة وهي تحمل معها أكثر من ثلاثة عقود من التجربة والنجومية.

على المسرح، استهلت أصالة حفلها بأغنية “ارفع راسك فوق”، ثم قدمت مجموعة من أغانيها المعروفة، إلى جانب أغانٍ من مشروعها السوري، فيما رافقتها فرقة “إنانا” في لوحات أدائية مستندة إلى الدبكة والإيقاعات الشعبية.

لكن بالنسبة إلى أصالة نفسها، لم تكن اللحظة عادية، إذ تحدثت أمام الجمهور عن عدم تصديقها أنها تقف مجددًا أمامهم، وعن حلمها الطويل بهذه العودة، وربطت المرحلة الجديدة التي يعيشها السوريون بما سمته “التشافي”، معتبرة أن الفن والموسيقا جزء من هذا التشافي.

هذا البعد العاطفي في العودة انعكس أيضًا في قراءات الفنانين للحفل.

الفنان ماهر صليبي يرى، في حديث إلى عنب بلدي، أن أصالة، بعيدًا عن أي موقف سياسي، تستحق الاحتفاء بها فنيًا، لأنها استطاعت خلال أكثر من 30 عامًا أن تحافظ على نجوميتها وحضورها العربي، معتبرًا أن قلائل من الفنانين تمكنوا من الحفاظ على هذا المستوى من الحضور طوال هذه المدة.

ووصف صليبي عودتها بأنها عودة “صادقة من القلب”، متحدثًا عن الفرح الذي رأى أثره في عيون الجمهور والسوريين، معتبرًا أن مجرد اجتماع الناس حول صوت أصالة يمثل قيمة بحد ذاته.

وتتفق معه الفنانة وعضو مجلس الشعب روزينا لاذقاني، في حديث إلى عنب بلدي، موضحة أن قيمة الحفل لا تتوقف عند أصالة كفنانة، بل في قدرته على خلق حالة من الفرح وجمع السوريين.

وقالت لاذقاني، إن أي شيء يجمع السوريين ويصنع حالة فرح بينهم يعني لها الكثير، إلى جانب كون أصالة فنانة واسمًا كبيرًا، و“بنت البلد وبنت الشام”.

أما الفنانة السورية وفاء موصللي فتتعامل مع أصالة بوصفها أكثر من اسم فني، إذ ترى أن “وراءها حكاية”، وأن وراء عودتها شيئًا خاصًا بالنسبة إلى السوريين.

فعودة أصالة، بحسب موصللي، تعني بالنسبة إليها عودة الكثير من القلوب الحزينة والمقهورة التي تمثلها الفنانة، مضيفة أن السوريين بحاجة إلى الفرح، وأن لديهم حنينًا وجوعًا إليه، ولذلك فإن عودة أصالة بالنسبة إليها تعني عودة إلى هذا الفرح.

14 أغنية.. سوريا التي تتسع لصوت واحد

إذا كان الحفل أعاد أصالة إلى جمهورها، فإن “الألبوم السوري” الذي سبق العودة بأيام أعادها إلى مناطق سورية متعددة في الوقت نفسه.

الألبوم المؤلف من 14 أغنية، لكل محافظة أغنية، لم يقدم التراث السوري بوصفه لونًا واحدًا، وإنما حاول جمع ألوان ولهجات وتقاليد غنائية مختلفة في مشروع واحد.

بالنسبة إلى يارا صبري، تكمن أهمية المشروع في رسالته قبل أي شيء آخر.

وترى صبري، في حديثها إلى عنب بلدي، أن الأغاني التي جُمعت في الألبوم، بوصفها جزءًا من التراث السوري، قُدمت بطريقة جميلة وواضحة الرسالة، وهي أن السوريين بلد واحد، رغم الاختلاف والخلاف وما قد يحدث بينهم من أزمات.

وقالت إن السوريين قد يختلفون ويتشاجرون، وقد تحدث بينهم أشياء سيئة، لكنهم في النهاية بلد واحد، وإن حل المشكلات يجب أن يكون بعيدًا عن العنف، لأنه، في النهاية، “كلنا سوريون مع كل اختلافاتنا”.

وترى صبري أن أهمية الألبوم تكمن تحديدًا في هذه الرسالة، متمنية أن يكون خطوة أولى نحو تقديم المزيد من الأغاني التي افتقدها السوريون، وخصوصًا بصوت أصالة وباللهجة السورية.

ولا ترى أن أهمية الألبوم منفصلة عن دور الفن في الأزمات، فهي تعتبر رسالته مناسبة للمرحلة التي تمر بها سوريا، وتراه محاولة للتأكيد على وحدة البلد من خلال الفن والتراث.

أما الكاتب السوري سامر رضوان فوصف الألبوم بأنه يقدم في عمل واحد ما يسميه “التوليفة السورية”، بما فيها من أطياف وثقافات وتراث.

واعتبر أن اختيار أغانٍ تراثية سورية قديمة وإعادة توزيعها وتقديمها بصوت أصالة “شغلة عظيمة”، بحسب تعبيره، لأنها تسمح بأن تجتمع ألوان مختلفة داخل مشروع واحد.

وأشار  بشكل خاص إلى أغنية “محبوب قلبي”، المرتبطة بتراث السويداء، معتبرًا أن اختيار أصالة لهذه اللحظة وتقديم أغنية من تراث المحافظة ضمن مشروعها السوري يحمل دلالة مهمة.

بينما تنظر وفاء موصللي إلى الأمر من زاوية أخرى، هي خصوصية كل محافظة، وترى أن قيمة المشروع تأتي من اهتمام أصالة بالفلكلور السوري، ومن محاولة إظهار أن كل شبر من البلاد ينتمي إلى هذه الخريطة المشتركة، مع احتفاظ كل محافظة بخصوصيتها ولونها وتراثها.

وتتمنى موصللي ألا يبقى الألبوم محصورًا في سوريا، بل أن يصل إلى العالم، لأن تقديم سوريا وتراثها من خلال فنانة بحجم أصالة يمكن أن يكون وسيلة للتعريف بالبلد وصورته الثقافية.

ووصفت روزينا لاذقاني الخطوة بأنها “حلوة كتير وذكية”، وترى أنها صنعت حالة من الألفة بين الناس.

وبالنسبة إلى لاذقاني، فإن أهمية الألبوم لا تنفصل عن السؤال الأوسع حول دور الفن في جمع السوريين، إذ تأمل أن يكون الفن، إلى جانب مجالات أخرى كثيرة، وسيلة تجمع السوريين، وأن يصبح هذا الجمع هدفًا مشتركًا.

هكذا، لم تعد المحافظات الـ14 مجرد خلفية لعنوان الألبوم، بل أصبحت جزءًا من فكرته الأساسية: كيف يمكن لتراث متنوع أن يظهر داخل مشروع غنائي واحد؟

حين تصبح العودة جزءًا من الذاكرة

عودة أصالة إلى دمشق لا تنفصل عن موقفها السياسي منذ انطلاق الثورة السورية عام 2011، وهو ما أعطى الحفل معنى إضافيًا لدى عدد من الفنانين والمسؤولين.

وزير الثقافة السوري، محمد ياسين الصالح، وضع العودة في هذا السياق بوضوح، إذ رأى، في حديث إلى عنب بلدي، أن الحفل مناسبة للفرح، لكنه استعاد أيضًا موقف أصالة خلال سنوات الخوف.

وقال إن أصالة “قالت كلمة حق بزمن الخوف”، وإنها تعرضت للكثير من التشويه والظلم، معتبرًا أن الاحتفاء بها اليوم يمثل إنصافًا لمن تعرضوا للظلم.

وربط الوزير عودة أصالة بما وصفه بالمبادئ التي قامت عليها الثورة السورية، متحدثًا عن ثورة على الظلم والإقصاء والتهميش.

كما استعاد أسماء وأغاني ارتبطت بذاكرة الثورة، فتحدث عن عبد الباسط الساروت، وعن أغنية “يا حيف”، معتبرًا أن الفن لغة من لغات التخاطب بين الشعوب.

وفي هذا السياق، لا تقرأ يارا صبري عودة أصالة بوصفها عودة فنانة فقط، وأشارت في حديثها لعنب بلدي، إلى أن أصالة كانت من الفنانين الذين اتخذوا موقفًا منذ بداية الثورة السورية، في وقت كان السؤال الذي يطرح بين السوريين هو: “وين الفنانين؟” ولماذا لا يتخذون مواقف مما يحدث؟

وبالنسبة إليها، فإن أصالة أجابت عن هذا السؤال بموقفها، ولذلك فإن عودتها اليوم إلى دمشق واحتفاء جمهورها بها أمر طبيعي بالنسبة إليها.

وقالت صبري، إن أصالة “حاملة اسم سوريا بالوطن العربي”، وإنها في وقت كانت فيه مطالب الناس أن يحمل الفنانون صوتهم إلى العالم، كانت واحدة ممن فعلوا ذلك.

وترى أن من حق الفنانة التي اتخذت موقفًا خلال تلك المرحلة أن تعود إلى بلدها وتفرح وتُفرح جمهورها، معتبرة أن موقف أصالة لم يكن عابرًا، بل استمر معها طوال السنوات الماضية.

الفنان السوري نوار بلبل، ذهب في الاتجاه نفسه، لكن من خلال تعبير أكثر ارتباطًا باللحظة الحالية.

واعتبر، في حديث إلى عنب بلدي، أن عودة أصالة تمثل، بالنسبة إليه، اكتمال دائرة بدأت منذ سنوات الثورة، عندما اختارت الفنانة أن تكون إلى جانب السوريين في موقفها السياسي.

وقال إن الحفل يأتي أيضًا بعد سنوات من الأسئلة حول ما إذا كانت أصالة ستعود إلى سوريا وتغني فيها، ولذلك فإن وقوفها اليوم على مسرح في قلب دمشق يمثل بالنسبة إليه إجابة عن تلك الأسئلة.

ولا يفصل بلبل بين هذا البعد السياسي وبين الحضور الاجتماعي للحفل، فهو يرى أن الفن استطاع في تلك الليلة أن يجمع أشخاصًا من خلفيات سورية مختلفة في مكان واحد.

ويطرح سؤالًا بسيطًا: إذا كان في الصالة آلاف الأشخاص، فهل يمكن معرفة من بينهم المسيحي والعلوي والسني والدرزي والشيعي والكردي والعربي؟ بالنسبة إليه، لا. لأن الفن، كما قال، جمعهم جميعًا في المكان نفسه.

وهنا تعود عودة أصالة إلى النقطة التي بدأت منها: الحفل كمساحة للفرح.

موقف ثابت من الثورة

مع مرور السنوات، ظل موقف أصالة السياسي حاضرًا في تصريحاتها وظهورها الإعلامي، ففي مقابلة عام 2013، سُئلت عما إذا كانت نادمة على موقفها من الثورة السورية، فأجابت بأنها لم تندم.

ذلك الموقف جعل أصالة حالة مختلفة في المشهد الفني السوري، فهي لم تكن فنانة غابت عن بلدها بسبب مسيرتها الفنية أو إقامتها خارج سوريا فحسب، بل ارتبط غيابها بموقف معلن جعل عودتها إلى دمشق، لسنوات، أمرًا مؤجلًا.

وحملت عودتها تاريخًا سياسيًا واضحًا، وحملت أغاني الألبوم ذاكرة مناطق سورية متعددة، وبقي المسرح في النهاية مساحة اجتمع فيها الجمهور حول صوت فنانة سورية غابت سنوات طويلة.

ولم يكن السؤال في صالة “الفيحاء” فقط ماذا ستغني أصالة، بل ماذا يمكن أن يعني أن يعود صوت غاب طويلًا إلى مدينته، وأن يصبح التراث مساحة للقاء، وأن يتحول حفل فني إلى مناسبة يتقاطع فيها الفرح مع الذاكرة والسياسة والبحث عن صورة جديدة لسوريا.

ماذا عن التحضير؟

أما على مستوى التحضير، فالحفل نفسه شكّل تحديًا لفريق التنظيم، بحسب نوارة بريدي، مديرة شركة “نيون” المساهمة في تنظيم الحفل، التي تحدثت عن فترة تحضير قصيرة نسبيًا، لكنها شهدت عملًا مكثفًا وأفكارًا جديدة بصورة مستمرة.

وأوضحت بريدي أن التحضير استمر نحو ثلاثة أشهر، والفريق كان يناقش بصورة يومية أفكارًا جديدة للحفل، انطلاقًا من الرغبة في تقديم شيء يليق بعودة أصالة.

ورغم أن الحفل حظي باهتمام عربي، أكدت بريدي أن الأولوية بالنسبة إلى المنظمين كانت للجمهور السوري، موضحة أن الحفل صُمم أساسًا “لأهل سوريا” الذين اشتاقوا إلى أصالة، وأن بيع البطاقات ركز في البداية على الموجودين داخل سوريا.

وأضافت لعنب بلدي، أن حضور الجمهور العربي كان موضع ترحيب، لكن الفكرة الأساسية كانت أن يفرح السوريون بأصالة، وأن تستمتع هي أيضًا بهذا الجمهور.

وأقيم الحفل برعاية شركة “غلوري” القابضة، الراعي الرسمي، إلى جانب رعاية وزارة الثقافة، و”سيريتل”، و”ريڤا”، والمؤسسة العربية للإعلان.

مقالات متعلقة

  1. أصالة نصري تغني في دمشق بعد 15 عامًا من الغياب
  2. ما حقيقة اقتراب عودة أصالة نصري إلى سوريا؟
  3. الأمن اللبناني يوقف أصالة بتهمة حيازة المخدرات
  4. حكومة "الوفاق" الليبية تتوعد بمقاضاة أصالة نصري بسبب أغنية "الحب والسلام"

فن وثقافة

المزيد من فن وثقافة