في إحدى حارات السويداء، يتجمع عدد من الأطفال وهم يرددون “جوفيات” تراثية حماسية، اعتادوا سماعها في المناسبات الاجتماعية أو خلال التجمعات الشعبية.
وبينما ينشغل بعضهم بتقليد أصوات إطلاق النار أو تمثيل مشاهد مستوحاة من الواقع المحيط بهم، يبدو أن جزءًا من ألعاب الطفولة باتت تتراجع لمصلحة أنشطة ذات طابع عنفي، تعكس ما يعيشه المجتمع من ظروف وتحولات، خاصة على الصعيد الأمني.
خلال الفترة الأخيرة، فرضت الأوضاع الأمنية والاقتصادية نفسها على تفاصيل الحياة اليومية في المحافظة، ولم يكن الأطفال بمنأى عن تأثيراتها، فالمشاهد المرتبطة بالسلاح والحراسة والاشتباكات والنزوح والأحداث الأمنية، أصبحت تؤثر بشكل مباشر على البيئة التي يكبرون فيها، ما انعكس في طبيعة الحال على ألعابهم واهتماماتهم وخاصة الذكور منهم.
ويلاحظ عدد من الأهالي أن أبناءهم باتوا يميلون إلى تقليد ما يشاهدونه في محيطهم، أكثر من انشغالهم بالألعاب التي كانت شائعة في السابق، مثل ألعاب الكرة أو الأنشطة الجماعية البسيطة.
ويقول بعضهم، إن الأطفال يحفظون أهازيج وهتافات حماسية، ويرددونها خلال اللعب أو في أثناء تجوالهم في الأحياء، دون إدراك كامل للمعاني المرتبطة بها.
تمّام، أحد المهجرين من الريف الغربي للسويداء، وهو أب لطفل، قال إن طفله اعتاد في القرية مع أقرانه ألعابًا رياضية مثل كرة القدم، أما الآن بعد الاستقرار في المدينة وعدم وجود مكان وأصدقاء للعب كما في السابق، وبعد الأحداث والأصوات التي كان يسمعها في أثناء “الاجتياح”، بحسب وصفه، أصبحت غالبية طلباته هي ألعاب أسلحة وبنادق “لكي يحمينا”، بحسب قول الأب.
في المقابل، يؤكد أهالٍ أن أبناءهم بحاجة إلى مساحات آمنة للترفيه والأنشطة الثقافية والرياضية التي تساعدهم على بناء اهتمامات مختلفة، وتمنحهم فرصة للابتعاد عن الضغوط التي يفرضها الواقع المحيط.
اللعب كانعكاس للخوف والبحث عن الأمان
أكدت الدكتورة سلام الخطيب، الحاصلة على دكتوراة في أصول التربية، أن ميل الأطفال إلى تقليد إطلاق النار أو اللعب بالأسلحة ليس سلوكًا غريبًا في الظروف الحالية، موضحة أن الطفل يتأثر بشكل مباشر بالبيئة المحيطة به فهو “ابن البيئة”، ويعكس ما يراه ويسمعه في حياته اليومية.
وقالت إن الأطفال يتعلمون من خلال التقليد والنمذجة، فيقتدون بالأشخاص الموجودين حولهم سواء كانوا من أفراد الأسرة أو من الشخصيات التي يعتقدون أنها تمثل القوة والحماية، ما يفسر حضور مشاهد السلاح في ألعاب بعضهم.
وأضافت الخطيب أن اللعب بالنسبة للأطفال ليس مجرد وسيلة للتسلية، بل حاجة نفسية أساسية تساعدهم على التعبير عن مشاعرهم والتعامل مع الضغوط التي يواجهونها.
لذلك فإن الألعاب التي تحاكي الأسلحة أو الاشتباكات قد تعكس مشاعر خوف أو توتر أو حاجة إلى الإحساس بالأمان، خاصة لدى الأطفال الذين عاشوا أحداثًا صعبة أو تعرضوا لمشاهد عنف بشكل مباشر أو غير مباشر.
وأشارت إلى أن تشجيع الأطفال أو الثناء عليهم بهذا النوع من الألعاب، بشكل مستمر، قد يسهم في ترسيخ مفاهيم العنف لديهم باللاشعور.
وترى أنه من الواجب توجيههم نحو أنشطة تفريغية أخرى، وذلك يختلف بحسب ميول كل طفل، كالرسم أو الرياضة أو الأعمال اليدوية والموسيقا، وهي أنشطة تساعد على تفريغ الطاقة وبناء مهارات اجتماعية ونفسية أكثر إيجابية.
كما ترى الخطيب أن ملامح الطفولة في السويداء تغيّرت، خاصة بعد أحداث تموز 2025، لأن الأطفال عاشوا صدمات إن كانت عن طريق رؤيتهم للمشاهد القاسية خلال الأحداث التي شهدتها المحافظة، أو خلال سماعهم عنها وكل تلك المشاهد خُزّنت لديهم وبدأت آثارها بالظهور.
في السابق، عندما كنا ننظم مبادرات مخصصة للطفل، كان الاختيار يُبنى على الأطفال الأكثر حاجة لمساحة آمنة. أما اليوم، فجميع الأطفال بحاجة لمساحة آمنة ليعبروا فيها عن مشاعرهم و لتلقي الدعم النفسي.
د. سلام الخطيب
حاصلة على دكتوراة في أصول التربية
بين أصوات الأهازيج الحماسية وتقليد مشاهد إطلاق النار، تبرز تساؤلات حول شكل الطفولة في السويداء اليوم، ومدى تأثير الظروف التي عاشتها المحافظة على جيل كامل نشأ في ظل تحديات استثنائية، فالأطفال لا يصنعون واقعهم بأنفسهم، لكنهم غالبًا يعكسونه في ألعابهم وكلماتهم، لتصبح الطفولة مرآة صادقة لما يدور حولها.
ما أحداث السويداء
شهدت محافظة السويداء جنوبي سوريا أحداثًا دامية، في شهر تموز 2025، بعد معارك بدأت بين فصائل محلية وعشائر من البدو، ثم تطورت عقب تدخل الحكومة.
ثم دخلت إسرائيل على خط الصراع إلى جانب الفصائل المحلية، ما أدى إلى تراجع الحكومة، ثم دخول مقاتلين يتبعون للعشائر على شكل “فزعات”. وتخلل الأحداث انتهاكات متبادلة من الأطراف الثلاثة، ما أدى إلى مقتل أكثر من 1700 شخص، معظمهم من المدنيين، بحسب تقديرات الأمم المتحدة.
