خشبة “الحمراء” تعود.. هل يبدأ ترميم المسرح السوري؟

  • 2026/09/19
  • 4:48 م
من افتتاح مسرح "الحمراء" بعد إعادة تأهيله - 18 أيلول 2026 (عنب بلدي)

من افتتاح مسرح "الحمراء" بعد إعادة تأهيله - 18 أيلول 2026 (عنب بلدي)

enab_get_authors_shortcode

بعد أكثر من ثمانية أشهر من أعمال التأهيل، عادت ستارة مسرح “الحمراء” في دمشق إلى الارتفاع مساء الجمعة 18 من أيلول، معلنة استعادة واحد من أقدم المسارح السورية لمساحته التي غابت عنها العروض لفترة.

افتُتح المسرح وزير الثقافة محمد ياسين الصالح، بحضور وزير المالية محمد يسر برنية، ووزير الاتصالات عبد السلام هيكل، إلى جانب عدد من الفنانين والمخرجين، بينهم يارا صبري وماهر صليبي وروزينا لاذقاني وليلى عوض وعهد ديب وغيرهم.

وضع وزير الثقافة محمد ياسين الصالح عودة “الحمراء” ضمن أهمية أوسع للمسرح باعتباره من أقدم المسارح العريقة في سوريا، وباعتباره مساحة تجمع الفنون، في وقت يشكل فيه الفن وسيلة مهمة للتواصل.

أما وزير الاتصالات عبد السلام هيكل، فقال في حديث إلى عنب بلدي، أن إعادة افتتاح المسرح إحدى بوادر عودة سوريا، معتبرًا أن رفع ستارة المسرح في هذه المرحلة يتزامن مع وجود “حكايات سورية كثيرة” تنتظر أن تُروى، من حكايات الوجع والنجاة والعودة والبدايات والنهايات.

ويرى هيكل أن المسرح والفنون عمومًا يمكن أن يوفروا مساحة لرؤية السوريين أنفسهم وسماع ما لم يُسمع سابقًا، وطرح القضايا والمشكلات والأسئلة التي تواجه المجتمع في مرحلة بناء الدولة.

لكن عودة “الحمراء” لا تتعلق فقط بتجديد مقاعد أو إصلاح خشبة، إذ يقول مدير مديرية المسارح، نوار بلبل، إن المكان كان قبل بدء الأعمال “غير صالح للاستخدام البشري”، بينما يفتح تأهيله سؤالًا أوسع عن واقع المسارح السورية، وقدرتها على العودة إلى العمل، وعن إمكانية أن يصبح نموذج الحمراء مدخلًا لتأهيل مسارح أخرى في المحافظات.

ثمانية أشهر لإعادة الحياة إلى خشبة متهالكة

استغرقت أعمال تأهيل مسرح الحمراء، بحسب مدير مديرية المسارح، نوار بلبل، ثمانية أشهر و17 يومًا، وشملت أجزاء مختلفة من المسرح الذي يصف حالته السابقة بأنها كانت متدهورة إلى درجة كبيرة.

وقال بلبل، لعنب بلدي، إن المكان كان مليئًا بالأنقاض، ولم تكن حال الجدران والكراسي والمكاتب والكواليس والمستودعات تسمح باستخدامه لاستقبال الفنانين والجمهور.

ولم تقتصر العملية على إصلاح المكان وتجهيزه، إذ أُخرجت من بين الأنقاض بعض القطع المرتبطة بتاريخ المسرح، بينها أول بيانو في مسرح الحمراء، الذي يعود إلى عام 1960، إضافة إلى تجهيزات الإضاءة القديمة.

ووضعت هذه القطع في مساحة داخل المسرح أشبه بمتحف صغير، في محاولة للحفاظ على جانب من ذاكرة المكان، بالتوازي مع إعادة تأهيله ليعود إلى وظيفته الأساسية.

مسرح بتمويل المتبرعين

لم تتحمل خزينة الدولة تكلفة أعمال تأهيل الحمراء، بحسب مدير مديرية المسارح، إذ اعتمد المشروع على مساهمات متبرعين خاصين، في ظل وجود قطاعات ومشروعات أخرى ترى المديرية أنها أكثر أولوية في الإنفاق الحكومي.

وشرح بلبل أن الفكرة بدأت من التواصل مع متعهدين وأصدقاء لتقدير كلفة الأعمال المطلوبة، ثم جمع المبالغ تدريجيًا من متبرعين، تراوحت مساهماتهم، وفق حديثه، بين 50 دولارًا و6000 دولار.

وقدر بلبل الكلفة الإجمالية التي جُمعت ونُفذت بها أعمال التأهيل بنحو 33,750 دولارًا.

الاعتماد على شبكة من الأصدقاء والمتعهدين والمتبرعين أتاح تنفيذ الأعمال بكلفة أقل من التقديرات التي كان يحصل عليها لإعادة تأهيل مسرح بالكامل، والتي كانت قد تصل إلى 150 أو 200 ألف دولار، وفقًا لبلبل.

ولا يرى بلبل في تجربة “الحمراء” مشروعًا منفردًا، بل يريد البناء عليها لتأهيل مسارح أخرى، من خلال التواصل مع متعهدين ومتخصصين ومتطوعين ومتبرعين في مختلف المناطق.

الفكرة بالنسبة إليه، تقوم على أن يتولى أشخاص أو جهات تمويل مشاريع محددة، بما يسمح بإعادة تأهيل عدد أكبر من المسارح من خارج الموازنة العامة.

خطوة تعيد الحركة للمسرحيين

يرى المخرج المسرحي سعيد حناوي أن أهمية الخطوة تتجاوز إعادة افتتاح مبنى، بالنسبة إلى المسرحيين الذين ارتبطوا بالمكان على مدى سنوات.

واعتبر حناوي، في حديث إلى عنب بلدي، أن مسرح الحمراء ليس مجرد منشأة تتبع إداريًا لوزارة الثقافة أو مديرية المسارح، بل مساحة تخص العاملين فيه، وعودته إلى العمل تمثل خطوة كبيرة يمكن أن تعيد الحركة إلى المسرحيين.

ولا تتوقف أهمية التأهيل، بحسب حناوي، عند الصالة الرئيسية، إذ يشير إلى تجهيز صالة تحت المسرح يمكن أن تستضيف عروضًا خاصة، ما يوسع المساحات المتاحة أمام الفنانين والفرق.

المخرج وأحد المتبرعين للمسرح، أحمد زهير، يعتقد أن أهمية عودة “الحمراء” ترتبط بمكانته، بوصفه واحدًا من أقدم المسارح المهمة في دمشق وسوريا، بعدما بقي لفترة مهجورًا وفي حالة متدهورة.

ويرى زهير أن إعادة تأهيل المسرح لا تخدم المكان وحده، بل الفنانين والفرق المسرحية والموسيقيين الذين يحتاجون إلى مساحات مجهزة حتى يتمكنوا من تقديم أعمالهم.

ويقول إن وجود المسارح “ضروري”، لأن الفنان أو الفرقة لا يمكن أن يقدم عرضه من دون خشبة مجهزة، معتبرًا أن سوريا بحاجة إلى إعادة تأهيل عدد أكبر من المسارح حتى تستعيد الفرق والفنانين قدرتهم على العمل وتقديم عروضهم.

وقد شهد الافتتاح تقديم فقرة رقص لفرقة “دانس” من إخراج أحمد زهير، كما شهدت وصلات غنائية وموسيقية للون الأوبرالي والغربي، من تقديم فرقة “Ban the band”.

من فعاليات افتتاح مسرح “الحمراء” بعد إعادة تأهيله – 18 أيلول 2026 (عنب بلدي)

إذا عاد الحمراء.. ماذا عن مسارح المحافظات؟

عودة “الحمراء” إلى العمل تفتح السؤال على بقية المسارح السورية، التي لا تزال بحاجة إلى تجهيزات أساسية تسمح باستقبال العروض.

بلبل كشف أن العمل انتقل لمسرح القباني في دمشق، وبدأت عمليات إعادة تأهليه، متوقعًا انتهائها خلال شهر، وبعده ستبدأ عمليات إعادة مسارح المحافظات السورية جميعها وفق التسلسل.

وأشار المخرج المسرحي سعيد حناوي إلى أن هناك مسارح مهمة في المحافظات، لكنها لا تملك في بعض الحالات الإضاءة أو أجهزة التحكم أو الكواليس والتجهيزات الضرورية، ما ينعكس مباشرة على قدرة الفرق المسرحية على العمل.

وبحسب حناوي، فإن غياب التجهيزات لا يعني فقط مشكلة في البنية التحتية، بل يؤدي إلى توقف جزء من الحركة المسرحية نفسها، لأن الفنان أو الفرقة يحتاجان إلى مكان مجهز حتى يتمكنا من تقديم أعمالهما.

ويأمل حناوي أن تفتح تجربة الحمراء الباب أمام إعادة تأهيل المسارح في المحافظات أيضًا، معتبرًا أن تجهيزها يمكن أن يؤدي إلى زيادة عدد الفرق والعروض المسرحية، وإلى انتقال النشاط من وجود فرقة أو فرقتين في بعض المناطق إلى حركة مسرحية أوسع.

ويرى أن دعم المسارح بالإضاءة والديكور والإكسسوارات والتجهيزات الفنية يمكن أن يحدث “نقلة نوعية” في المسرح السوري، بعدما بقيت مساحات كثيرة غير قادرة على حمل العروض بالشكل المطلوب.

من فعاليات افتتاح مسرح “الحمراء” بعد إعادة تأهيله – 18 أيلول 2026 (عنب بلدي)

التحدي بعد الافتتاح

لكن إعادة تأهيل المبنى لا تعني تلقائيًا عودة الحركة المسرحية إليه، فالمهمة التالية تتمثل في ملء هذه الخشبة بالعروض والجمهور، وتحويل المكان من مبنى جرى ترميمه إلى مساحة ثقافية تعمل بصورة مستمرة.

الفنانة ليلى عوض، اعتبرت أن إعادة تأهيل المسارح وافتتاحها من جديد خطوة مهمة لعودة الحركة المسرحية، مضيفة أن اعتماد مشروع الحمراء على التبرعات يمثل “فعلًا يستحق التقدير”.

وتأمل عوض بمزيد من الدعم من وزارة الثقافة ومن القادرين على المساهمة، حتى تعود المسارح إلى الحياة وتوفر للفنانين أماكن لتقديم أعمالهم وقيمتهم الفنية.

وترى أن أهمية المسرح لا تقل عن الاحتياجات الأساسية في حياة الإنسان، لأن تغذية الفكر، بحسب تعبيرها، لا تقل أهمية عن الأكل والشرب، واصفة الفن بأنه بمثابة “تغذية للفكر”.

وكان مدير المسارح في سوريا نوار بلبل، قد أوضح في حديث سابق مع عنب بلدي، أن الهدف من إحياء المسرح، لا يقتصر على إعادة تأهيل البنية التحتية، بل يتعداه إلى إعادة تنشيط الحركة المسرحية، عبر توفير أرضية مناسبة لإطلاق موسم فني متكامل، مع طموح لتقديم نحو 200 ليلة عرض سنويًا، تتوزع بين المسرح والموسيقى، بما يليق بمكانة دمشق وسوريا.

وفي بعدٍ اجتماعي لافت، يهدف المشروع أيضًا إلى إعادة بناء التواصل بين السوريين، من خلال خلق فضاءات داخل المسرح، تتيح للناس اللقاء والحوار، مثل إعادة تفعيل “البوفيه” وأماكن الجلوس، بما يحوّل المسرح إلى مساحة تفاعل يومي وليس مجرد مكان للعروض.

وبهذا المعنى، لا يرتبط نجاح تجربة الحمراء بالشكل الجديد للمبنى فقط، وإنما بقدرته على استضافة أعمال منتظمة، واستقطاب الفنانين والفرق والجمهور، وتحويل التأهيل إلى نشاط ثقافي مستمر.

مسرح “الحمراء”.. إعادة تأهيل تمهد لخطة بـ200 عرض سنويًا

مقالات متعلقة

  1. اعتذار سوري من عازف لبناني مُنع من صعود خشبة "الحمراء" بدمشق
  2. مسرح "الحمراء".. إعادة تأهيل تمهد لخطة بـ200 عرض سنويًا
  3. لجنة لتحديد المستوى بدل الرقابة.. حوار يبحث أزمات المسرح السوري
  4. عازف كمان لبناني يمنع من صعود مسرح "الحمراء" بدمشق

فن وثقافة

المزيد من فن وثقافة